الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

بين المجنون .. ونصف المجنون !

الكاتب : محمد لكحل

إنه أحد جيراننا ، رجل في منتصف العمر ، هو نصف مجنون ، لأن أمارات بعض من العقل تبدو عليه في بعض الأحيان .
وفي بعض الأحيان الأخرى ، يكون متوترا ، خاصة إذا ضايقه الأطفال ، لأن هيأته تجلب فضولهم فشعره الطويل المتسخ ، ولحيته الكثة ، وملابسه الرثة ، تغري الأطفال برميه بالحجارة ، والهرب بعيدا ، وتحذير رفاقهم منه ، خوفا من بطشه بهم .
يقال أن سبب إختلاله العقلي ، كان بسبب تعلقه بفتاة جميلة ، أحبها وهام بها في صمت ، لما كان في سن الشباب ، دون أن تحبه هي ، أو تعلم بتعلقه بها .
وكانت الفتاة من أسرة ميسورة الحال ، وكان هو من أسرة فقيرة معدمة ، فحال بينهما ذلك المستوى الإجتماعي ، فما كان من أمره ، إلا أن يكتم بين جوانحه ما لاسبيل إليه .
وكان والديه ، وحتى جيرانه يعلمان بعدم تكافؤ هذه العلاقة ، لذلك لم يتقدما والديه لخطبتها له ، رغم طلبه لذلك منهما .
بدأت حالته النفسية تتدهور شيئا فشيئا ، وأخذ أهله يذهبون به إلى الأطباء والمصحات النفسية ، وصار يتناول المسكنات العصبية ، وطال به الزمن ، ولم تتحسن صحته ، وأصبح مرضه أمرا معتادا .
ثم بدأ إخوته الأكبر منه يتخلون عن رعايته ، خاصة بعد أن تزوجوا واستقل كل واحد منهم بمسكن بعيدا عن مسكن العائلة .
لم يتبقى له إلا والدين كبيرين عاجزين عن التكفل به ، لذلك أهمل أمره ، ولم يعد يصرف له حتى تلك المهدئات ، فترك إلى حال سبيله .
تراه اليوم يظل يذرع الطريق جيئة وذهابا ، بين مسكن والديه في الحي الريفي ، وبين المدينة ، حيث لايقر له قرار في أي مكان ، فمتى وصل إلى المدينة أو الحي المجاور ، رجع على نفس الطريق في الحال .
هو دائما لاتراه إلا ماشيا في الطريق الريفي المعبد ، المؤدي إلى المدينة ، وفي أي وقت شئت من ليل أو نهار، او في أي فصل من الفصول ، وسواء كان الجو حارا شديد الحرارة كما في فصل الصيف ، أو كان الجو باردا ، أو ممطرا ، أو عاصفا بالرياح الشديدة البرودة .
وقد مررت في سيارتي على هذا الطريق ، مرات عديدة قريبا من منتصف الليل ، فكنت أجده في هذا الطريق ، إما ذاهبا إلى المدينة ، أو عائدا منها ، وقد وجدته في إحدى الليالي ، واقفا في منتصف الطريق لايتحرك ، قلت في نفسي : لعله أراد أن ينتحر بأن تمنى بأن تدهسه إحدى السيارات فيتخلص من حياته البائسة .
كان رفيقه دائما الذي لايتخلى عنه ، هو جهاز راديو يحمله معه ، وقد تسمع بعض الموسيقى من مذياعه حتى في ساعة متأخرة من الليل ، أما في فصل الحر، فيحمل معه إلى جانب المذياع قارورة مياه ، أو قارورة مشروب غازي يجود بها عليه أحد المحسنين ، من أصحاب المحلات التجارية .
ربما تشعره هذه المشروبات الباردة في الحر الشديد بشيء من السعادة ، كما أخبرني هو بنفسه في إحدى المرات ، وكان الزمن فصل الشتاء ، فقال لي : إنه يحب فصل الصيف ليشرب الكثير من أنواع هذه المشروبات اللذيذة الباردة ، ذات الألوان الجميلة .
هكذا تمضي حياة صاحبنا ، على إيقاع خطواته البطيئة أحيانا ، والمسرعة أحيانا أخرى ، بحسب ما يحس به من مشاعر الإحباط ، أو لحظات السعادة القصيرة ، حينما يحصل على فنجان قهوة ساخنة في الصباح ، أو قارورة مشروبات باردة في فصل الصيف ، أو يشتري له أحد الجيران مذياعا جديدا .
ربما يكون هو من اختار هذا الطريق ، وعبده بأفكاره وتصوراته عن مستقبل حياته ، ليظل ماشيا فيه ، وكل واحد من الناس يختار لنفسه طريقا من صنع أفكاره ، البعض تكون رحلتهم على الطريق الذي إختاروا المشي فيه غير ممتعة ، كطريق صحراوي مستقيم ، ممتد لمئات الأميال ، لا يشاهد على جوانبه إلا كثبان الرمال الصفراء الشاحبة .
وآخرون يختارون طريقا لرحلتهم الممتعة ، تمتد على جانبيه الحقول والأشجار الخضراء ، ومزارع الورود المختلفة الألوان ، وكل محطة في طريقهم يتوقفون عندها ، تكون أبهج وأجمل .
هكذا تمضي بالناس الحياة ، ويقول علماء النفس الكبار: أن حياتنا كالحقل نجني ما زرعنا فيه ، ولا يجب أن نسمح لأحد بأن يرسم لنا طريقنا الذي نسلكه ، أو يزرع لنا حقلنا الذي نملكه ! .

التعليقات