الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

قطر وإيران وثالثهما الاخوان

الكاتب : رجب الطلخاوى


" 90% من عالم السياسة والعلاقات الدولية تحت الترابيزة " أو هكذا أزعم, فتلك عبارة وإن كانت قليلة الكلمات التى لا يتجاوز عددها عدد أصابع اليدين مجتمعة إلا أنها وبحق تكشف لنا الكثير من عالم السياسة والعلاقات الدولية.
كانت البداية مع فجر 5 يونيه 2017 إذ استيقظ النائمون على خبر مقاطعة دول عربية أو كما يسميه البعض دول المحور العربى (السعودية والامارات واليمن والبحرين ومصر ..الخ ) لدولة قطر واتهامهم إياها برعايتها للإرهاب , البعض كان متوقعا, والبعض نزل عليه الخبر نزول الصاعقة. وبادىء ذى بدء أود الاشارة الى أن هذا المقال لا يدور حول ما إذا كان هذا الحدث دافعا للسعادة أم جالبا للحزن, فتلك أشياء ليست لمن يريد أن يحلل حدثا سياسيا كهذا فى ضوء التحليل السياسى المرتبط بحقائق الواقع ومعطياته وقواعد اللعبة السياسية, فالاشتباك مع الواقع وتحليل ما يحدث والاجابة عن أسئلة الوقت تلك غايتى من هذا المقال الذى أحاول من خلاله إلقاء الضوء على علاقة قطر بجماعة الاخوان المسلمين, وعلاقة قطر بإيران تأكيدا على أن ما تعيشه المنطقة العربية الأن هى حروب مصالح ومؤامرات دول وسياسات ومخططات اجهزة مخابرات بعيدا عن فكرة الحروب الدينية وصراع المذاهب واقتتال الطوائف التى صدعنا البعض بها ليل نهار.
لا شك أن معطيات الواقع تشير الى العلاقة الوطيدة بين جماعة الاخوان المسلمين ودولة قطر وإن لم تعلن قطر ذلك فى الدوائر الرسمية، ولكن أن تكون قطر مصدر إيواء لقيادات الجماعة وإقليم لعقد اجتماعاتهم ومنابر إعلامية وذراع سياسى للجماعة فليس بعد ذلك من برهان ساطع على عمق العلاقة بين الطرفين, بالتالى فلن يكون من اليسير أن يتم نسف تلك العلاقة بتصريح وزير خارجية قطر قائلا " لا علاقة لنا بجماعة الاخوان المسلمين ", على الجانب الأخر من عنوان المقال تشير ذاكرة التاريخ أيضا الى عمق العلاقة التى جمعت بين جماعة الاخوان المسلمين وإيران ولاية الفقيه وبالتالى قطر هى الأقرب الى ولايه الفقيه الايرانية من وهابية السعودية, وهذا الأمر بات واضحا من خلال دعم السعودية إسقاط نظام الاخوان المسلمين فى مصر الذى كان مدعوما من قطر, ودعم قطر للحزب الاسلامى داخل البيت السنى العراقى فى مقابلة دعم السعودية الجانب الأخر, بجانب أزمة سوريا ودعم قطر للمعارضة السورية وفى المقابل دعم السعودية جانب أخر, وبالتالى كل شىء ضد مصلحة السعودية ستفعله قطر .كما أنه " عقائديا " تشير الملاحظة أن قطر هى الاقرب لولاية الفقيه بسبب أن إيجاد وتطوير فكرة ولاية الفقيه كانت بتأثير واضح من حسن البنا بعد الزيارات المتواصلة التى اجراها السيد الخمينى الى مصر عام 1938م حتى قام بالثورة الايرانية عام 1979م ومباركة الاخوان لها ومحاولة البيعة للخمينى لولا الخلافات حول القضايا التاريخية المتعلقة بصحة الخلافة الراشدة, وكتاب السيد عباس خمايرو الملحق الثقافى الايرانى بالدوحة بعنوان ايران والاخوان المسلمين خير شاهد على مثل هذا. بل أزيدك من الشعر بيتا حينما قام السيد على خامنئى المرشد الايرانى الحالى بترجمة كتاب مستقبل هذا الدين لسيد قطب عام 1966م, ونصح أتباعه بقراءته والاستفادة من افكاره المستنيرة علاوة على تصدير الكتاب بعبارة " الشهيد سيد قطب ", وليس بخاف على أحد موقف الاخوان المسلمين من الحرب العراقية الايرانية , اضافة الى تصريحات السيد مهدى عاكف الشهيرة حول حزب الله خلال زيارة السيد احمد نجاد مصر فى عهد الاخوان المسلمين, علاوة على ذلك تصريح السيد على أكبر ولايتى وزير خارجية ايران الاسبق ومستشار السيد على خامنئى المرشد الاعلى حينما قال" أن الاخوان المسلمين هم أقرب جماعة لنا ", والعلاقة الوطيدة التى كانت بين حسن البنا وتقى القمى وأية الله كاشانى وأية الله الخمينى الأمر الذى دفع البعض الى اتهام حسن البنا بالتشيع, وبالتالى لا يمكن بأى حال من الأحوال وبسهولة نسف أو نفى تلك العلاقة الوطيدة الاخوانية الايرانية القطرية والتى يخيل للبعض أنها وليدة الصدفة.
