الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

محمود سعد دياب يكتب: طاجيكستان وحلم الخروج من قمقم الدول الحبيسة



على قدم وساق؛ يجري العمل على الانتهاء من إقامة سد راغون المائي في طاجيكستان –إحدى جمهوريات آسيا الوسطى- على نهر "وخش" الضخم الذي يعتبر أهم المجاري المائية في المنطقة بعد نهري سيحون وجيحون اللذان ينبعان أيضًا من الجبال الطاجيكية.
ومن المتوقع أن يتم الانتهاء قريبًا من بناء سد راغون الذي تعتبره طاجيكستان مشروعها القومي خصوصًا وأن الدولة التي تعاني من فقر في الموارد الطبيعية وتريد أن تحدث حالة من الانتعاش لاقتصادها الذي خرجت به هشًا بعد سلسلة من الحروب الأهلية عقب الاستقلال عن الاتحاد السوفيتي مطلع التسعينات، حيث تخطط الدولة لإنتاج الطاقة الكهرومائية من اندفاع المياه من أعالي الجبال .
وتعاني الدول الحبيسة مثل دولة طاجيكستان؛ من عدم وجود فرص كبيرة لإحداث تنمية اقتصادية ومن ثم تحقيق الرفاهية للمواطنين ورفع مستوى التعليم والصحة بما يرفع من شأن الدولة كلها مثلما حدث في عدة دول مثل البرازيل تمكنت من إحداث نقلة في حياة المواطن ورفع لمستوى معيشته وتعليمه والخدمات الصحية المقدمة له، وسبب المعاناة أن الدولة الحبيسة التي لا تطل على منفذ بحري لا تتمكن من زيادة نسبة صادراتها نظرًا لزيادة تكلفة النقل عن طريق البر أو الجو فضلا عن اضطرارها إلى تأجير أراضي الغير، لكي تمر بضائعها لأقرب منفذ بحري مثل أذربيجان والعراق اللتان تمدان خطوط النفط إلى موانئ التصدير بالبحر المتوسط عبر تركيا وسوريا والأردن وإسرائيل، وذلك في ظل غياب طريق الحرير القديم الذي كان يربط دول وسط وجنوب شرق أسيا بشمال إفريقيا وأوروبا.
وجاء مشروع السد كحل بديل لكي تستطيع به تحقيق عائد اقتصادي قوي، خصوصًا وأنها دولة جبلية بنسبة 93% ولا تستفيد إلا من 9% من مياه الأمطار والأنهار التي تسيل منها إلى دول المصب المجاورة، وذلك بإقامة سد راغون على نهر جيحون كما هو معروف عند العرب أو أمودريا كما هو معروف عند الطاجيك ويقع بالمنطقة التي فتحها العرب في صدر الإسلام وأسموها بلاد ماوراء النهر، وذلك بهدف توليد الكهرباء وتصديرها فضلا عن تنظيم مرور المياه إلى دول المصب لتكون بشكل دائم بدلا من كونها بشكل موسمي مثلما هو الحال عليه حاليًا.
فكرة بناء السد بدأت بعد تفكك الاتحاد السوفيتي حيث بدأت مناقشات مستمرة بين الدول المنتجة للطاقة الكهرومائية والدول المستفيدة من المياه في آسيا الوسطى، فدول المصب مثل كازاخستان، تركمانستان، وأوزبكستان تستخدم المياه لأهداف زراعية على عكس دول المنبع المتمثلة فى طاجيكستان وقرغيزستان تستخدم المياه في توليد الطاقة الكهربائية، وقد شهدت الأيام الماضية اتفاق بين دول المنبع ودول المصب بتبادل المياه لأهداف زراعية في فصل الصيف بالطاقة الكهربائية لفصل الشتاء.
وأكدت صوله أحمد كليوفا الباحثة الكازاخية في شؤون أسيا وأوروبا، وهي من إحدى دول المصب الغنية بموارد الطاقة أن بلادها تعمل على رفع أسعار الطاقة بمختلف أنواعها في المنطقة الا أنه وفي عهد السوفيت كان المنبع يوفر الكهرباء للمصب مجانا كتبادل المياه والطاقة بين تلك الدول، أما اليوم فإن العلاقات بين دول المنبع ودول المصب تتأزم فيما يتعلق بالاستفادة من المياه لأهداف زراعية وتوليد الطاقة الكهربائية على حد سواء. وبالتالي ينشأ سوء التفاهم بينهم بخصوص بناء هذا النوع من السدود الضخمة مثل مشروع سد راغون بجمهورية تاجيكستان.
