الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

دراسات يسيرة في رحاب السيرة الحلقة 15:


مع الحلقة الخامسة عشر نعيش في أجواء من الحزن المتتالي على فراق الحبيب صلى الله عليه وسلم عبر العديد من المواقف التي سيتم تناولها بأسلوب جديد على مدى الحلقات المتتالية، نبدأها مع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم واختياره للرفيق الأعلى بجوار ربه تعالى:
اختار رسول الله صلى الله عليه وسلم الرفيق الأعلى، والمسلمون قد هالهم وقع الخبر فتلقوه بين مصدق له ومكذب، فالجزيرة وإن خلت من الشرك إلا أن الدولة الإسلامية مازالت فى أول عهدها، والإسلام لم يخرج من حدودها ليملأ آفاق الأرض، وهم قد تعودوا مقامه بينهم صلى الله عليه وسلم، ولم تحدِّثهم أنفسهم آنفًا أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيغادرهم يومًا، برغم أن خطبته فيهم بعد ظهر الأربعاء السابق على وفاته بخمسة أيام قد أعلن فيها نبأ رحيله عن الدنيا، فقال صلى الله عليه وسلم: ’’إن عبدًا خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده’’.

لم يستقبل رسالة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا صديقه الصدِّيق أبا بكر رضي الله عنه، فقد كان أفقه الصحابة رضوان الله عليهم وأعلمهم بمرامي كلام الرسول صلى الله عليه وسلم وفحواه، فلم يفهموها إلا بظاهرها بأنها بشرى لرسولهم بزهرة الدنيا حتى أنهم تعجبوا من بكاء الصديق الذي أحسن تأويلها فبكى، فقد قال أبو سعيد الخدري: “فبكى أبو بكر، وقال: (فديناك بآبائنا وأمهاتنا)، فعجبنا له، فقال الناس:
(انظروا إلى هذا الشيخ، يخير رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا، وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا). فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخبر وكان أبو بكر أعلمنا” [ صحيح البخارى 1/516].

ولهذا استهول عمر بن الخطاب وقع الصدمة بفراق الحبيب فهب مزمجرًا متوعدًا كل من تُسوِّل له نفسه ترديد مثل هذه الأراجيف، قائلاً :”إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم توفى، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما مات، لكن ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران فغاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل: قد مات”.

أما علي بن أبى طالب فقد أقعدته الصدمة فلم يعرف ماذا يفعل أو يقول، ولم يكن حال عثمان بن عفان أحسن حالاً من علي فقد ترك نفسه كالطفل الذي يؤخذ بيمينه حيثما وجهته توجه فلا تعرف من ملامحهما أصدَّقا النبأ أم كذباه.

ولم يكن الصديق رابط الجأش إلا أمام الناس، أمَّا أمام وجه الرسول صلى الله عليه وسلم فيبكي البكاء الثخين، فقد أقبل رضى الله عنه على فرسه من مسكنه حين علم بالخبر فنزل ودخل إلى المسجد دون أن يكلم أحدًا، ثم دخل على عائشة ابنته فتيمم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مغشي بثوب حَبِرَة، فكشف عن وجهه ثم أكب عليه، فقبله وبكى، ثم قال: “بأبي أنت وأمي، لايجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التى كتبت عليك فقد مِتَّهَا”.

ولم يلبث أن خرج ولا زال عمر على حاله يكلم الناس دَهِشًا مذهولاً، فخاطبه أبو بكر: “اجلس يا عمر”، فأبى عمر أن يجلس، فتشهد أبو بكر، فأقبل الناس إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر:
(أما بعد، من كان منكم يعبد محمدًا صلى الله عليه وسلم، فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، قال الله : ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ (144) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الْآَخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ﴾ [سورة آل عمران: (144،145)]. إن الله عَمَّرَ محمدًا صلى الله عليه وسلم وأبقاه حتى أقام دين الله وأظهر أمر الله وبلَّغ رسالة الله وجاهد في سبيل الله ثم توفاه الله على ذلك، وقد ترككم على الطريقة فلن يهلك هالك إلا من بعد البينة والشفاء؛ فمن كان الله ربه فإن الله حَيٌ لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا ويُنزله إلهًا فقد هلك إلهه؛ فاتقوا الله أيها الناس، واعتصموا بدينكم، وتوكلوا على ربكم، فان دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومُعزٍ دينه، وأن كتاب الله بين أظهرنا، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمدًا صلى الله عليه وسلم، وفيه حلال الله وحرامه، والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله، إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد ولنجاهدنَّ من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يبغينَّ أحد إلا على نفسه)، ثم انصرف معه المهاجرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال ابن إسحاق: قال الزهري: وحدثني سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: “فوالله لكأن الناس لم يعلموا أن هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذ، وأخذها الناس عن أبي بكر، فإنما هي في أفواههم”.

وقال عمر: “والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرتُ ــ أي: تحيرتُ ودهشتُ ــ حتى وقعتُ إلى الأرض ما تحملني رجلاي وعرفت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات”.
وقال ابن عباس: “والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها”.

