الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مع مهندس العروض الرقمي وقفات وتساؤلات

لم يكن العروض الرقمي انقلابًا على عروض العبقري الخليل بن أحمد الفراهيدي أو خروجًا من نظامه وبنيانه مثل من حاولوا عبر قرون الخروج عليه ولا يزالون، أو مثَّل طوْرًا من أطوار التجديد التي لامست الشكل أو المضمون، بل هناك التزام واضح وتام من أرباب الرقمي على أن التفاعيل والرقمي كلاهما أسلوبان لتقديم عروض الخليل؛ فالتفاعيل جميلة ونجحت في نقل علم الخليل على نحو مفصل مجزأ، والرقمي أسلوب للتواصل مع تفكير الخليل بكليته انطلاقًا للتفاصيل، كما أنهم لايجبرون أحدًا على تعلم العروض بالتفاعيل أن ينتقل إلى تعلمها رقميًا.

وللحق لم يكن العروض الرقمي هو المحاولة الوحيدة ــ ولن تكون الأخيرة ــ من تلك المحاولات الحثيثة والمستميتة من أجل الحفاظ على القصيدة العمودية، والتمسك بشدة بعروض الخليل، وأيضًا الوقوف بشراسة ضد الهجمات الشرسة التي تستهدف ضعضعته ومن ثم الانقضاض عليه دفعة واحدة، تحت دعاوى كثيرة: صعوبته، عدم استساغته، وأنه نظام عروض عفا عليه الزمن ولا يواكب الثورة الهائلة الحادثة في اللغة ومتطلبات الحياة ودعاوى أخرى كثيرة.

من أشهر الأسماء التي علقت بأذهان المهتم بالعروض الرقمي والبارزة على الساحة الأدبية بكثافة هو المهندس والشاعر والعروضي الكبير خشان محمد خشان، والذي ضم إلى تلك الألقاب صفات خُلقية لصيقة به؛ فهو رجل عادل يشير إلى من أضاف من السابقين، كما لا ينسى ذكر من لحقوا به، يبرز ويلصق كل إضافة بصاحبها ولا ينسبها إلى نفسه، قاريء جيد لكثير من العروض غير العربي، متواضع لا تسعف الكلمات وصف هذه الشيمة فيه، هاديء النفس والنبرات، يستوعب كل هجوم عليه، ويصده بالعلم والدليل والحجة، لا يميل إلى أساليب التقليل من الخصم أو الاستهانة به وبما يقول، لا يتعالى بعلمه، ولا يشغِّب على محدثه، بل صبور عليه وإن أخطأ في عرضه لقضيته، يحترم محاوره من أهل التخصص فلا يرميهم بالجهل كما يفعل غيره من أنصاف المثقفين، دؤوب على التواصل مع من يسعى لتعلم الرقمي من العروض، صبور غير عجول في نشر دعوته بين الموهوبين وغيرهم من الشعراء والعروضيين للنهل من مشرب الرقمي السهل.

تمكن العروضي خشان خشان من استيعاب كل المناهج العروضية لغيره والرقمي خاصةً وضمها في إطار واحد هو الدعوة إلى تعلم العروض الرقمي، سواء بالدروس، والتلوين، والفيديو، والكتب، والإحالة على مقالات غيره، لا يستأثر بعلم ولا يمنع غيره منه، ولا نفسه أيضًا من الإعجاب والتشجيع والتعليق على صاحب كل فكرة تضيف إلى تعلم العروض حتى لو كانت تلك الفكرة لا تصب في الرقمي فلا ينكرها أو يتجاهلها أو يحاربها، فغايته أن يتعلم الكل العروض الرقمي تيسيرًا عليهم لفهم وصناعة قصيدة عربية تغرد داخل السرب والنسق الخليلي ليس بعيدًا عنه.

