الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

البابوات بين السلطتين الدينية و الزمنية 2

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

بعد وفاة آريوس توفى الامبراطور قسطنطين الذى قسم الامبراطورية قبل وفاته بين أبناؤه فكان الجانب الشرقى من نصيب قنسطنطيوس الذى شجع الاريوسية بينما كان الجانب الغربى من نصيب قنسطنطين الثانى و كانت اليريا و الجزء الاوسط من شمال افريقيا من نصيب قنسطانز و قد شجع الاخيران المذهب الاثناسيوسى . و ادى هذا الخلاف المذهبى الى انقسام فى الكنيسة بين الشرق اليونانى و الغرب اللاتينى .
و عندما توفى قنسطنطين الثانى اصبحت مهمة الزود عن العقيدة الاثناسيوسية تقع على عاتق البابوية و رجال الدين فى الغرب و كان عليهم ان يتكاتفوا لاسيما بعد مقتل قنسطانز و توحيد الامبراطورية الرومانية تحت حكم قنسطنطيوس ( 353-361 ) الذى عمل على فرض المذهب الاريوسى على اجزاء الامبراطورية الغربية مما جعل كفة الآريوسية ترجح فى الامبراطورية الرومانية عند وفاته سنة 361 .
لكن الأمر لم يدم على حاله فقد أبت الوثنية إلا ان تصحو من جديد عندما تولى حكم الامبراطورية جوليان المرتد ( 361- 363 ) الذى أعلن ارتداده عن المسيحية و امر بفتح المعابد الوثنية التى اغلقها قسطنطيوس . لكن جوليان لم يكن متعصباً ضد المسيحية لكنه استبعد المسيحيين من وظائف الجيش و الادارة و حل محلهم الوثنيين .
لكن على ما يبدو ان صحوة الوثنية لم تكن سوى صحوة الموت إذ استرد المسيحيون فى عهد جوفيان مكانتهم و امتيازاتهم ثم جاء الامبراطور جراشيان فتخلى عن لقب ( الكاهن الأعظم ) الذى تمسك به جميع الاباطرة السابقين و بدا فى مصادرة الممتلكات الوثنية و تبعه فى ذلك لامبراطور ثيودسيوس الذى اعلن نهائيا عدم شرعية المذهب الآريوسى فى مجمع القسطنطينية سنة 381 كما فرض عقوبات مشددة على اتباع المذهب الآريوسى فى جميع انحاء الامبراطورية .
على ان انتصار المسيحية استلزم قيام تنظيم جديد للعلاقة بين الكنيسة من جهة و الدولة و المجتمع من جهة اخرى . ذلك ان الامبراطورية الرومانية كان لها دين رسمى و كهنة تساعدهم الحكومة و لكن رجال الدين فى العصر الوثنى لم يتدخلوا نهائيا فى شئون السلطة الزمنية بعكس الكنيسة التى صارت شيئا فشيئا سلطة جديدة منافسة للسلطة العلمانية مما أوجد نفوراً بين السلطتين و ازداد تدخل الكنيسة مع ازدياد ضعف الامبراطورية الرومانية حتى انتهى الامر ان حلت محلها عندما غربت شمسها فى غرب الامبراطورية .
و الواقع ان الاعتراف بالمسيحية دينا رسميا للامبراطورية ترتب عليه اثار خطيرة اهمها ما حصلت عليه من امتيازات و هبات و الاعفاء من الضرائب و اعطاء السلطة للأساقفة للفصل فى المنازعات بين المسيحيين و ما لبث ان ازداد نفوذ الأساقفة فى فى اقاليمهم . لكن ازدياد ثرواتهم ادى الى اختفاء روح الاخوة و البساطة و المساواة و هى الروح التى ميزت الكنيسة فى عصرها الاول . و اخذ الاساقفة يتباعدون عن رعاياهم و اصبح الاسقف يجلس على كرسيه الاسقفى كما لو كان حاكما رومانيا .
نشأة البابوية :
على ان التيار الذى انساقت فيه الكنيسة و محاكاتها لنظم الحكومة الامبراطورية تطلب قيام شخصية عظيمة على رأسها كما كان للامبراطورية امبراطور يتزعمها . و نجد اختلافا بين الشرق و الغرب ففى الشرق أسلمت الكنيسة للأباطرة و بخاصة فيما بين القرنين السادس و الثامن فتدخلوا فى سياسة الكنيسة الخارجية و الداخلية و قد استن قنسطنطين سنة اتبعها خلفاؤه من اباطرة الشرق بدعوة المجامع الدينية العامة لبحث مختلف المشاكل المتعلقة بالكنيسة و العقيدة المسيحية .