شهادة صوله أحمد كليوفا الباحثة من كازاخستان مهمة للغاية حيث أكدت أن دول المنبع مثل جمهورية طاجيكستان تواجه نقصا كبيرا في الطاقة الكهربائية، ففي سنة 2014م كان الشعب الطاجيكي يواجه نقصا في الطاقة بنسبة 70%، كمثال لهذه الأزمة فإن المناطق البعيدة عن المناطق المركزية بالجمهورية تواجه نقصا بأكثر من 2.2 – 2.5 مليار كيلووات في الساعة، وأن هذه الأزمة تزداد سوءا وعلى وجه الخصوص بعد إلغاء الاتفاقية في سنة 2009م بين دول المنطقة التي كانت بموجبها تصدر جمهورية طاجيكستان الطاقة لدول الجوار في فصل الصيف وتستوردها فى الشتاء وبعد إلغاء تلك الاتفاقية انشقت طاجيكستان عن النظام الموحد للطاقة بين دول آسيا الوسطى، وهو ما يمثل أزمة في تلك الدول خصوصًا في فصل الشتاء حيث لا يمكن العيش في تلك البلاد بدون استخدام وسائل التدفئة التي تعتمد على الكهرباء بشكل أساسي .
وقالت إنه لذلك بدأت طاجيكستان في البحث عن حلول لهذه الأزمة، والحقيقة أن الذخيرة المائية ضمن نطاق حدود جمهورية طاجيكستان تمثل 4% من مياه العالم و53% في آسيا الوسطى، وتقدر حصة الطاقة الكهرومائية لطاجيكستان نحو527 مليار كيلووات في الساعة، وحاليا تتم الاستفادة نحو 4% فقط من هذه الحصة. وتمثل إحدى الطرق الناجحة للخروج من هذه الأزمة في طاجيكستان هي بناء سد راغون الكهرومائي. ويرى رئيس جمهورية تاجيكستان إمام علي رحمان أن إنشاء سد راغون يمكنه حل هذه الازمة بالجمهورية.
وبإكتمال بناء السد سوف يكون من أعلى سدود العالم حيث يقدر ارتفاعه بـ335 مترا ومساحته بمقدار13 كلم مكعب، وتقدر قدرته الإنتاجية بنحو 3600 ميجاوات في العام و13.1 مليار كيلووات للعام.
وقد خططت القيادة السياسية لجمهورية طاجيكستان بقيادة الرئيس إمام علي رحمان لمشروع سد راغون الكبير بعناية كبيرة خصوصًا وأن المشروع يُخرجها من أزمة نقص الطاقة الكهربائية، وهو بالمناسبة فكرة قديمة حيث كانت أول مرة يتم اقتراح بناء سد راغون سنة 1959م في عهد الاتحاد السوفيتي وبدأ بناءه في عام 1976م ولكن بتفكك الاتحاد السوفيتي توقف البناء، وبعد ذلك عادت الدولة لاستكماله وفُسِخت اتفاقية تقسيم المياه التي تم التوقيع عليها بين دول المنطقة سنة 1992م.
ولكن بسبب الحرب الأهلية في طاجيكستان والتى استمرت حتى 1997م توقف العمل في هذا المشروع، وبعد انتهاء الحرب الأهلية لم يبدأ العمل في المشروع إلا عام 2000م وذلك لأسباب اقتصادية تتمثل فى خسائر الحرب الأهلية بطاجيكستان.
وبحلول عام 2000م ، بدأ البحث عن مستثمرين دوليين لإعادة المشروع للحياة مجددا واستمرت المباحثات مع روسيا حول بناء سد راغون، واستكمل العمل في المشروع مع بداية عام 2008م، وتم إعادة ترميم قنوات سد نهر وخش سنة 2010م، على الرغم من كل ذلك تم وقف العمل في المشروع لانتظار تقييم البنك الدولي للمشروع فى عام 2012م.
واشتدت النزاعات بين طاجيكستان وأوزبكستان حول مشروع سد راغون، وتعقد طاجيكستان آمالا كبيرة في بناء هذا المشروع وتؤكد على الأهمية الاقتصادية له والذى بسببه تتخوف أوزبكستان من خطر انقطاع جريان نهر وخش.
من جانبه؛ قال السفير خسرو ناظري سفير جمهورية طاجيكستان بالقاهرة في تصريحات خاصة لـ "بوابة الأهرام"، إن هناك مئات الأنهار الصغيرة التي تنبع من قمم الجبال سواء من الأمطار أو من الثلوج التي تذوب في فصل الصيف، ولذلك فإن 60% تقريباً من حجم المياه التي تستفيد منها دول أسيا الوسطى كلها تنبع من الجبال في طاجيكستان ، ولكن استفادتها من تلك المياه لا تتعدى من 8-9 % فقط من الحصة المتفق عليها والبالغة 12%، وأن إنشاء هذه المحطة الكهرومائية من شأنه إحداث توازن لأن أعوام الجفاف تقل فيها الأمطار وهو ما يعود بالإيجاب على دول المصب خصوصًا وأنها سوف تتمكن من توسيع رقعتها الزراعية، بالإضافة إلى زيادة حجم الطاقة اللازمة للمشروعات التنموية.
