الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مأزق سوريا

مع استمرار تصاعد الأحداث في سوريا، ما زال دخان المعارك كثيفًا كما كان في اليوم الأول له، وما زال هناك من يعمل علي استمرار كثافة دخان المعارك في سوريا، وعلي تحريك الأحداث بها كلما هدئت وتيرتها أو اتجهت الأحداث للتوقف أو الجمود.
أطراف الصراع كثيرة ومتعددة منها ما هو محلي (داخلي)، ومنها ما هو إقليمي (شرق أوسطي)، ومنها ما هو دولي (عالمي).
محليًا؛ أو داخليًا؛ هناك النظام السوري الحاكم، وجيش النصرة، وداعش، وفصائل المعارضة السورية. أما إقليميًا؛ فهناك: تركيا، وإيران، والسعودية، وقطر، وحزب الله. ودوليًا هناك القوى العالمية التقليدية روسيا وأمريكا. وهناك طرف أخير خفي، حاضرٌ بغيابه، وهو الكيان الصهيوني المحتل لفلسطين، والذي يتبع سياسة معلنة شعارها "إذا رأيت عدوك يرتكب خطأً فلا تتدخل"، لكنه يضطر للكشف عن نواياه الحقيقة تجاه النظام السوري وتجاه غريمه التقليدي حزب الله والتدخل في المأزق السوري بالقصف الجوي أحيانًا لبعض أراضيها ولبعض عناصرها وعناصر حزب الله لتحقيق ما يرى أنه ضروري ولا يحققه له علي الأرض أيّ طرفٍ من الأطراف.
لكن ما هي حقيقة المأزق السوري؟..
فالحديث عن الانتصار للديموقراطية في سوريا يصدر عن أنظمة قمعية لم تعرف الديموقراطية قط!!.. والحديث عن الإنسانية يصدر عن أطراف متوحشة تمارس القتل بكل أريحية في سوريا وأماكن أخرى!!.. والحديث عن بقاء أو إقصاء بشار الأسد يصدر عن أطراف تعرف أنه لا قيمة لبشار سواء بقي أم رحل!!.. فما جوهر هذا المأزق، الذي قُتل فيه الآلاف، وشُرد به الملايين من منازلهم، وامتهنت الإنسانية به في صورٍ وأشكالٍ شتى؟!.
هل المأزق في "الصراع علي سوريا" كجائزة؟.. أم هو "الصراع في سوريا" كساحة للقتال أو أرض للمعركة؟..
ربما كان هذا السؤال هو السؤال المفتاح في فهم المأزق السوري. وقد سبق وأن استخدم الأستاذ (هيكل) السؤال عن ماهية الصراع في كتابه "ملفات السويس" في صدر تحليله لفهم الصراع في الشرق الأوسط في النصف الثاني من القرن العشرين.
وكما سبق وأوضح الأستاذ (هيكل) أن ثمة فارق كبير بين الصراع علي الشيء، والصراع فيه. "فالصراع علي شيء يعني أن هذا الشئ نفسه ليس طرفًا في الصراع حتى وإن كان هو موضوعه، فالجائزة في أيِّ صراع تذهب للغالب دون أن يكون لها دور أو رأي فيمن يحصل عليها." (هيكل، 1986م: 42). وبعض الأطراف الإقليمية تتعامل مع المأزق السوري، باعتبار سوريا التي خربها الصراع مجرد جائزة ستذهب للغالب، لكن الغالب لن يحصل إلا علي كومة من الرماد، وأحقاد بالجملة ستظل تطارده إذا بقي بعيدًا عن أن يصيبه المصير السوري، ونيران ستلتهم دياره ذات يوم بعيد أو قريب، فالنتيجة سواء.
"وأما الصراع في الشيء فإن معناه يختلف لأن القوى الذاتية لهذا الشيء نفسه يمكن أن تكون طرفًا في هذا الصراع، ويمكن أن يكون لها دور ورأي في مصائره" (هيكل، 1986م: 43)، وهذا ما تتجاهله الأطراف الدولية وبعض الأطراف الإقليمية المنخرطة في الصراع.
الصراع إذن ليس علي سوريا، ولكنه في سوريا، وتنخرط فيه كل الأطراف التي عرضنا لها - ويزيد عنها من الشعر بيت - لكن أيَ طرف سينحج في فرض النهاية التي يريدها، أو أقرب تصور للنهاية التي يريدها، فلن يحصل علي جائزة سوى نيران تلتهم أصابعه التي تدخلت في المأزق السوري حتى القوى التي تحاول أن تحافظ علي النظام السوري القائم وتحاول أن تعيد الوضع لأقرب موضع من النقطة التي انطلق منها، لكن الحقيقة المؤكدة أن سوريا لن ترجع سوريا التي كنا نعرفها ذات يوم، وأن ثمة دويلات؛ أو كيانات صغيرة تابعة؛ ستظهر في الفضاء الجغرافي الذي كانت تمثله سوريا. الطرف الوحيد المؤكد حصوله علي جائزة من المأزق السوري هو الكيان الصهيوني، ففي النهاية سيحصل علي مساحة خالية من القوة في جهة الشرق تفصله عن أية قوة محتمل أن تصيبه بالتهديد (إيران)، وستبقي هذه المساحة العزلة مليئة بالكيانات الصغيرة الهشة التابعة. أما مصدر التهديد المحتمل، وهو إيران؛ فوفقًا للخطة الموضوعة سلفًا؛ والتي يتم تنفيذها علي الأرض ببطء شديد؛ فإن السعودية العربية مدعمة بأمريكا ودول متحالفة معها؛ أو بمفردها؛ ستتكفل بها، المسألة فقط مسألة وقت يأخذه التفاعل للوصول لمرحلة الاشتعال المطلوبة. وهكذا يبقي الطرف الصهيوني هو الفائز الوحيد من الصراع في سوريا، والطرف الرابح في المأزق السوري.

التعليقات