الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

البابوات بين السلطتين الدينية و الزمنية 4

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

** بعد وفاة بيبين القصير قسمت مملكته بين ولديه شارل و كارلومان و دام النزاع بين الاخوين لكنه انتهى بوفاة كارلومان سنة 771 مما اتاح لشارل توحيد مملكة الفرنجة تحت سيادته .
لكن الهام فى الامر هو لجوء و فرار جربريجا زوجة كارلومان ( المستاءة من اغفال حقوق ولديها القاصرين فى ملك والدهما ) الى ملك اللمبارديين دسدريوس فى بافيا . و كان شارل قد سبق و ان تزوج ابنة دسدريوس ثم طلقها الامر الذى زاد الموقف توترا بين شارل و دسدريوس . و طلب الملك اللمباردى من البابا تتويج ابنى كارلومان لكن البابا رفض ذلك فهاجم دسدريوس الاملاك و الاراضى البابوية مما دفع البابا ستفن الثالث ( 768 – 772 ) الى الاستنجاد بشارل ملك الفرنجة . و قد حاول شارل مفاوضة دسدريوس فارسل اليه طلبا باعادة ما استولى عليه من املاك البابوية لكن دسدريوس غضب لتدخل شارل و اصر على موقفه و عندما غزا شارل ايطاليا سنة 773 حاول دسدريوس ان يسد منافذ الالب فى وجهه و لكنه غلب على امره و فر الى بافيا حيث لحقت به قوات شارل و حاصرته . حينها قام ابن دسدريوس بتجميع جيش قرب فيرونا فقام شارل بتوجيه بعض من قواته خلفه لكنه فر الى القسطنطينية تاركا شارل يستولى على فيرونا و برجامو و غيرهما من المدن المهمة . و عندما طال حصار بافيا قرر شارل ان يقضى عيد الفصح سنة 774 فى روما حيث جدد للبابا ادريان الاول ( 772- 795 ) هبة بيبين القصير للبابوية من قبل . ثم كان ان سقطت بافيا بعد حصار عشرة اشهر فحمل دسدريوس الى ديركوربى فى نستريا حيث قضى بقية حياته بعد ان قسمت ثروته بين جنود الفرنجة فى حين اتخذ شارل لنفسه لقب ملك اللمبارديين و تركهم يعيشون وفق نظمهم الخاصة الا انهم فيما بعد حينما ثاروا ضده و دبروا مؤامرة لعودة ابن دسدريوس الهارب و اعلانه ملكا عاد شارل اليهم و اخضعهم سنة 776 على اتباع قوانين الفرنجة و نظمهم .
لكن شارل قام بسلسلة طويلة من الحروب ضد السكسون و مسلمى اسبانيا كما امن الشواطىء الاوربية الجنوبية و جزرها من خطر المسلمين . و لم يكد ينتهى القرن الثامن الا و كان شارل قد قام بأعمال لم يستطع القيام بها احد غيره من المعاصرين فكون دولة ضخمة فى غرب اوروبا و حمى البابوية ونشر المسيحية .
و فى عام 795 توفى البابا ادريانو انتخب بابا جديد هو ليو الثالث ( 795- 816م ) و لكن نظرا للفوضى المستحكمة فى روما آنذاك قام مؤيدو البابا ادريان المتوفى بخطف البابا الجديد لاختلاف سياساته عمن قبله و نقلوه الى دير القديس إيرازموس و عاملوه معاملة فى غاية الوحشية ووضعوا خطة لطمس عينيه و قطع لسانه لابعاده عن البابوية فعمد الى الهرب و بعد رحلة محفوفة بالمخاطر وصل الى قلعة شارلمان فى بادريون الذى تعهد بحماية و ارسل البابا الى روما وسط قوة ثم ذهب اليه بعدها عنئذ بدل خصوم البابا ليو موقفهم المبنى على العنف و اتخذوا موقفا جديدا أساسه المطالبة بالاحتكام و ذلك الحق الذى كان شارلمان قد أمنه لهم و فى روما عقد مجمع برأ ليو الثالث من جميع التهم التى الصقها به خصومه و بذلك عاد البابا الى مباشرة مهام منصبه فى حين امر شارل بمعاقبة المتآمرين .
و فى عام 800 و اثناء الاحتفال بعيد رأس السنة و حالما ركع شارلمان امام المذبح و هو يبدو غارقا فى صلاته اذا بالبابا يتقدم منه و بيده تاج ذهبى وضعه على رأس شارل و توجه امبراطورا على الرومان .
و خطورة هذا الحدث تتمثل فى :
1- قدر لشارلمان ان يحيى الامبراطورية الرومانية فى الغرب بعد ان ظل العالم الغربى بدون امبراطور منذ اواخر القرن الخامس و ان يكون مؤسس الامبراطورية الرومانية المقدسة التى لعبت دورا عظيما فى احداث العصور الوسطى .
2- قطعت البابوية بتتويج شارلمان امبراطورا الرباط الواهى الذى كان يربطها بالامبراطورية البيزنطية و فى الوقت نفسه قوت الرباط الذى كان يربطها بمملكة الفرنجة و اكسبت هذا الرباط طابعا دينيا مقدسا .
