الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

دراسات يسيرة في رحاب السيرة الحلقة 16:


مع الحلقة السادسة عشر نمضي مع دراسات يسيرة في رحاب السيرة، ونستكمل أحداث وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، وأحداث حجة الوداع:

لم تكن مكة بمنأى عمَّا يحدث بالمدينة الحزينة من وقع الهول العظيم؛ فقد أفقد وقع الصدمة عليهم وعي بعضهم ففعل ما فعله عمر وظنوها فرية منافق، أو قول حاقد غير أن “سهيل بن عمرو” كان لها كأبي بكر الصديق فوأد الفتنة في وقتها، فقام على باب الكعبة وصاح بالناس فاجتمعوا إليه فكان مما قال: (كنتُ أعلم أن هذا الدين سيمتد من طلوع الشمس إلى غروبها).
فقالوا له: ومن أين علمت؟!
قال: (إني رأيتُ رجلًا وحيدًا لا مال له ولا عز ــ يقصد النبي صلى الله عليه وسلم ــ قام في ظل هذا البيت فقال: “إني رسول الله، وإني سأظهر”، فكنا بين ضاحكٍ وهازل وراجمٍ ومستجهل، فما زال أمره يَنمىَ ويصعد حتى دِنّا له طوعًا وكرهًا، والله لو كان من عند غير الله لكان كالكسرة في أيدي أي فتى من فتيان قريش).

نعم كان وقع المفاجأة على نفوس المؤمنين قويًا عظيمًا، فلا تزال ذاكرتهم تعي وتحفظ خطبته صلى الله عليه وسلم التي رددت سماء مكة صداها في الأفق حتى وعتها جبالها ورمالها وكل الصحابة المائة والأربعة وأربعون ألف الذين وطئوا تلك الرمال وحجوا معه صلى الله عليه وسلم حجته الأخيرة في السنة العاشرة من الهجرة، وكان من رحمة رسول الله بهم أن ذكر نبأ رحيله تلميحًا في خطبته كي لا ينزعجوا عند وقوعه، وكان هذا من معجزاته فأنه لم يلقهم بعد عامهم هذا حيث قال صلى الله عليه وسلم:
’’أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي فَإِنِّي لا أَدْرِي لَعَلِّي لا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا بِهَذَا الْمَوْقِفِ أَبَدًا، أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ إِلَى أَنْ تَلْقَوْا رَبَّكُمْ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، وَحُرْمَةِ شَهْرِكُمْ هَذَا، وَسَتَلْقَوْنَ رَبَّكُمْ فَيَسْأَلُكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ وَقَدْ بَلَّغْتُ. فَمَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَانَةٌ؛ فَلْيُؤَدِّهَا إِلَى مَنِ ائْتَمَنَهُ عَلَيْهَا، وَإِنَّ كُلَّ رِبًا مَوْضُوعٌ وَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ، قَضَى اللَّهُ أَنَّهُ لا رِبًا وَإِنَّ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، وَإِنَّ كُلَّ دَمٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَإِنَّ أَوَّلَ دَمٍ أَضَعُ دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَكَانَ مُسْتَرْضَعًا فِي بَنِي لَيْثٍ فَقَتَلَتْهُ بَنُو هُذَيْلٍ، فَهُوَ أَوَّلُ مَا أَبْدَأُ بِهِ مِنْ دِمَاءِ الْجَاهِلِيَّةِ.

أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ يَئِسَ مِنْ أَنْ يُعْبَدَ بِأَرْضِكُمْ هَذِهِ أَبَدًا، وَلَكِنَّهُ رَضِيَ أَنْ يُطَاعَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا تُحَقِّرُونَ مِنْ أَعْمَالِكُمْ، فَاحْذَرُوهُ عَلَى دِينِكُمْ، أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ سورة التوبة آية 37 وَيُحَرِّمُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَإِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وإِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ سورة التوبة آية 36 ثَلاثَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمَادَى وَشَعْبَانَ. أَمَّا بَعْدُ، أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّ لَكُمْ عَلَى نِسَائِكُمْ حَقًّا، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ حَقًّا؛ لَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَلا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، وَعَلَيْهِنَّ أَلا يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ، فَإِنْ فَعَلْنَ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَتَضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ ، فَإِنِ انْتَهَيْنَ؛ فَلَهُنَّ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَاسْتَوْصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا؛ فَإِنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ لا يَمْلِكْنَ لأَنْفُسِهِنَّ شَيْئًا، وَإِنَّكُمْ إِنَّمَا أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانَةِ اللَّهِ وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللَّهِ.

فَاعْقِلُوا أَيُّهَا النَّاسُ وَاسْمَعُوا قَوْلِي؛ فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ ، وَتَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ. أَيُّهَا النَّاسُ اسْمَعُوا قَوْلِي، فَإِنِّي قَدْ بَلَّغْتُ وَاعْقِلُوهُ؛ تَعْلَمُنَّ أَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ أَخُو الْمُسْلِمِ، وَأَنَّ الْمُسْلِمِينَ إِخْوَةٌ، فَلا يَحِلُّ لامْرِئٍ مِنْ أَخِيهِ إِلا مَا أَعْطَاهُ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ، فَلا تَظْلِمُوا أَنْفُسَكُمُ اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ؟’’، قَالَ: فَذُكِرَ أَنَّهُمْ قَالُوا اللَّهُمَّ نَعَمْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:’’اللَّهُمَّ اشْهَدْ’’.

لم يزل المسلمون يتذكرون بكاء عمر عندما أنزل الله على النبي صلّى الله عليه وسلّم في يوم عرفة الموافق يوم الجمعة قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ [سورة الأنعام: (115)]. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: “أبكاني أنا كنا في زيادة من ديننا, فأما إذا أُكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص”، وكأنه رضي الله عنه توقع موت النبي صلّى الله عليه وسلّم قريبا.

كما روى ابن أبي شيبة عن هارون بن أبي وكيع عن أبيه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾، قال: يوم الحج الأكبر، قال: فبكى عمر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ’’ما يبكيك؟’”، قال: يا رسول الله! أبكاني أنّا كنا في زيادة من ديننا، فإما إذا كمُّل فإنه لم يكملْ قط شيءٍ إلا نقص، قال: ’’صدقت’’.

قال جابر رضي الله عنه: رأيتُ النبي صلّى الله عليه وسلّم يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: ”لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلِّي لا أحُجُّ بعد حجتي هذه“[مسلم برقم: 1297].

عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: “وقف النبي صلّى الله عليه وسلّم يوم النحر بين الجمرات… وقال: ”هذا يوم الحج الأكبر“ وطَفِق النبي يقول: ”اللهم اشهد“ وودع الناس فقالوا: هذه حجة الوداع [البخاري برقم: 1742].

وقد ثبت أن النبي صلّى الله عليه وسلّم خطب في حجة الوداع ثلاث خطب: خطبة يوم عرفة، والخطبة الثانية يوم النحر في منى, والخطبة الثالثة في منى يوم الثاني عشر من ذي الحجة، لم تزل تضمخ آذانهم.

ولئن سرى في بعضهم الإحساس بدنو رحيل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا إنهم لم يكونوا يتوقعون حدوث هذا سريعًا، فبين حجة الوداع ووفاته صلى الله عليه وسلم ليس إلَا ثلاثة أشهر، لا تعطى إحساسًا صادقًا لمتوقع بقرب النهاية، ولهذا حتى عمر الذي سمع الآية ذاتها، بل وسمع سورة النصر كذلك وعلم تفسيرها الصحيح هو وبعض من الصحابة المقربين من عمر رضي الله عنه من ابن عباس رضي الله عنهما، إلَّا أنهمً كانوا في خبيئة نفوسهم يستبعدون سرعة تحقيقه، لأنهم فهموا من التفسير أن هذا وإن كان لابد حادث لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنهم فلم يفترضوا له زمنًا، ولم يتمنون حدوثه أبدا لحبهم لرسول الله.