و فى الشرق احتدم الجدل، والنزاع الديني بين كنيستي الإسكندرية والقسطنطينية و بلغ أقصاه في منتصف القرن الخامس الميلادي حينما اختلفت الكنيستان حول طبيعة المسيح، فاعتقدت الكنيسة المصرية بأن للمسيح طبيعة إلهية واحدة -مونوفيزيت- وتبنت كنيسة القسطنطينية القول بثنائية طبيعة المسيح بشرية و إلهية في مجمع خلقدونية عام 451م و فى هذا المجمع أنكر المجتمعون نحلة المونوفيزيتيين، وكفروا من قال بأن للمسيح طبيعة واحدة، وعدوهم خارجين على الدين الصحيح، كما تقرر حرمان ديسقوروس بطريرك الإسكندرية من الكنيسة..
واتخذت القضية في مصر شكلًا قوميًا، إذ لم يقبل ديسقوروس، و لا مسيحيي مصر ما أقره مجمع خلقدونية، وأطلقوا على أنفسهم اسم الأرثوذكس أي أتباع الديانة الصحيحةو عرفت الكنيسة في مصر منذ ذلك الوقت باسم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية.و ألغت كنيسة الإسكندرية استخدام اللغة اليونانية فى طقوسها وشعائرها واستخدمت بدلا منها اللغة القبطية . و قد تعرضت كنيسة الاسكندرية لموجة عارمة من الاضطهاد .
اما فى الغرب فقد وجدت الكنيسة ضالتها فى شخص اسقف روما الذى تحول كرسيه الى بابوية لها السيادة العليا على الكنيسة فى مختلف بلدان العالم الغربى . و قد ادى سقوط الامبراطورية الغربية سنة 476 الى ترك البابا وحيدا لا ينافسه سيد سياسى فى الغرب فى الوقت الذى كان بعيدا عن سلطان امبراطور القسطنطينية و نفوذه فى الشرق .
و هكذا سارت الامور حتى تحققت للبابوية سيادتها الفعلية فى صورة عملية عالمية على عهد البابا جريجورى الأول او العظيم ( 590-604 ) و قد ولد فى روما سنة 540 فى اسرة عريقة من النبلاء و استغل ما ورثه من ثروة فى تاسيس ستة اديرة فى صقلية و روما و قد استقال من المنصب الكبير الذى عينه فيه الامبراطور جستين الثانى ووزع ما تبقى لديه من مال على الفقراء مفضلا الانقطاع للحياة الديرية . و عندما اجمع رجال الدين على اختياره لمنصب البابوية سنة 590 أخذت تظهر سمات شخصيته من ولعه باللاهوت و اعتقاده فى المعجزات و بغضه للتراث الكلاسيكى .
و تبدو عظمة جريجورى الاول فى النواحى السياسية و الادارية و التبشيرية فكانت حكومته فى روما اقرب الى الحكومة الدنيوية منها الى الحكومة الدينية فنظم وسائل الدفاع ضد اللمبارديين كإعداد الجند و تحصين الاسوار و توجيه الهجمات كما فاوض اللمبارديين بإسم الشعب الرومانى حتى عقد معهم هدنة سنة 592 كما عقد صلحا نهائيا مع ملكهم اجيولف سنة 598 انهى به حروب استمرت ثلاثين عاما منذ الغزو اللمباردى لإيطاليا . كما أدار املاك البابوية الشاسعة و نماها .و قد ساعد جريجورى الاول على انتشار نفوذ البابوية و مده من ايطاليا الى افريقيا و جاليا و اسبانيا و انجلترا عن طريق ارساله بعثات تبشيرية لنشر المذهب الكاثوليكى بينهم .
وبعد وفاته التزم البابوات بنهجه مما ادى لحدوث اكثر من صدام بينهم و بين الاباطرة فى العصور الوسطى و قد بدا الاحتكاك اول مرة مع الامبراطور قنسطانز الثانى ( 641-668 ) و البابا مارتن الاول ( 649-655 ) و كان هذا البابا قد عقد مجمعا فى روما سنة 649 اعلن بطلان المرسوم الذى اصدره الامبراطور بخصوص تحريم اى نقاش حول المونوفيزيتية فى الوقت الذى كانت البابوية تطمع فى تحريم المونوفيزيتية نفسها و اضطهاد اتباعها . و لم يستطع الامبراطور ان يغفر للبابا هذه اللطمة فأمر نائبه فى ايطاليا بانتهاز الفرصة للقبض على البابا فتم ذلك و ارسل البابا الى القسطنطينية حيث حوكم و نفى الى القرم ليموت سنة 655 . و بعد فترة ( 663 ) ذهب الامبراطور الى روما فقدم له البابا فيتاليان ( 657- 672 ) فروض الولاء و التبعية . لكن الامبراطور نهب كثير من التحف و الاثار الثمينة التى وجدها فى روما . ثم قام الامبراطور بمنح رئيس اساقفة رافنا حق الاستقلال عن البابوية و قد استمر هذا الانشقاق بين روما و رافتا زهاء عشرين سنة حتى انتهى الامر بعودة الاخيرة الى حظيرة البابوية .
