الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

البابوات بين السلطتين الدينية و الزمنية 5

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

تقسيم الامبراطورية بعد شارلمان :
* تمثلت نظرة الفرنجة للملك على انه ارث يقسم بين ابناء الملك . و طبيعى ان استمرار تطبيق هذا المبدا سيؤدى فى النهاية الى تفتيت الدولة و زوالها . و من الغريب ان شارلمان و هو السياسى بعيد النظر لم يخرج عن تلك القاعدة او يعدلها فقسم ملكه فى حياته بين ابناؤه الثلاثة على ان وفاة اثنين من ابناؤه و بقاء واحد هو لويس التقى أخر الى حد ما تقسيم الامبراطورية . و قد احتفل شارلمان قبل وفاته بتتويج ابنه لويس التقى الذى خلفه فى حكم الامبراطورية و الذى لم يلبث ان اعيد تتويجه بواسطة البابا ستفن الرابع سنة 816 .
و قام لويس التقى بوضع مشروع تقسيم بين ابناؤه الثلاثة لوثر و بيبين و لويس سنة 817 ثم تزوج فيما بعد و انجب شارل فأراد تعديل مشروعه بإضافة الابن الجديد فقامت حرب اهلية عنيفة بين الأخوة بعضهم البعض و بينهم و بين ابيهم و كان ان توفى بيبين ثم لحق به ابوه سنة 840 فانحصر الخلاف بين الثلاثة الباقين و تم الاتفاق بينهم فى اتفاقية فردون الشهيرة سنة 843 على تقسيم الامبراطورية .
على ان اهمية اتفاقية فردون لا تقتصر على انها وضعت نهاية لامبراطورية الفرنجة الموحدة فحسب بل لأنها توضح ايضا بداية مولد بعض الدول العظمى الحديثة . ذلك ان التقسيم قام الى حد ما على اساس لغوى كما يلى :
1- حكم شارل الاصلع الجزء الغربى الذى تسوده اللغة الرومانية – المحرفة عن اللاتينية – و من ثم سنستخدم من الان لفظ فرنسا للإشارة الى هذا الجزء الغربى من الامبراطورية الفرنجية .
2- حكم لويس الالمانى الجزء الشرقى الذى تسوده اللغة الالمانية و من ثم سنشير الى هذا الجزء بألمانيا .
3- اما لوثر فقد حكم منطقة انتقال بين اللغتين الالمانية و الفرنسية و قد سميت بلاده لوثر نجيا اى مملكة لوثر ثم حرف الاسم الى اللورين
** و توفى لوثر سنة 855 فقسمت مملكتة بين ابناؤه الثلاثة . و هكذا اخذت تتكاثر الاجزاء التى انقسمت اليها الامبراطورية كما كثرت الحروب بين ابنائها بحيث لم يوجد من الابناء الشرعيين للبيت الكارولنجى سنة 844 سوى شارل البسيط فى فرنسا و شارل السمين فى المانيا و على الرغم من ان الاخير استطاع ان يوحد بين المانيا و ايطاليا و فرنسا توحيداً اسميا لمدة ثلاثة سنوات الا انه عزل سنة 887 ثم توفى فى العام التالى . اما فرنسا فإن شارل البسيط كان طفلا مما سهل انتقال السلطة الفعلية الى أيدى أودو كونت باريس الذى استطاع ان ينتزع الملك و يؤسس اسرة جديدة هى اسرة كاليه سنة 888 .
الفيكنج :
اى سكان الخلجان و هم عناصر شمالية سكنت شبه جزيرة سكندناوه و شبه جزيرة الدانمارك و اتخذت غاراتها على اوروبا شكلا خطيرا فى القرن التاسع . و الفيكنج ظلوا برابرة بعيدين عن العالم الرومانى و البحر المتوسط . و قد برعوا فى بناء السفن الصغيرة المكشوفة و جابوا بها شواطىء اوروبا و المحيط الاطلسى . كما عرفوا بمهارتهم فى القتال و قوة تسلحهم .
و يمكن ان نقسم الفيكنج الى نرويجيين وسويديين ودانيين الا انه يجب الاشارة الى ان هذا التقسيم لا يعنى وجود فوارق بينهم فالعصر الكارولنجى لم يعرف وحدات سياسية تحمل اسم النرويج او السويد او الدانمارك .
و قد اثر التوجيه الجغرافى فى توزيع غزوات الفيكنج فالسويديون الذين يواجهون شرق اوروبا عبروا البلطيق الى سهول شرق اوروبا و البحر الاسود .اما النرويجيون فقد اتجهوا غربا فوصلوا انجلترا و ايرلندا و الجزر القريبة فضلا عن الجزر الشمالية فى المحيط الاطلسى . فى حين اتجه الدانيون نحو الجنوب و الغرب و هددوا شواطىء الامبراطورية الكارولنجية فى المانيا و فرنسا .
