الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

البابوات بين السلطتين الدينية و الزمنية 3

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

قبل الحديث عن تحالف البابوية مع الفرنجة نستهل هذا الجزء بنظرة سريعةعن اثر الاسلام فى اوروبا خلال العصور الوسطى :
عندما توفى النبى محمد صلى الله عليه و سلم عام 632 م كان دينه قد تاسس على أرض صلبة و فى زمن قصير فتح الله على اتباعه باراضى العراق و سوريه و ما بين النهرين و ايران و تحولت جميعها الى الاسلام .و لم تكن انتصارات العرب على الفرس اقل سرعة و اثرا من انتصاراتهم على الروم فكانت تهاجم الاطراف الشرقية للدولة الرومانية من جهة الجنوب فضلا عن مهاجمتها من شمال الشام و قد بذل هرقل كل ما فى وسعه لإنقاذ شمال الشام و العراق لكنه منى بالهزيمة و انسحب و باستيلاء العرب على قيصرية عام 640 م فتح امامهم الطريق فاستولوا على مصر عام 641 م و الذى عد خسارة فادحة منيت بها المسيحية و دليلا على انهيار بيزنطة و انحلالها سياسيا اتبع ذلك استيلائهم على شمال افريقيا حتى قرطاجة و تحول الشمال الافريقى من الحضارة اللاتينية الى الحضارة العربية و من الديانة المسيحية الى الديانة الاسلامية حتى البربر صاروا مسلمين متحمسين و بذلك مرت قرون سيطرت فيها اوروبا على شمال افريقيا دون ان تترك أثرا فى تلك البلاد سوى الاساطير و الاطلال فاندثرت المسيحية و ذبلت الحياة الرومانية و ترك الرومان المدن و عادوا الى اوروبا .
و لم يقنع المسلمون بذلك قاستولوا على سردينيا عام 711 م كما عبر طارق بن زياد المضيق المعروف باسمه و استطاع فتح اسبانيا فيما بين سنتى 711 و 713 بعد ان لحق به موسى بن نصير ليكون موسى اول والى عربى يحكم قطر اوروبى فأمر بضرب عملة اسلامية و لكون عمال الدار من الاسبان فقد ظهرت على العملة شهادة الاسلام باللاتينية . و فى عام 714م استولى على سرقسطه ثم ارجون ثم اتجه غربا فاستولي على عدد من قلاع قشتاله ثم خليج بسكايه . و شعر موسى انه قد اتم الفتح و حان الوقت للقاء الخليفة فعادا و تركا عبد العزيز بن موسى بن نصير واليا على الاندلس و قد قام باستكمال فتح الاجزاء التى لم يتم فتحها فى شبه الجزيرة و كانت عاصمة الاندلس هى اشبيليه و انتهت ولايته باغتياله من احد رجاله فى عام 716 م و خلفه ايوب بن حبيب اللخمى كبداية لعصر الولاة الذى شهد عدم استقرار فقد كانت مدة الولاية سنتين فقط و رغم ذلك واصلوا الفتوح فى غاله مدة 20 سنة و كادوا يستولون على فرنسا لولا مقاومة شارل مارتن الذى هزمهم فى موقعة موقعة بلاط الشهداء او معركة بواتييه عام 738 م .
و خلال قرن و ستة اعوام منذ وفاة سيدنا محمد عليه الصلاة و السلام حتى معركة بواتييه كان قد وقع قسم كبير من املاك الكنيسة تحت قبضة المسلمين غنيمة سائغة ( 395 بطركية منها بطركيات هامة مثل بطركية القدس و انطاكية و قرطاج ) و صارت المسيحية واقعة بين بحر الاسلام فى الجنوب و بين تلك الشعوب الاوربية فى الشمال و التى كانت غير مثقفة او متحضرة و غير مسيحية .
استخدم العرب كثيرا من اليهود و المسيحيين فى ملء المراكز الادارية فى الولايات التى صارت ولايات عربية .و خلق العرب عصراً من النهضة الثقافية سبقت النهضة الايطالية بحوالى ستمائة عام . و من بغداد حتى قرطبة ازدهرت العلوم و الفنون و اسس العرب كثيراً من المدارس العالية ( الاكاديميات ) و المكتبات فى أنحاء امبراطوريتهم . و انتشرت اللغة العربية و الديانة الاسلامية من المحيط الاطلسى حتى الخليج العربى .
و قد اجمع الباحثون على ان الحضارة الاسلامية كانت اعظم حضارة شهدها العالم فى العصور الوسطى فهى مجمع العلوم اليونانية و الفارسية و السريانية و الهندية و الصينية فى حين غدت اللغة العربية الواسطة الاساسية للترجمة و الربط بين هذه العلوم مما جعل الطابع العربى يبدو مميزا لهذه النهضة الحضارية الشاملة .