كما حدث احتكاك اخر عندما امر الامبراطور جستنيان الثانى ( 685- 685 ) نائبه فى ايطاليا بالقبض على البابا سرجيوس ( 687 – 701 ) و ارساله الى القسطنطينية لكن نائب الامبراطور تعرض حال تنفيذه للأمر لمعارضة الحامية البيزنطية نفسها فضلا عن اهل روما حتى انتهى الامر بانتصار البابا و ادت سياسات الامبراطور الى عزله . .
و قد ساعد ضعف الامبراطورية البيزنطية خلال ( 695- 717 ) على ضعف نفوذها فى ايطاليا و بالتالى ازدياد نفوذ البابوية حتى ان البابا حنا السادس ( 701-705 ) باشر جمع الضرائب فى روما كما عقد المعاهدات مع دوق بنفنتو اللمباردى .
ثم ساءت العلاقات بين روما و القسطنطينية عندما حاول البابا جريجورى الثانى ( 715-731 ) التحرر من سلطة الامبراطورية تماما فاستحوذ على سلطات الامبراطورية و جمع الضرائب فى ايطاليا سنة 735 كما اصدر قرار الحرمان ضد النائب الامبراطورى مما يعتبر خروجا على الامبراطور ليو الايسورى .
و فى الوقت الذى اشتد فيه الخلاف و القتال بين اتباع البابا و اتباع الامبراطور فى ايطاليا أعاد اللمبارديون توحيد جبهتهم تحت زعامة ليتوبراند ( 712- 743 ) الذى يعتبر من اعظم ملوكهم و قد اشتهر بتحمسه للكنيسة و بناؤه عددا كبير من الاديرة و اختار الا يتخذ سياسة معادية للامبراطورية . لكنه صمم على بسط سيادته على جميع انحاء ايطاليا مما اوقعه فى صراع مع غيره من زعماء اللمبارديين فضلا عن الامبراطورية و البابوية جميعا . و هكذا بدأ اللمبارديون فى الهجوم على ممتلكات الامبراطورية و الاستيلاء على المدن التابعة للامبراطور البيزنطى واحدة تلو الاخرى . لكن ليتوبراند لم يشأ ان يلتحم بالبابوية و نزل على رغبة البابا و سلمه قلعة سوترى التى انتزعها اللمبارديون من البيزنطيين قرب روما .
و استمر البابا جريجورى الثانى يرد على الامبراطور بلهجة عنيفة مهددا اياه بالاحتماء باللمبارديين اذا جرؤ الامبراطور على ان يرسل جيشا الى روما . لكن البابا لم يكن جادا فى هذا التهديد بدليل انه قام ببذر بذور الفرقة بين ليتوبراند فى الشمال و دوقتى بنفنتو و سبوليتو فى الجنوب . حيث ادركت البابوية انها قضت على النفوذ البيزنطى فى اواسط ايطاليا لكنها اصبحت وحيدة وجها لوجه امام خصم اخر اقرب و اشد خطرا و هم اللمبارديون .
و جاء البابا جريجورى الثالث ( 731-741 ) و استمر العداء مع الامبراطور الذى اصدر مرسوم لتحديد اختصاص البابوية القضائى و فصل أسقفيات اليريا و جنوب ايطاليا عن البابوية و سلطاتها و فى سنة 732 أعد الامبراطور اسطولا و حملة لاسترداد املاك الامبراطورية من اللمبارديين و القبض على البابا جريجورى الثالث . و لكن هبت زوبعة فى البحر الادرياتى حطمت الاسطول الامبراطورى و تعتبر هذه اخر محاولة للامبراطورية لاستعادة نفوذها المفقود فى ايطاليا اذ اضطر الاباطرة الشرقيون بعد ذلك الى ترك البابوات و شانهم و لم يعد للنائب الامبراطورى نفوذ يذكر

التعليقات