الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

شرعية أكتوبر

ربما تسعى الكلمات التالية لأن تبدو توافقية تصالحية مع الواقع والوقائع الجارية في مصر، فليس لديها رغبات تصادمية ناسفة للواقع من أجل تحريره علي حساب أشلاء أبناء بلده، وليس لديها رغبات خضوعية تملقية للقائمين علي أمره. فما يجري في سيناء من أربعة سنوات أصبح يحمل مع استمراره معنى مرعب ومخيف، ربما يكون هو هدف المعتدين والممولين لهذا الإعتداء الدائم علي الآراضي المصرية من ترويع أمن سيناء وإزهاق أروح شهدائنا المستمر علي أرضها. هذا المعني يسعى لمحو شرعية أكتوبر التي اكتسبتها القوات المسلحة المصرية التي كانت دائمًا وأبدًا درع الوطن الحامي لآراضيه وسفيه الحافظ لأمنه، فمثلما انشرخت شرعية يوليو مع هزيمة يونيو/حزيران 1976م، ثم انمحت، هناك من يعمل علي تحطيم شرعية أكتوبر التي اكتسبتها القوات المسلحة المصرية بعد حرب أكتوبر 1973م. تلك الشرعية التي تجعل الأمة المصرية تنظر بإجلال لقواتها المسلحة ورجالها، وتلك الشرعية التي جعلت الملايين تنظر بتقدير كامل للقوات المسلحة المصرية آبان أحداث الاعتصام الكبير في مطلع ثورة 25 يناير 2011م، وكان هناك منذ هذه الأحداث من يسعى لتشوية صورة القوات المسلحة المصرية في نظر الأمة، مثلما حرصت القوات المسلحة المصرية علي تجميل صورتها بوسائل عديدة في عين شباب الأمة ورجالها. تلك الشرعية هي شرعية القوات المسلحة المصرية في تصور الأمة المصرية التي تنظر إلي قواتها المسلحلة باعتبارها درعها الحامي، وسيفها الصارم في وجه أعدائها، وبهذا تتحقق شرعية القوات المسلحة المصرية من قيامها بدورها المنوط بها القيام به، ومن مصداقية تحقيق هذا الدور ومطابقته للواقع دون تزييف أو مزايدة أو إدعاء باطل، فهي شرعية تتحقق بواقعيتها وصدق أداء رجالها الذين هم أنفسهم أفراد من الأمة المصرية لا مرتزقة يقتاتون علي أرزاق هذا الشعب وحقوقه.
وشرعية القوات المسلحة المصرية تختلف عن شرعية حاكم مصر، فالقوات المسلحة المصرية حرصت دائمًا علي أن تكون سندًا لشرعية حاكم مصر دون أن تزج بنفسها في أي صراع علي سلطة الحكم في مصر، والحفاظ علي مسافةٍ ما بين الشرعيتين - شرعية القوات المسلحة المصرية وشرعية الحاكم لمصر - أمر هام وضروري وليس ترفًا يتشدق به السياسيين أو الكُتَّاب، فهي مسافة صحية وضرورية، وضحت عندما انحازت القوات المسلحة المصرية في أحداث ثورة 25 يناير 2011م إلي الشعب مصدر الشرعية ومانحها، ولم تنحاز إلي الحاكم الفاسد - مبارك - وحاشيته، سواء كان انحيازها عن رغبة أصيلة منزهة من أي منفعة سوى مساندة الشعب صاحب الشرعية الأول في هذا الوطن، أو عن تزمر من ميل الحاكم الفاسد - مبارك - وحاشيته إلي توريث نجله الحكم، وجعل النظام الجمهوري نظامًا ملكيًا وراثيًا يتظاهر بأنه جمهوري ديموقراطي، المهم أن القوات المسلحة ساندت الشعب مصدر الشرعية ومانحها أيًا كانت الدوافع والأسباب، فقد تخلت إلي حدٍ بعيد وكبير عن مساندة الحاكم الفاسد، وإن منحته خروجًا آمنًا من الحكم، ثم حصل قادتها بدورهم علي خروج آمن من ورطة سلطة الحكم التي لم يكونوا مهيئيين لها تحت ضغوظ كبيرة، كان أهمها من وجهة نظري تلك الأيادي الخفية في الداخل التي كانت تحاول دفع شرعية القوات المسلحة وهيبتها للتآكل في نظر الأمة المصرية، ولكم في أحداث مجلس الوزراء عبرة يا أولي الأبصار.
