الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

التحديث الثالث في كازاخستان

التحديث الثالث في كازاخستان
بقلم : أحمد عبده طرابيك

في 12 أبريل 2017 ، ألقي رئيس كازاخستان ، نورسلطان نزار بايف ، خطابا حدد فيه عناصر التحديث الثالث في كازاخستان ، فقد بدأت كازاخستان منذ استقلالها عن الاتحاد السوفيتي عام 1991 بانجاز التحديث الأول والمتعلق بالإصلاح السياسي ، ثم التحديث الثاني والخاص بالقطاع الاقتصادي ، ثم بدأت عملية التحديث الثالث المتعلق بتحديث الوعي الاجتماعي ، وكل ذلك مرتبط بتنفيذ الاستراتيجية الكبري لكازاخستان وهو الدخول ضمن الدول الثلاثين الأكثر تقدما في العالم .
لم يكن القطاع الثقافي والحضاري غائباً تماماً عن عملية الإصلاح التي بدأتها كازاخستان منذ الاستقلال ، ولكنها بدأت منذ عام 2004 ، من خلال تنفيذ برنامج " التراث الثقافي " الذى عمل علي استعادة الآثار والمعالم التاريخية والثقافية على أراضى كازاخستان ، ثم إطلاق برنامج " البشر في مجري التاريخ " عام 2013 ، والذى تم من خلاله جمع ودراسة الوثائق المتعلقة بتاريخ كازاخستان من كبريات الأرشيفات العالمية بشكل منهجي .
يرتكز التحديث الثالث علي ستة مشروعات ثقافية وحضارية محددة يتم تنفيذها خلال الفترة القادمة ، وهي :
المشروع الأول : " الانتقال التدريجي باللغة الكازاخستانية إلى الأبجدية اللاتينية " ، خاصة أن تاريخ أحرف اللغة الكازاخية له جذور عميقة ، ففي القرنين السادس والسابع من العصور الوسطى ، نشأ في آوراسيا الكتابة الرونية التركية القديمة ، والمعروفة علميا بكتابة " أورخون- ينسي " ، وفى القرنين السادس والسابع ظهرت الكتابة التركية القديمة ، وبين القرنين الخامس والخامس عشر كانت اللغة التركية هى لغة التواصل بين الشعوب فى معظم أنحاء آوراسيا ، فالقبيلة الذهبية كانت الوثائق الرسمية والمراسلات الدولية لها تكتب بالأساس باللغة التركية ، ومع بداية القرن العاشر وحتى القرن العشرين ، أى ما يقرب من 900 عام ، كانت الأحرف العربية هى المستخدمة على أراضى كازاخستان .
بعد الدخول فى الإسلام تركت الكتابة الرونية وانتشرت اللغة العربية والخط العربي ، وفى السابع من أغسطس 1929 أصدر رئيس اللجنة التنفيذية المركزية للاتحاد السوفيتي قرارا بإدخال الحروف الأبجدية اللاتينية الجديدة " الأبجدية التركية الموحدة " ، حيث تم استخدام الأبجدية اللاتينية رسميا ابتدءا من عام 1929 وحتى عام 1940 ، وبعد ذلك حلت محلها الكتابة السريالية ، ففى الثالث عشر من نوفمبر 1940 صدر قانون بخصوص " انتقال الكتابة الكازاخية من الأبجدية اللاتينية إلى الأحروف الروسية " .
وهكذا فإن تاريخ تغيير أبجدية اللغة الكازاخية قد تحدد فى المقام الأول وفقا لأسباب وظروف سياسية ، وقد حدد الرئيس نزار بايف عام 2025 ، موعداً للعودة باللغة الكازاخية للكتابة بالأحرف اللاتينية مرة أخري ، وذلك ضمن استراتيجية " كازاخستان -2050 " ، مما يعني أنه بحلول عام 2025 سيتم إصدار السجلات والدوريات والكتب الدراسية وكل شئ آخر بالحروف اللاتينية .
لقد تم تحديد عام 2017 يتم خلاله اعتماد صيغة قياسية موحدة للأبجدية الكازاخية بالأحرف الجديدة بمساعدة العلماء وعامة الجمهور . ومع بداية عام 2018 يتم تدريب الكوارد لتعليم الأبجدية الجديدة وإعداد الكتب المدرسية للمدارس الثانوية ، استخدام الأبجدية السريالية لوقت محدد حتى يتم التكيف مع الأبجدية الجديدة .