وبالتالى لم يكن مستغربا أن تكون إيران هى القوة الاقليمية الاكثر انحيازا لقطر غداة المقاطعة العربية لدولة قطر وإغلاق المجالات الجوية والبرية والبحرية, ويبقى السؤال الأهم.لماذا التقارب القطرى الايرانى ؟ بل كيف – استنادا الى المنطق – يكون هناك تقاربا قطريا ايرانيا من الأساس؟ ولماذا تجازف إيران كل هذه المجازفة ؟ أليست هذه قطر التى دعمت المعارضة فى مواجهة نظام بشار الاسد السورى ؟و ليس بخاف على أحد أن سوريا بشار الاسد هى الحليف الأول لإيران فى المنطقة , أليست هذه قطر التى كانت شريكا للسعودية فى عاصفة الحزم ضد حلفائها الحوثيين ؟ هذه أسئلة يطرحها المنطق, فهل بهذه السرعة تتبدل التحالفات والتوجهات والمواقف الدولية , أم أن قطر قد توقفت عن تمثيل الدور المنوط بها وانتهى السيناريو المرسوم لها والغير معلن والمتفق عليه بين الطرفين (قطر وايران), وبعدما تطرح بينك وبين نفسك تلك الأسئلة فى خلوتك تجىء زيارة جواد ظريف وزير الخارجية الايرانى الى تركيا لمقابلة نظيره التركى شاوش أوغلو والرئيس التركى أردوغان للتشاور والتنسيق حول الأزمة القطرية ومحاولة وضع رؤية ايرانية تركية مشتركة للتعامل مع هذه الازمة, خير دليل على صدق الفرضية السابقة التى تشير الى الدور الذى لعبته قطر طيلة السنوات السابقة فى خدمة الأهداف الاستراتيجية للقوة الاقليمية ليست فقط ايران ولكن بالاضافة ايضا الى تركيا ولا شك أن محصلة ذلك ستصب فى مصلحة القوة الاقليمية الثالثة الا وهى اسرائيل.تلك القوى الاقليمية الثلاث الغير عربية سعت بكل السبل والامكانات المتاحة الى تدمير وإنهاك المنطقة العربية وزعزعة استقرارها, فتولت قطر طبقا للسيناريو المرسوم مهام التمويل والحشد والتنسيق, وجاءت مهام القوى الاقليمية الثلاث فى تقديم الخبرة والدعم الفنى لهذه العمليات والخطط, فتارة تفكيك مجلس التعاون الخليجى وافراغه من عامل قوته المتمثلة فى كتلة الدول العربية المجتمعة, والسعى لاضعاف الدول العربية ودفعها الى الانكفاء على الذات ومن ثم انتهاز فرصة الانفراد بالتعاون مع كل دولة على حده, والهدف المرجو من وراء كل ذلك هو محاولة قطر للحصول على مكانة الفاعل السياسى الأول فى الشرق الاوسط فكان كل ما سبق " جواز مرورها " لتحقيق ذلك المبتغى والهدف المنشود, وفى ضوء كل ما سبق لم يكن مستغربا أن تكون إيران هى الحليف الاقرب الى قطر غداة المقاطعة العربية القطرية والتحركات الايرانية بالاضافة الى تصديق البرلمان التركى على ارسال قوات تركية الى الاراضى القطرية, وكل ذلك وغيره يثبت بما لا يدع مجالا للشك العلاقة الوطيدة بين قطر وإيران وجماعة الاخوان المسلمين وأن الأصل فى تجمعهم ليس إلا من أجل المصلحة, والمصلحة فحسب, وأى حديث بعد ذلك عن الخطابات الشعبوية أو الايديولوجية أو اختلاف المذاهب لن يكون سوى " نكتة" يطلقها مهرج, أو قصة يقصها أحد القصاصين والناس حوله جالسون مستمعون فى جلسة سمر, فتلك شريعة الغاب وهذا هو عالم السياسة.