عبد الناصر حكم بشرعية يوليو وأعماله وطموحه ووعوده التي ألهمت الأمة شخصيتها، ثم حكم السادات مستمدًا شرعيته من شرعية نظام يوليو، ثم عمل علي خلق شرعيته بنفسه بإزاحة مراكز القوى، ثم جعل من شرعية أكتوبر مصدرًا لحكمه، لكن سرعان ما تآكلت شرعية أكتوبر التي استند إليها السادات، فقد انتهت سريعًا علي يد السادات نفسه، إذ انشرخت مع مفاوضات كامب ديفيد وزيارة الكنيست، ثم محتها تمامًا ثورة الخبز في 17 و18 يناير 1977م. أما مبارك فقد حكم مستمدًا شرعيته من شرعية أكتوبر ومن خطرٍ كان يحيق بمصر بعد اغتيال السادات - كما يقول الأستاذ محمد حسنين هيكل - لكن طول استمراره في الحكم وفساده وإفساده للحياة الساسية وتخريب أي بارقة أمل لنهضة الأمة جعلت شرعيته تذوب وتتلاشي، قبل ان يقضي عليها رغبته أو رغبة حاشيته في توريث نجله الحكم دون أي سند شرعي سوى أباطيل الاستقرار وأشباح الفراغ السياسي، وفزاعة الإسلام السياسي.
ثم حكم المجلس العسكري لمدة عامين - تقريبًا - معتمدًا علي شرعية القوات المسلحة درع الوطن وسيفه، وهيبتها في نفوس الشعب المصري، ولم يكن المجلس العسكري بتشكيله قادرًا علي الاستمرار في الحكم سواء عن رغبته أو حسن قراءته للمشهد السياسي، أو عن ضغوط تعرض لها.
ثم حكم مرسي - دمية تنظيم الإخوان - مستندًا إلي شرعية الصناديق وديموقراطية المرة الواحدة والخراب الذي أصاب الحياة السياسية والقوى المدنية علي يد مبارك وحاشيته، لكن سرعان ما كشفت الجماعة الدينية ودميتها عن حقيقتها الدكتاتورية وامتلاكها بمفردها للحقيقة عبر اعلان دستوري يركز السلطة في يد الحاكم، ثم تسرطنها غير العادل وغير المستند إلي خبرات في مفاصل الدولة، ومحت شرعيتها بيد أعوانها وأنصارها من التيارات الدينية المختلفة في أحداث الإتحادية - 5 ديسمبر 2012م - وما تلاها من أحداث.
ثم جاء المستشار عدلي منصور حاكمًا لمصر لمدة عام مستندًا إلي شرعية يونيو 2013م، ولم ينتظر الرجل كثيرًا في الحكم، ولم تكن له رغبةً سوى في أداء واجب وطني وجد نفسه مجبرًا علي القيام به بحكم منصبه، ولم ينتظر أن تتآكل شرعية حكمه أو يصيبها الضرر من أية جهة، فرحل وفقًا لما كان مقررًا من شرعية يونيو 2013م، تاركًا الحكم لشرعية المخلص التي تخلقت من رحم أحداث ثورة يونيو 2013م.
ثم جاء عبد الفتاح السيسي لسدة الحكم في مصر بعد أن كان علي رأس قواتها المسلحة. جاء السيسي إلي الحكم مستندًا إلي شرعية المخلص، وانشرخت شرعيته مع تخليه عن الجزيرتين المصريتين تيران وصنافير، وعمل عدم وجود مشروع سياسي/إقتصادي لديه علي جعل شرعيته تتآكل مع الأزمة الإقتصادية التي تتفاقم يومًا بعد يوم بسبب عدم وجود تصور للمستقبل سوى استنساخ صورة مشوهة من الماضي.
ما يهمنا الان كأمةٍ مصريةٍ ليس من يحكم مصر، فسيظل الحاكم مجرد اسم في دفتر التاريخ، له ما له، وعليه ما عليه، والتاريخ وحده هو القادر علي تقييم تجربته وفترة حكمه وأعماله التي قدمها لوطننا مصر.
ما يهمنا الآن حقًا هو درع الوطن وسيفه، وهو الأمر الذي يؤرقني دائمًا، فما يحدث في سيناء من أربعة سنوات واستمراره بهذه الشكل عن تدبير وليس مجرد مصادفات، يعمل علي تآكل شرعية القوات المسلحة المصرية وهيبتها في نفوس الشعب، بل إنه ينعكس علي نفسية أفرادها وصورتهم أمام أنفسهم، وهذا هو الخطر الحقيقي، في ظل وجود مخططات دولية لصياغة شكل المنطقة وتوزيع مناطق النفوذ بها.
إن استمرار ما يحدث في سيناء من قتل لأبناء القوات المسلحة المصرية ورجالها، له آثار سلبية عنيفة علي روح هذه القوات نفسها وأفرادها، خاصة أن بوابة الخطر الحقيقي والتهديد تقبع علي مشارف سيناء، وتكرار هذه الإنهزامية واستشهاد أبناء مصر البواسل من القوات المسلحة المصرية يُعد مصدر تهديد لهيبة درع الوطن في نفوس الأمة المصرية.
بكلمة واحدة؛ لا بد؛ ولا بديل عن إيقاف تلك المهزلة المستمرة في سيناء من أجل الحفاظ علي شرعية وهيبة القوات المسلحة لدى الأمة، ولدى نفسها عندما تدق ساعة التهديد الحقيقي من العدو الحقيقي المتربص بنا وبأرضنا وشعبنا.
لا بد من إيقاف سيل الدم المصري في سيناء، ولا مجال للمساومات عليه من أجل المستقبل.
الأمر يحتاج إلي فعل رادع ونهائي من قواتنا المسلحة المصرية، لا إلي كلمات تبرر أو تتحدث عن مخططات الفاعلين.

التعليقات