وأضاف السفير ناظري أن هناك مئات الأنهار الأخرى التي لن تجعل هناك تأثيرًا من تناقص حصة المياه المخصصة لكل دولة من دول المصب من نهري جيحون وسيحون، فضلا عن أن جميع الأنهار تصب في بحر آرال الذي يواجه كارثة بيئية خطيرة بسبب أن إدارة الدولة في العهد السوفيتي وجهت مجاري المياه إلى مزارع القطن الواسعة بدلا من أن تصب في بحر آرال الذي انخفض مستواه إلى الثلث تقريبًا وتحول إلى مساحات شاسعة من الصحراء واختلت المنظومة البيئية وتدمرت الثروة السمكية ونحن نسعى كدول المنطقة لإصلاح الوضع عن طريق إعداد برامج مختلفة ومتطورة لإعادة الوضع كما كان عليه وقد تم مناقشة القضية في المؤتمر أيضًا.
ولفت السفير خسرو ناظري إلى أن راغون ليس هو السد الوحيد بل هناك سد نارك والذي قد تم إنشاؤه في سبعينات القرن الماضي وهو من أعلى السدود على مستوى العالم، وهناك محطات كهرمائية لتوليد الطاقة والتي يقوم عليها الاقتصاد التاجيكي، والتي نقوم بتصديرها إلى دول الجوار و أفغانستان خصوصًا وأن طبيعتنا الجبلية حرمتنا من وجود أبار النفط والغاز الكبيرة التي تتمتع بها دول المصب.
ومع أننا كمصريين قد اكتوينا بنار سد النهضة الإثيوبي الذي يهدد الأجيال المقبلة بالحرمان من المياه، كان لابد أن أساله سؤال مهم وهو: هل وجه شبه بين سد النهضة وسد راغون الذي تنوون إنشاؤه؟، فرد علي قائلا: "لا كل منطقة لها ظروفها وليس هناك وجه تشابه خصوصًا وأن سد راغون لن يؤثر على حصة دول المصب من المياه فهناك أنهار أخرى صغيرة غير نهر جيحون ونهر سيحون الذي ينبع من قرغيستان، بالإضافة إلى أن سد راغون سيحدث نوعًا من التوازن في توزيع المياه في حين أن نهر النيل هو نهر واحد فقط وهو مصدر المياه، ويجب على الدول المتشاركة فيه الوصول إلى حلول وسط يستفيد منها الجميع".
في سياق متصل؛ دعمت طاجيكستان توجهها نحو بناء السد بأن حصلت على موافقة من الأمم المتحدة باعتبار الفترة من عام 2018 حتى 2028 عقدًا دوليًا للعمل من أجل التنمية المستدامة، ذلك القرار الذي تبنته 177 دولة عضو في الأمم المتحدة بما فيها مصر.
وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة في هذا القرار من جديد على أهداف التنمية المستدامة المتصلة بالموارد المائية، بما فيها الواردة في خطة التنمية المستدامة لعام 2030، وتصميما منها على تحقيق الهدف المتمثل في ضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي للجميع وإدارتها على نحو مستدام وغيره من الأهداف والغايات ذات الصلة.
وشددت في القرار على أن الماء عنصر حاسم في التنمية المستدامة والقضاء على الفقر والجوع، وتشدد على الارتباط بين الماء والطاقة والأمن الغذائي والتغذية وعلى أن لا غنى عن الماء لنمو الإنسان وصحته رفاهه، وعلى أنه عنصر حيوي في تحقيق أهداف التنمية المستدامة والأهداف الأخرى ذات الصلة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية.
وتقر الجمعية العامة في قرارها بأهمية تعميق التعاون والشراكة على جميع المستويات من أجل تحقيق الأهداف الإنمائية المتفق عليها دوليا في مجال المياه والصرف الصحي.
جدير بالذكر أن طاجيكستان تعتبر من أغنى دول المنطقة من حيث الموارد المائية، إذ إن ما يزيد عن 65% من مياه آسيا المركزية يتشكل في طاجيكستان التي أصبحت مساحتها شرايين من الأنهار عددها 985 نهراً منه سيحون وجيحون المعروفان في الأدب الجغرافي العربي القديم وكذلك نهر "وخش"، بخلاف 10 آلاف نهر جليد بمساحة تقدر 8,5 ألف كم2 والعديد من البحيرات والخزانات المائية الطبيعية والاصطناعية إحداها بحيرة "ساريز" التي وُجدت بفعل انهيار جبلي في جبال بامير الشاهقة بمخزون يقدر 16 مليار متر مكعب من المياه النقية.

التعليقات