والمتابع للأزمة عن كثب يجد أن الاحداث لا تسير على وتيرة واحدة وأن التنبؤ بتابعاتها وما ستوؤل إليه الأمور ليست بالأمر اليسير فى حين أن هناك بعض المؤشرات فى ضوء المعطيات السابقة قد تكشف الى حد كبيرعن أجندة التفاعلات والتحالفات فى الفترة المقبلة وهى كالأتى :
1-انطلاقا من كون قطر أحد أهم المرتكزات الأمريكية السياسية والعسكرية فى منطقة الخليج وتربطها علاقات وطيدة مع اسرائيل, ووفقا لنظرية المباريات التى تعد من أهم النظريات فى تحليل العلاقات الدولية والتى تفترض أن فى كل حدث هناك عدد من اللاعبين ومن خلال تتبع إمكانات كل لاعب و أهدافه وأدواته التى يستعملها نستطيع أن نفهم ما يحدث, وقطر تبحث عن دور إقليمى فى حدود ما تسمح به القوى الدولية الكبرى (الولايات المتحدة الامريكية ), والقوى الاقليمية (ايران وتركيا واسرائيل) ولا يمكن إغفال دور روسيا, كما أن قطر لا تملك أدوات الصراع الرئيسية وهى القوة البشرية والجغرافيا (مساحة وموقع ) ولذا ستسعى جاهدة مستخدمة فى ذلك بعض أدوات القوة الناعمة التى تمتلكها( إعلام ومال ) فى حدود ما يسمح به مدير الملعب ( اللاعبين الدوليين) ودون أن تتصادم مع اللاعبين الاقليميين (ايران وتركيا وبكل تأكيد اسرائيل ), وبالتالى فهى تتحرك فيما هو مسموح لها دوليا, وبالتالى سيسعى المحور الايرانى التركى القطرى الى التحالف مع روسيا فى مواجهة المحور العربى المتمثل فى مصر والسعودية والبحرين والامارات والذى سيسعى بكل تأكيد الى التقارب الأمريكى للحفاظ على توازنات القوى, ومحاولة كلا التحالفين فرض الهيمنة والسيطرة على المنطقة.
2- المثلث الاسرائيلى التركى الإيرانى يقوم على المصالح والتنافس الاقليمى وليس على الايديولوجيا والخطابات الشعبوية, فالعلاقات فيما بين أطراف المثلث نزاع قابل للحل وليست فى صراع أيديولوجى كما يخيل للبعض, أعتقد أن ذلك كان مقصودا,ألا هو محاولة تغليف هذه المؤامرات وصراعات المصالح بغلاف صراع المذاهب والأديان ,وما يحدث من تحالفات وتقاربات بين أصحاب المذاهب المتعارضة اليوم بين طهران والدوحة إذ يعيشان عصرا ذهبيا من العلاقات المتبادلة والمصالح المشتركة والمشاعر الودية التى لم تكن يوما مكشوفة بهذه الصورة , يثبت بما لا يدع مجالا للشك لتلك القاعدة الخالدة فى العلاقات الدولية وعالم السياسة " المصلحة اولا والمصلحة أخرا ".
3- السياسة الخارجية الايرانية براغماتية الى حد الانتهازية, واستغلالية الى حد النفاق, وتوظف بشكل ممتاز الأخطاء التى يرتكبها الفاعلون الدوليون فى محيطها الاقليمى أو الدولى كما تعمل على توظيف كل العناصر المتاحة القومية أو الدينية والثقافية طالما أن من شأن أى منها تحقيق المصلحة الايرانية العليا, كما أنه من المعروف أن الايرانيين أساتذة فى تحقيق أكبر المكاسب والخروج بأقل الخسائر, فالسياسة الخارجية الايرانية غير تقليدية وتعتمد فى تطبيق عناصرها شكلين أحدهما ظاهر علنى شعبوى والأخر دبلوماسى غير ظاهر وغير معلن يعتمد دبلوماسية الأبواب الخلفية وهو الأسلوب المفضل لدى الايرانيين عادة لحفظ ماء الوجه والحصول على اكبر قدر ممكن من المكاسب, وذاكرة التاريخ مزدحمة بالأمثلة على ذلك وأذكر منها على سبيل المثال الحرب العراقية الايرانية 1980-1988م تلك الحرب التى كشفت عن براغماتية السياسة الخارجية الايرانية عندما تقدمت إيران بعرض "سرى أنذاك " تقترح بموجبه الاعتراف باسرائيل وتقديم تنازلات كبيرة للولايات المتحدة الامريكية مقابل التعهد بعدم الاطاحة بالنظام الايرانى والاعتراف بشرعية النظام, فليس مستبعدا أن تتعامل السياسة الايرانية بوجهين مع الأزمة إذا اقتضت مصلحتها ذلك فضلا عن مبدأ التقية التى تقرها نظرية ولاية الفقيه.

التعليقات