و من الجدير بالذكر انه و حال إفاقة اوروبا من العصور المظلمة فى اواخر القرن الحادى عشر وجدت نفسها امام حضارة اسلامية شامخة فاقبلت عليها و ارتشف الاوربيون من معينها فازداد تدفق الطلاب الى الاندلس و صقليه و اخذوا يترجمون الى اللاتينية ما استطاعوا ترجمته من كتب العلوم و الفلسفة و الرياضيات . كما ان التراث اليونانى الفكرى لم يبق قائما الا من خلال التراجم العربية مثل شروح ابن رشد لفلسفة ارسطو و ما سببته معارف العرب فى الرياضيات و الفلك و الجغرافيا و الطبيعة و الكيمياء و الطب من تطور الفكر الاوروبى و قد استمرت الجامعات الاوربية حتى القرن الثامن عشر فى الاعتماد على كثير من مؤلفات المسلمين فى تلك العلوم . و هكذا صار نفوذ العرب و تاثيرهم الحضارى على غرب اوروبا منذ القرنين الثانى عشر و الثالث عشر يفوق نفوذ الامبراطورية البيزنطية فى أثره و قوته .
-
التحالف بين البابوية و الفرنجة :
استمر السلام فى ايطاليا بعد اتفاقية ليتوبراند مع البابا سنة 730 الى ان قام دوق سبوليتو بثورة ضد ليتوبراند لكنها فشلت و هرب الدوق الى روما محتميا بالبابوية فزحف ليتوبراند الى روما و حاصرها و لم يجد البابا امامه سوى شارل مارتل رئيس بلاط الفرنجة و صاحب النفوذ الفعلى فى الدولة فأرسل اليه طالبا المساعدة ضد اللمبارديين سنة 739 لكن الظروف حالت بين شارل ماتل و مساعدة البابا كونه كان مشغولا بالهجمات التى يشنها المسلمون عليه فى غاليا كما انه لم ينسى مساعدة ملك اللمبارديين له سابقا ضد المسلمين .
استولى ليتوبراند على دوقية سبوليتو و هاجم المناطق المجاورة لروما و الاوضاع بدات تتغير عندما توفى البابا جريجورى الثالث و كذلك شارل مارتل عام 741 و عاد النائب الامبراطورى الى رافتا ليجدد جهوده ضد اللمبارديين و هنا ادرك ليتوبراند ان مصالحه تتطلب الاتفاق مع البابا الجديد زكريا ( 751-752 ) فتعهد له بالمحافظة على السلام لمدة عشرين عام و رد كافة المدن و الممتلكات التى انتزعها اللمبارديون من البابوية .لكن هذا الاتفاق لم يطفىء ثورة غضب البابوية على ليتوبراند فاخذوا يتربصون الدوائر باللمبارديين و يترقبون الوقت المناسب للايقاع بهم .
ثم مات ليتوبراند و تعاقب على الملك عددا منهم حتى جاء استولف ( 749- 756 ) الذى تمسك بسياسة ليتوبراند الخاصة بتوحيد ايطاليا مما جعل اللمبارديين يعودون من جديد الى تهديد الممتلكات البيزنطية و البابوية معا . و نجح فى الاستيلاء على رافتا سنة 751 دون مقاومة او حتى معارضة من الامبراطور قنسطنطين الخامس ( 741- 775 ) الذى كان مشغولا فى بلاده بمحاربة البلغار و الفرس و المسلمين . بعد ذلك اتجه استولف لإخضاع البابوية فطلب من البابا ان تعترف روما بالتبعية لملك اللمبارديين فضلا عن قيام البابوية بدفع جزية سنوية . و قد حاول البابا ان يخيف استولف بتوقيع عقوبة الحرمان عليه او يهدده بطلب مساعدة الامبراطور البيزنطى لكن هذه التهديدات لم تنجح فقام البابا بالفرار فى اكتوبر 753 الى غاليا و الاتصال بملك الفرنجة بيبين القصير و اتفق معه على التحالف .
اما استولف فقد افزعه تحالف البابوية و الفرنجة و حاول اصلاح الامور لكن بعد فوات الاوان اذ لم تلبث ان غزت جيوش الفرنجة شمال ايطاليا فى ربيع سنة 754 و فر استولف الى باقيا و حضر بيبين القصير بنفسه و حاصره و عرض استولف الصلح و التبعية لملك الفرنجة و ان يرد للبابا حقوقه المسلوبة . و بعد توقيع الاتفاقية عاد البابا ظافرا الى روما كما عاد بيبين القصير الى بلاده .
و حينما علم استولف بعودة بيبين ماطل فى تنفيذ اتفاقية الصلح فامتنع عن رد المدن التى سبق ان انتزعها من البابوية بل عاد الى محاصرة روما فى شتاء 755 – 756 مما تطلب عودة بيبين القصير الى ايطاليا للمرة الثانية لينزل هزيمة اخرى باللمبارديين و فى هذه المرة كانت الشروط التى عرضت على استولف اشد قسوة اذ الزمه بيبين بتقديم ثلث دخله الملكى بمثابة جزية سنوية فضلا عن مدينة رافنا و عدد اخر من المدن التى اخلاها اللمبارديون فى حين توفى استولف سنة 756 و اخذت دولة اللمبارديين فى الذبول و الانحلال و لم تعد تمثل خطرا على البابوية او تسبب ازعاجا لدولة الفرنجة .
اما البابوية فقد غدت املاكها اقوى وحدة مترابطة فى ايطاليا و اكتسبت البابوية سلطانا زمنيا بجانب سلطتها الروحية حتى ظلت عقبة فى سبيل توحيد ايطاليا حتى القرن التاسع عشر
و للحديث بقية

التعليقات