المشروع الثاني : " معرفة إنسانية جديدة -100 كتاب تعليمي جديد باللغة الكازاخية " فى العلوم الاجتماعية والإنسانية ، وذلك بهدف تهيئة الظروف للطلاب للحصول على تعليم شامل في التاريخ , والعلوم السياسية ، والاجتماع ، والفلسفة ، وعلم النفس ، والدراسات الثقافية وفقه اللغة ، من خلال دعم المثقفين في العلوم الإنسانية من خلال إعادة إنشاء أقسام العلوم الإنسانية فى الجامعات
المشروع الثالث : " الوطن الأم " ، حيث يبدأ حب الوطن من حب أرضه , ومن حب القرية ، والمدينة ، والمنطقة ، ومن الحب للوطن الصغير إلي برنامج أوسع وهو " الوطن الأم " أو الوطن الكبير كازاخستان ، فالعلاقة الخاصة تجاه الوطن الأم ، وثقافته ، وعاداته وتقاليده هى من أهم سمات الوطنية ، وبمثابة أساس الرمز الثقافي والوراثي الذى يجعل من كل شعب ، هي أمة بحق وليس فقط تجمع للأفراد .
المشروع الرابع : " المقدسات الروحية لكازاخستان " أو كما يسميه العلماء " الجغرافيا المقدسة لكازاخستان " ، وذلك من خلال الجمع بين مجمع الآثار فى الوعى الوطنى مثل الآثار الموجودة حول مدينة أوليتاو ، وضريح خوجة أحمد يسوي والآثار القديمة فى مدينة طراز ومدفن العالم الكازاخي بيكيت - أتا ، والمجمعات القديمة بشرق كازاخستان وكذلك الأماكن المقدسة فى سميرتش والكثير من الأماكن الأخرى ، حيث تشكل كلها إطار الهوية الوطنية ، ولذلط فإن الحزام الثقافي والجغرافي لمقدسات كازاخستان هو الحماية الرمزية ومصدر الفخر الذى حمل شعب كازاخستان بخفاء على مدار العصور .
المشروع الخامس : " الثقافة الكازاخستانية المعاصرة فى عالم العولمة " ، وذلك بهدف القدرة على المنافسة فى العالم المعاصر ، فكازاخستان تريد أن لا يعرفها العالم من خلال موارد النفط والمبادرات السياسة الخارجية ، ولكن أيضا من خلال انجازاتها الثقافية ، ويتحقق ذلك من خلال وضع منهج محدد الأهداف حتي تنطق الثقافة الوطنية باللغات الست الرسمية فى الأمم المتحدة " الإنجليزية ، الروسية ، الصينية ، الإسبانية ، العربية ، الفرنسية " ، علي أن تلعب طبقة المثقفين المبدعين دورا هائلا بما فى ذلك اتحاد الكتاب ، وأكاديمية العلوم ، والجامعات والمؤسسات الاجتماعية .
ويتضمن مشروع " الثقافة الكازاخستانية المعاصرة فى عالم العولمة " ، تنفيذ برنامج ضخم للترجمة وأساليب متخصصة فى الترويج للانجازات الثقافية مثل الكتب ، والمسرحيات ، والمنحوتات ، واللوحات ، والأعمال الموسيقية والاكتشافات العلمية وغيرها ، حتي تنتشر الثقافة الكازاخية فى كل القارات وبكل لغات العالم الرئيسية .
المشروع السادس : " 100 شخصية كازاخستانية جديدة " ، وذلك من خلال اختيار 100 شخصية من مختلف المناطق ، والأعمار والقوميات ممن حققوا النجاح خلال سنوات الاستقلال ، وإبراز تاريخ وقصص حياة تلك الشخصيات ، ليعبر عن وجه كازاخستان المعاصرة ، وجعل تلك الشخصيات أبطال الأفلام الوثائقية والتلفزيونية ، حتي يكونوا قدوة ومثالا يحتذى به من أجل نظرة رصينة وموضوعية للحياة .
الثقافة الإعلامية المعاصرة لا تتأسس على " الرؤوس الثرثارة " ، ولكن تتأسس على خلق قصص أصلية للحياة ، لذلك فإن خلق تلك القصص الواقعية يجب أن يكون موضوعا للأعمال المهنية لوسائل الإعلام الجماهيرية ، والتركيز علي اظهار الوجه الحقيقي لأولئك الذين استطاعوا بعقولهم وسواعدهم وموهبتهم أن يخلقوا كازاخستان المعاصرة .