وواقع الأمر أن ما يُحْسَب لأبي بكرٍ الصديق هو حسن استهلاله واستشهاده بالآيات البينات القاطعات بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس إلا بشرًا من البشر وإنْ اصطفاه الله نبيًا تجري عليه مشيئته كما جرت على من سبقوه من الأنبياء ومن البشر الذين ماتوا قبله والبشر الذين سيموتون بعده، وأن رسول الله الأحبُ لله منكم كتب عليه الموت حبًا وحكمًا، ليرُدَ المسلمين إلى إيمانهم الصادق الخالص بالله ورسالته التي بلَّغها لهم نبيهم، ليكون إيمانهم المطلق بالله الباقي الحى الذي لا يموت سبحانه، ومن ثم ينفي الخلود عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاءت آيات القرآن وهو كلام الله بذلك، لتعود لنبينا محمدٍ بشريته التي أكد عليها القرآن الكريم وأكد عليها مرارًا وأبدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم لينفي حتى بموته أي محاولة ترفعه عن هذا، وهنا تتجلَّى روعة الإسلام الَّذي رَقىَ أتباعه من التعلُّق بشخص الرسول صلى الله عليه وسلم إلى التعلُّق بالمُرسِل عز وجل ومصدر الرسالة، فكانت صلتهم بالله تعالى صلة وثيقة يتطلَّعون إليها، وعروة وثقى عقدها الرسول صلى الله عليه وسلم بينهم وبين خالقهم فتمسَّكوا بها. هكذا استطاع الصديق أن يهدأ النفوس المروَّعة الملتاعة وأولهم عمر، ولو لم يفعل غير الذي فعل لربما كانت تلك اللحظة لحظة فارقة في تاريخ الإسلام والمسلمين.

ولهذا قال القرطبي: (هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته، فإن الشجاعة والجراءة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي صلى الله عليه وسلم, فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومنهم عمر، وَخَرَسَ عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر, فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح) [تفسير القرطبي (4/222)].

ناقش العقاد في كتابه “عبقرية الصديق” أثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في تباين ردود أفعال الفاروق والصديق رضي الله عنهما، فقال:
(في حياة الصاحبيْن موقف من المواقف النادرة التي يظهر فيها الرجل كله، ولا يتفق في التجارب النفسية أن يواجهها الإنسان مرتين في حياته، وهو الموقف الذي فاجأهما بموت النبى عليه السلام. ليس للصاحبيْن غير صديق واحد بمنزلة محمد عندهما من المحبة والتّجلَة، وهما لايروَّعان كل يوم بنبأ فاجع يسوءهما كما يسوءهما نبأ موته وانقضاء عشرته والأنس بقربه. فالموقف نادر، والبلية به خليقة أن تبتلي الرجل في كل ما ينطوي عليه من بديهة وروية .. وابتلى به عمر فغضب غضبته المرهوبة وصار بالنعاة يتوعدهم ليقطعنَّ أيدي رجال وأرجلهم يزعمون أن محمدًا قد مات. غضب غضبة الرجل المملوء بقوته وحميته، الذى لم ينبهه منبه قط إلى ترويض غضبه والمبالاة بعواقب ثورته، وكأنما قام فى دخيلة نفسه أنه يستكثر حتى على الموت أن يجتريء على الصديق الذي يحبه ذلك الحب، وَيُجلَّه تلك التجلة، ويعتقد فيه تلك العقيدة، وينتظر حتى من الموت أن يتحامى جانب ذلك الصديق، ويرعى له حرمة لايرعاها لسائر الأحياء).

يكمل العقاد، فيقول:
(وأبو بكر يحب محمدًا كما يحبه عمر، ويأسى لفراقه كما يأسى ، ويرفعه مثله درجات فوق مقام الأحياء من قبله ومن بعده، ولكنه رجل رَاضَ نفسه وقمع حدة طبعه ، وعرف الصبر على ليس مايدفعه دافع ولاتغنى فيه حيلة، فإن كان تسليم فهذا أحق المواقف بالتسليم وأولاها بطول ما ارتاض عليه من صبر، وما تأهب له من أسوة. بذلك أدى كل من الرجلين ضريبة طبعه ومزاجه الذي لا معدى له عن مطاوعته والاستجابة لدواعيه. ثم زالت الغاشية الأولى. فظهر الرجلان في حالة القرار كما ظهرا في حالة المفاجأة: ظهر أن عمر لم يكن كله ثورة، بل كان فيه إلى جانب الثورة روية تفرغ للأمر في أحرج أوقاته، وظهر أن أبا بكر لم يكن روية كله، بل كانت فيه إلى جانب الروية مطاوعة لسليقة الحب والألفة قد تشغله عن العواقب إلى حين).

يعلق الراحل أحمد ديدات في كتابه “الرسول الأعظم محمد صلى الله عليه وسلم” على ردود أفعال الصحابة رضوان الله عليهم وعدم استجابتهم لحدث وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم قائلاً: (إن أعظم موقف يدل على عظمة الرجال الذين صنعهم صلى الله عليه وسلم في حياته هو موقفهم عند موته. لم يصدق أحد من الصحابة أن رسول الله قد مات. كيف ذلك؟ وهل ينقطع النور الواصل من السماء والأرض عن طريقه؟ وماذا سيفعل المسلمون من بعده؟).

في الحلقة القادمة من دراسات يسيرة في رحاب السيرة نستكمل آثار هذا الحدث الجلل في وقعه على قلوب المسلمين في مكة.. فأودعكم وألقاكم على خير ..

التعليقات