خشان خشان رجل صاحب دعوة؛ فهو لا يمل من عرض العروض الرقمي على أكثر من موقع مشاركًا وموضحًا ومجادلًا، لا تفتقده أبدًا ولا تشعر بغيابه؛ فهو يصحح وينافح ويؤيد ويعضد ويدعو في أدبٍ جم ولسان عفيف وخلق نبيل، حتى لتظنه كأنه هو طالب العلم وأنت المعلم، لا يأنف من مد يد العون لكل عضو، وينشيء له صفحته بنفسه، بل يبشره بأنه سيكون معلمًا بعد حين، ولذا فقد خلق حالة من التعاضد والتعارف بين جميع الدارسين السابقين واللاحقين ليفيدوا غيرهم كما استفادوا هم حتى صار تلامذته كخلايا النحل التي لا تمل التحليق، وجمع الرحيق، وإنتاج العسل، لقد علمهم ــ بحق ــ كيف يكونون فرق عمل، بث فيهم روح الجماعة تلك التي نفتقدها تربويًا وإداريًا ورياضيًا وعلميًا على طول مساحة الوطن العربي كله، ولكنها باتت واضحة المعالم في أكاديمية خشان وإحدى ثمرات أساليبه العلمية والمنهجية الواعية والمدروسة في تعلم العروض الرقمي ظاهرًا وتعلم كل ما قدمته عن الرجل باطنًا وصبغ به تلامذته.

من هنا دعت الحاجة إلى الاقتراب من العروض الرقمي ومهندسه بشكل إنساني أكثر، والتعرف على الرجل في وقفات تجر تساؤلات، ومنها الوقفة الذاتية وتساؤلات مشروعة للتوثيق التاريخي، وهذا حق الأجيال فيه سواءٌ المعاصرة له والتالية بعده، وطرح وقفة اعتراضية على العروض كتلك التي ينتهجها من يناوئونه، ورجل مثل الأستاذ خشان بكل هذا العلم لا يجب أن نحصره في خندق العروض الرقمي وحسب، ولذا فهناك وقفة تحليلية استكشافية طويلة وعميقة نتعرف فيها على آرائه حول القضايا الشعرية والأدبية ونستشف منها عبر تاريخه العلمي والأدبي والعملي الطويل خلاصات تجاربه وتفسيره لإشكاليات سنتوقف عندها، ووقفات أخرى تجر أيضًا تساؤلات، ثم نختم كتابنا القيم ــ بقيمة من نحاور ــ في الجزء الثاني والأخير بوقفة مع العروض الرقمي الخاص بالعروضي المؤسس المهندس خشان خشان، مع عرضه عرضًا جديدًا بعيدًا عن الإحالات والاستطرادات والتشتيت ليفهمه القاريء المحب للشعر بطريقة أسهل، وذلك باتباع المنهج الرأسي في تناول العروض الرقمي، ثم عرضه بالمنهج الأفقي من خلال تقديم نموذج موجز للدورة الأولى ودروسها انتهاءً بتقديم موجز للتصور الكلي للعروض الرقمي، وقد أتى هذا مسبوقًا بالتعرض للتصور الكلي لمنهج العبقري الخليل بن أحمد الذي ينتمي إليه العروض الرقمي.

وأرجو من الله العلي القدير، أن ييسر لنا المسير فيما نقصده من خير لأمتنا العربية صاحبة المجد العريق، ووضعها بما يليق بها وبنا على خارطة العلم والثقافة والأدب بين الأمم، وأن يضيف هذا الكتاب جديدًا للثقافة العربية والإنسانية.
...........................................................

محتويات الكتاب:

ــ الإهداء .............................................4
ـالمقدمة............................................... 5
ــ كلمة المهندس خشان خشان........................ 8
ــ وراء هذا الكتاب قصة............................. 10
ــ الجزء الأول: وقفات وتساؤلات..................... 12
ـ الفصل الأول: وقفة شعرية ....................... 14
ــ الفصل الثانى: وقفة ذاتية.......................... 31
ـ الفصل الثالث: وقفة اعتراضية.................... 38
ــ الفصل الرابع: وقفة للتحية....................... 45
ــ الفصل الخامس: وقفة تطبيقية...................... 64
ـ الفصل السادس: وقفة تاريخية...................... 72
ــ الفصل السابع: وقفة جمالية...................... 86
ـ الفصل الثامن: وقفة تحليلية....................... 99
الجزء الثاني: وقفة مع العروض الرقمي..............130
ـ مفتتح ........................................... 132
ــ الفصل الأول: منهج الخليل والعروضيون العرب.. 134
ـ الفصل الثاني: التصور الكلي لفكر الخليل......... 157
ــ الفصل الثالث: اطلالة على منهج العروض الرقمي.............................................. 171
ــ الفصل الرابع: نموذج موجز من دورات العروض الرقمي.............................................. 174
ــ الفصل الخامس: موجز التصور الكلي للعروض الرقمي...............................................181
ــ سيرة تعريفية بالكاتب ............................199

التعليقات