3- الطريقة التى تم بها تتويج شارلمان جعلت التاج الامبراطورى يبدو فى صورة منحة من البابا و هى العقيدة التى اصبح لها شأن عظيم فى النزاع بين الامبراطورية و البابوية فيما بعد .
4- كان اعلان شارلمان امبراطورا فى الغرب صدمة عنيفة للامبراطورية البيزنطية فى الشرق اذ حرمها من اى سيطرة تدعيها على البابوية او العالم الغربى .
** و اخذ شارلمان يعمل العديد من الاصلاحات فى شتى المجالات و كما عد قسطنطين المسيحية وسيلة للمحافظة على تماسك الامبراطورية الرومانية هكذا تبنى شارلمان الخطة نفسها لحل مشاكله العسكرية مع السكسونيين و ذلك بتحويلهم الى الديانة المسيحية بالقوة . فالديانة المسيحية لم تترعرع فى اوروبا فى ظل جلال ووقار الرسول بطرس بل نمت و عظم امرها فى ميادين الحروب .
** و اصبح شارلمان مصلحا للكنيسة و كان لتدخله اسباب مادية وجيهة فاملاك الكنيسة قد تضخمت فى زمن جريجورى فعمد شارلمان الى تنصيب نفسه قيما على ممتلكات الكنيسة لكنه اصطدم بقضية معالجة الفساد الداخلى بالكنيسة اذ ان الاساقفة كان قد سمح لهم بالاستقلال الداخلى فى الكنيسة فاصبحوا شديدى الحرص على زيادة مدخولاتهم المادية و اهملوا شئون الفقراء و تقاضوا الاموال الطائلة لقاء الخدمات الشخصية البسيطة دونما شفقة او رحمة ووجدت اموال الصدقات للكنيسة طريقها الى جيوب الاكليروس بدلا من توزيعها على الفقراء و اهمل القداس الالهى و كانت الأمية متفشية بين الاكليروس فكانوا يفوهون بكلمات لا معنى لها اثناء القداس . و لذلك فاثناء حكم شارلمان كان القانون الامبراطورى ( و ليس القرارات البابوية ) هو الذى يصل و ينفذ على جميع المستويات و فرض على الاديرة واسعة الثراء بناء المستشفيات و بيوت للفقراء و اصبح البر و الاحسان ليس واجبا على العلمانيين فقط بل اصبح واجبا ايضا على الكهنة و الاكليروس .
و مهما كانت مجهودات شارلمان فعالة الا ان الكنيسة كانت بحاجة الى اصلاحات روحية فضلا عن الاصلاحات الادارية .فمع ان الفساد لم يكن قد تسرب الى البابوية بعد الا ان ذلك سرعان ما حدث اذ ان العرش البابوى سرعان ما تورط فى حالة من الفساد الاخلاقى . و قد كتب المبشر الانجليزى بونيفيس فى تقرير ارسله الى البابا زكريا ( 741-752م ) حول الكنيسة الفرنجية يقول :
( نجد فى اكثر المدن سلمت الوظائف الكنسية الى رجال علمانيين جشعين و كتبة فاسقين و زناة و مديرى حانات و خمارات و نجد بين هؤلاء بعض الشمامسة الذين قضوا حياتهم منذ طفولتهم بالفسوق و الزنا ..... و مع ذلك فهم يقومون بالاعمال الكهنوتية . و فى هذه الايام ترتفع درجاتهم يوما بعد يوم و يعلن ترفيعهم الى مقام الساقفة . لذا أتوسل الى قداستكم ان تتفضلوا بإدانة هؤلاء و إدانة هذه الاعمال كتابة حتى يشعروا بالخزى و فوق ذلك هناك بعض الاساقفة من هذه الزمرة الذين ينكرون صفة الزنا و الفسق عن انفسهم الا انه من الثابت انهم سكيرون فهم رجال يقاتلون بالسلاح فى المعركة و يريقون دماء الابرياء بأيديهم سواء أكانت ضحاياهم من المسيحيين او الوثنيين )

** و بوصف شارلمان حامى البابوية أخذ فى فرض سيطرته على الكنيسة داخل امبراطوريته فهو الذى يعين الأساقفة و يدعو الى عقد المجامع الدينية و يتولى رئاستها لبحث المشاكل المتعلقة بالعقيدة . كما انه يشرع القوانين اللازمة للكنيسة و يحدد حقوق وواجبات رجال الدين .و امرهم بارتداء ملابس خاصة فى الكنيسة و فى الشوارع حتى يسهل ضبط اى منهم ينغمس فى الملذات و بذلك اصبح شارلمان رأس الكنيسة و الدولة جميعا .
و قد حدث عندما حاولت البابوية التحرر من قبضة شارلمان القوية ان ارسل شارلمان رسالة الى البابا ليو الثالث سنة 796 يفهمه ان اختصاص البابوية ينبغى الا يتعدى الجانب الدينى بأى حال . و هكذا ظلت الامور على وفاق بين الكنيسة و الدولة طالما كان شارلمان يجمع بيده السلطتين الدينية و الزمنية و لكن الموقف اخذ يتغير بعد شارلمان عندما فشل خلفاؤه فى فرض سيطرتهم على الكنيسة

التعليقات