الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

البابوات بين السلطتين الدينية و الزمنية 1

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

مقدمة :
لم تستطع عقيدة اتباع عيسى ان تشيد صرحها فى مهد اليهودية فانتقلت الى ربوع اليونان . و كان الحواريون قد استمالوا الى عقيدتهم بعض يهود اليونان الذين وفدوا الى القدس فى الاحتفالات الخاصة ببعض الاعياد . و عادت فئة من الحجاج الى ديارها فور انتهاء هذه الاحتفالات بينما بقيت فئة اخرى بالمدينة المقدسة غير انها لم تلبث ان طردت منها أثر مقتل الشماس أتيين على أيدى قضاة اليهود . و هو الذى تخصص فى نشر و اذاعة الانجيل بين رحاب القدس التى ينفق عليها يهود اليونان .
و رحل الأنصار الجدد المطرودون الى فينيقيا و قبرص و انطاكيه حيث راحوا بدورهم يبشرون بعيسى فى المعابد و تحدثوا ايضا الى اهل اليونان فآمن كثير من اهل اليونان بالسيد المسيح .
تاريخ الكنيسة :
يرجع الفضل للقديس بولس فى تنظيم المجتمعات المسيحية الاولى ووضع قواعد اللاهوت فضلا عن جهوده فى وضع دعائم الكنيسة الكاثوليكية العالمية فقد اخذت المسيسحية تنتشر انتشارا حثيثا بحيث لم يكد ينتهى القرن الاول الا و كانت كل ولاية رومانية من الولايات التى تطل على البحر المتوسط تضم بين جوانبها جالية مسيحية . بل كون المسيحيون جالية ملحوظة فى روما نفسها منذ وقت مبكر يرجع الى عام 64 م مما عرضهم لنقمة الامبراطور نيرون و اضطهاده .
على ان التعارض لم يلبث ان ظهر بين المسيحية و الدولة الرومانية لرفض المسيحيون فكرة تأليه الامبراطور و عدم ايمانهم بأى عقيدة اخرى و رفضهم الخدمة بالجيش الرومانى و ما لبثوا ان اجتمعوا سراً لمباشرة طقوسهم الدينية و اتخذوا الاحد اول ايام الاسبوع ليكون ذا صفة دينية فاعتبرتهم الحكومة الرومانية فئة هدامة تهدد اوضاع الامبراطورية و سلامتها . و ما لبثت ان اعتبرت اعتناق المسيحية جرماً فى حق الدولة و بدأت موجات الاضطهاد تلاحق المسيحيين .و كانت اقواهم فى اوائل القرن الرابع على يد الامبراطور دقلديانوس الذى اصدر عدة مراسيم منع فيها صلاتهم و امر بهدم كنائسهم و احراق كتبهم و حبس قساوستهم و طردهم نهائيا من الوظائف الحكومية لذا اطلق على الفترة الاخيرة من حكمه ( عصر الشهداء ) .
و كان ذلك الاضطهاد محاولة من دقلديانوس لإخضاع الكنيسة لسلطة الدولة شانها شأن بقية الهيئات و المنظمات بالدولة الرومانية أما ان تكون الكنيسة دولة داخل الدولة فهذا يخالف البند الاول الذى بنى عليه دقلديانوس حكمه و بدأ به اصلاحاته و الذى يقضى بخضوع جميع الرعايا لسيادة الدولة المطلقة . هذا فضلا عما واجه المسيحية من اليهود و غيرهم لكنها جميعها معارك خرجت منها المسيحية ظافرة مرفوعة الرأس . لا سيما بعد اخذ الامبراطور قسطنطين بسياسة الامر الواقع فاصدر مرسوم ميلان سنة 313 معترفا بوضع الديانة المسيحية كإحدى الشرائع المصرح بإعتناقها داخل الامبراطورية ثم أعقب ذلك بنقل عاصمة الامبراطورية من روما الى القسطنطينية و هو يعد تغيراً اساسيا اعترى وجه العالم القديم . فلما لم تعد روما مركز الامبراطورية اصبحت المسيحية و رجالها بمثابة القوة الفعالة فى المجتمع الاوربى .
و الواقع ان عصر قنسطنطين يمثل عدة تيارات دينية متضاربة فلم يقتصر التطاحن بين المسيحيين و الوثنيين بل انقسمت المسيحية الناشئة على نفسها بين آريوسيين و أثناسيوسيين مما جعل كل فريق يعمل للفوز على اكبر قدر ممكن من الامتيازات على حساب المذهب الاخر . و كان قنسطنطين يرضى جميع الاطراف فاعترف بالمسيحية بمذهبيها دون ان يتنكر لديانة الدولة او يتخلى عن عبادة الامبراطور التى كانت مصدرا اساسيا لقوة الاباطرة و نفوذهم
ولم يلبث ان ساد المذهب الاثناسيوسى فى بلاد الغرب اللاتينى فى حين اصبحت الغلبة فى الشرق الهللينى للمذهب الآريوسى . فضلا عن ان معظم المفكرين و الفلاسفة و الادباء كانوا آريوسيين موحدين فى حين كانت معظم الطبقات الوسطى و الدنيا التى انتمى اليها رجال الدين اثناسيوسيون .
و حاول الامبراطور قنسططين ان يوفق بين المذهبين لكنه أخفق لذا دعا الى عقد مجمع دينى فى نيقية سنة 325 ( اول مجمع مسكونى عالمى فى تاريخ الكنيسة حضره نحو ثلاثمائة من رجال الدين فى الشرق و الغرب و رأسه الامبراطور قنسطنطين رغم انه لم يكن معمداً ) لحسم الخلاف . و قد ادان مجمع نيقية آريوس و تم نفيه و اعدام كتاباته و تجريم تداولها و اضطهاد اتباعه . و مع ذلك ظلت الآريوسية قائمة فى الاجزاء الشرقية من الامبراطورية و انتقلت للأمم الجرمانية عن طريق المبشرين و رجال الدين
و لعل بقاء المذهب الآريوسى قويا فى الشرق كان من العوامل التى ادت بالامبراطور الى تغيير رأيه فاستدعى آريوس من منفاه عام 327 و نعلل ذلك التغير فى اعتزام الامبراطور على نقل عاصمته للشرق و الذى تم عام 330 مما استلزم استرضاء اهالى الجزء الشرقى من الامبراطورية . و تم عقد مجمع دينى جديد فى صور سنة 334 الغى قرارات مجمع نيقية السابق و قرر العفو عن آريوس و اتباعه و تم عزل اثناسيوس فى العام التالى و نفى الى ترييف فى جاليا حتى اطلق سراحه الامبراطور جوليان ( 361-363 ) الذى كان وثنيا لا يهتم بأى من مذهبى المسيحية .
الا ان آريوس توفى فجأة فى القسطنطينية سنة 336 و لحقه الامبراطور قسطنطين فى 337 بعد ان تم تعميده على فراش الموت وفق مبادىء المذهب الآريوسى .
يتبع

التعليقات