منذ سنة 789 هدد الفيكنج شواطىء انجلترا و اسكتلندا و ايرلندا لكن هجماتهم لم تأخذ شكلا خطيرا الا بعد وفاة شارلمان ثم بشكل خاص بعد وفاة لويس التقى . و كانوا ياتون انذاك فى تجمعات ضخمة و معهم نساؤهم و اولادهم بغية الاستقرار فى البلاد التى يغزونها فاقاموا على سبيل المثال مستعمرة قصيرة العمر فى ايرلندا سنة 843 كما قضوا الشتاء لأول مرة فى انجلترا سنة 851 و فى الجزء الغربى من فرنسا . و بداوا يتوغلون داخل البلاد و كلما هجر الاهالى مكاناً تبعهم الفيكنج .
و فى اواخر القرن التاسع ازدادت مقاومة اهالى البلاد للفيكنج فالتزموا جانب الدفاع . و قد بدأت تلك المقاومة من جانب الكونت أودو حاكم باريس مما ادى لفشل حصار الفيكنج لباريس ( 885- 887 ) و قبل ذلك كان الفريد ملك وسكس بانجلترا قد انزل بالدانيين هزيمة كبرى فى ادينجتون سنة 878 و فى سنة 891 استطاع ارنولف – احد ملوك البيت الكارولنجى فى المملكة الوسطى – ان ينزل هزيمة بالفيكنج فى موقعة ديل فى برابانت .
و فى سنة 911 عقدت اتفاقية سانت كلير بين شارل البسيط ( استدعاه نبلاء فرنسا من انجلترا كوريث للبيت الكارولنجى ليأخذ الحكم من اودو و دارت حرب انتهت سنة 898 بوفاة اودو ) و رولو ( دوق نورمنديا من الفيكنج ) تسلم بمقتضاها الفيكنج الاقليم الساحلى الممتد من السوم حتى بريتانى و هى المنطقة التى نسبت الى الشماليين ( النورمان ) فعرفت منذ ذلك الوقت باسم نورمنديا و ذلك مع اعترافهم بتبعية اسمية فقط لملك فرنسا
و اعتنق رولو دوق نورمنديا الديانة المسيحية و تبعه معظم رجاله و نزحت معظم جماعات الفيكنج المتناثرة فى فرنسا ليعيشوا تحت حكم رولو فى نورمنديا . و بذلك يكون شارل البسيط قد ضحى بجزء من بلاده لينقذ بقية البلاد . وخلال قرن واحد تاقلم الفيكنج فى نورمنديا و صاروا فرنسيين فى لغتهم و نظمهم و ثقافتهم و ان ظلوا محتفظين بكثير من الحماسة و العنف كما كان اسلافهم الاوائل .
توسع السويديون شرقا :
كان الميدان الرئيسى لتوسع السويديون هو البحر البلطى و كذلك سهول اوروبا الجنوبية الشرقية و عرفوا هناك بإسم الروس ( لفظ فنى بمعنى البحارة ) اطلقه الفنيون و السلاف على العناصر الشمالية التى تغلغلت فى بلادهم . و كان الآفار و اللاف يحتكرون الطرق التجارية فى شرق اوروبا لجلب الرقيق و الفراء لبيعها الى تجار المسلمين بالقوقاز او التجار المسيحيين فى القسطنطينية . و بانهيار قوة الآفار فى القرن التاسع حل محلهم الروس حتى وصلوا الى البحر الاسود فصاروا متحكمين بطرق التجارة بين البحرين البلطى و الاسود مما ساعدهم على تأسيس دولة لأنفسهم فى هذا الجزء الشرقى من اوروبا .
الفيكنج و المسيحية :
يرجح ان اول معرفة لهم بالمسيحية كانت عن طريق علاقاتهم التجارية مع الفريزيين حتى ترددت البعثات التبشيرية على اسكندناوه و الدانمارك اوائل القرن الثامن و بعد ذلك بقليل عمل لويس التقى على نشر المسيحية فاغرى هارولد ملك الفيكنج على اعتناق المسيحية حتى تم تعميده مع عدد كبير من اتباعه عام 826 م و عاد الى بلاده بصحبة القديس إنسكار الذى قضى عامين فى نشر المسيحية بالدنمارك ثم السويد حتى عاد لبلاده و عين رئيساً لأسقفية هامبورج التى اصبحت قاعدة لنشر المسيحية فى البلاد الشمالية .و هكذا اخذت المسيحية تنتشر تدريجيا هناك ليس بين الدانيين فحسب بل النرويجيين و السويديين الروس كذلك .

التعليقات