يقوم تحديث وعى المجتمع علي عدد من الأسس والقيم والشروط ، أهمها :
أولا : القدرة على المنافسة : وذلك بأن يكون لدى الأمة بأكملها وليس شخصا واحدا فرصة للنجاح من خلال تطوير قدرته على المنافسة ، وهذا يعني قدرة الأمة على عرض شيئا ما مربحا فى سعره وجودته فى الأسواق الإقليمية والعالمية ، وهذا لايشمل فقط المنتج المادي ولكن أيضا المعارف والخدمات والمنتجات الفكرية وجودة القوى العاملة ، فقدرة الإنسان على المنافسة تمثل وحدها عامل نجاح الأمة وليس توافر الثروات المعدنية ، فاكتساب المزايا التى تناسب القرن الحادى والعشرين ، وفي مقدمتها الإلمام بالحاسوب ، ومعرفة اللغات الأجنبية ، والانفتاح الثقافي من أهم شروط المنافسة .
ثانياً : البراجماتية : فلا يمكن القيام بالتحديث دون تغيير عددا من العادات والأفكار النمطية ، ومن أهمهما المعرفة الدقيقية للموارد الوطنية والشخصية واستخدامها بشكل اقتصادي ، والقدرة على التخطيط للمستقبل ، فالبراجماتية هى نقيض الإسراف والغطرسة والعيش المترف ، ولذلك لابد أن تسود ثقافة الاعتدال ، والثراء وليس الترف ، هى ثقافة العقلانية .
ثالثاً : الحفاظ على الهوية الوطنية : بالحفاظ على الجوهر الداخلي لماء الوجه الوطني عند تغيير بعض معالمه ، فالخطر فى أنه يتم النظر إلى التحديث باعتباره انتقالا من النموذج الوطنى إلى نموذج آخر عالمي ، فالحفاظ علي الهوية الوطنية ، هو الحفاظ علي التقاليد والعادات الوطنية ، واللغة ، والموسيقى ، والأدب ، وعادات الزواج وغيرها ، أي أن الروح الوطنية يجب أن تبقى إلى الأبد .
رابعاً : حب المعرفة : يجب أن يكون حب التعليم شاملاً ، ستؤدى الثورة التقنية إلى اختفاء نصف الوظائف الموجودة حاليا فى العقود القادمة ، ولن يستطيع العيش بنجاح فى تلك الظروف سوى الشخص ذو التعليم العالي الذى يستطيع بسهولة نسبية تغيير وظيفته بفضل مستواه التعليمي العالي ، لذلك فإن كازاخستان تقع اليوم ضمن أكثر الدول المتقدمة فى العالم من حيث الاعتمادات المخصصة للتعليم فى الميزانية العامة للدولة ، باعتبار أن التعليم هو العامل الأهم للنجاح فى المستقبل ، فالنجاح لمن وضع التعلّم القيمة الأساسية فى منظومة القيم لديه .
خامساً : التنمية المتواصلة غير الثورية لكازاخستان : حمل القرن العشرون الكثير من الايجابيات لكازاخستان أهمها التصنيع ، وإقامة البنية التحتية الاجتماعية والانتاجية وتشكيل الطبقة المثقفة الجديدة ، ولذلك فإن التنمية المتواصلة تعطى الأمة فرصة للازدهار ، وغير ذلك سيؤدي للسقوط فى براثن التاريخ ، فالتنمية المتواصلة يجب أن تكون أحد المعايير على المستوي الفردى والشخصي لكل مواطن ، فقد تغيرت طبيعة الثورات ، وأصبحت تتميز بصبغة وطنية ، ودينية ، وثقافية أو انفصالية واضحة ، وفى معظم الحالات تنتهى الثورات بالعنف والانهيار الاقتصادي ، لذلك فإن إعادة النظر الجدية لكل ما يحدث فى العالم تعد جزءا من العمل الأيدولوجى والفلسفي الضخم الذى يجب أن يقوم به المجتمع بأكمله .
سادساً : انفتاح الوعي : حيث تظهر الكثير من المشكلات نتيجة أن العالم الكبير يتغير بشكل متسارع والوعى الجماهيرى يبقى كما هو دون تغيير ، ولذلك لابد من فهم ما يحدث فى العالم وما يحدث حول كازاخستان ، والاستعداد للتغيرات التى يجلبها النمط التقني الجديد الذي سيغير فى السنوات العشر القادمة شرائح ضخمة من حياة السكان مثل العمل ، وظروف الحياة ، والراحة ، والمسكن ووسائل التواصل الانساني ، لذلك لابد أن يكون الجميع مستعداً لذلك ، وأن يكون قادراً على تطبيق تجارب الآخرين والتعلم منهم .

التعليقات