كما أن الصحابة أخذوا يفسرون آيات السورة تفسيرًا ظاهريًا؛ فقد كان الفرح والبشر والثقة تشيع في الزمان والمكان تملأ النفوس حيوية وانبهارًا. فقد كان الصحابة كما يقول خالد محمد خالد في كتابه “عشرة أيام فى حياة الرسول”: (لم يكونوا يعلمون أن الرسول نُعي إلى نفسه .. فحتى الذين تليت عليهم سورة النصر، لم يفهموا منها ما فهمه أبو بكر، وعمر، والعباس رضي الله عنهم وعن الصحابة أجمعين، لم يكونوا يدرون إلا أنهم في مهرجان عظيم، يحتفلون فيه بانتهاء مناسك الحج كما ينعمون بنصر الله وفضله).

فقد روى الحافظان أبو بكر البزار والبيهقي، عن ابن عمر أنه قال:”نزلتْ هذه السورة ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ في أوسط أيام التشريق، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه الوداع فأمر براحلته القصواء فرحلت ثم ذكر خطبته في ذلك اليوم [أخرجه البزار، والبيهقي في السنن الكبرى وفي دلائل النبوة ، وعبد بن حميد في مسنده].

حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن قال: حدثنا سفيان عن حبيب عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه سألهم عن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قالوا: فتح المدائن والقصور، قال: فأنت يا بن عباس ما تقول: قلت: مَثَلٌ ضُرِّبَ لمحمد صلى الله عليه وسلم نُعِيتْ إليه نفسه.

حدثنا ابن بشار قال: حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة عن أبي بشر عن سعيد بن جُبيرعن ابن عباس،أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يُدنيه، فقال له عبد الرحمن: إنَّ لنا أبناءً مثلَه، فقال عمر: إنه من حيث تعلم، قال: فسأله عمر عن قول الله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ السورة، فقال ابن عباس: أَجَلَهُ، أعْلَمَهُ الله َإياه. فقال عمر: ما أعلم منها إلا مثل ما تعلم.

حدثنا ابن حُميد قال: حدثنا مهران عن سفيان عن عاصم عن أبي رزين عن ابن عباس، قال: قال عمر رضي الله عنه : ما هي؟ يعني﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال ابن عباس: إذَا جاءَ نَصُرُ اللّهِ حتى بلغ: وَاسْتغْفِرْهُ إنك ميت إنّهُ كانَ تَوّابا، فقال عمر: ما نعلم منها إلا ما قلت.

قال: حدثنا مهران عن سفيان عن عاصم, عن أبي رزين عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، علم النبيّ أنه نُعِيتْ إليه نفسه، فقيل له: إذا جاء نصر الله والفتح إلى آخر السورة.

حدثنا أبو كرَيب وابن وكيع قالا: حدثنا ابن فضيل عن عطاء بن السائب عن سعيد بن جُبير،عن ابن عباس, قال: لما نزلت ﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:’’نُعِيَتْ إليّ نَفْسِي، كأنّي مَقْبُوضٌ فِي تِلكَ السّنَة’’.

حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: ثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس، في قوله : ﴿إذَا جاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ﴾، قال: ذاك حين نَعَى له نفسه، يقول: إذا رأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلونَ فِي دِينِ اللّهِ أفْوَاجا يعني إسلام الناس، يقول: فذاك حين حضر أجلُك فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إنّهُ كانَ تَوّابا.

نعم بكى عمر وهو يسمع آية الإكمال والإتمام وأحس بفراسته دنو أجل الرسول صلى الله عليه وسلم، فلماذا لمَّا تحقق نسىًّ؟
يقول الشيخ ناصر الدين الدمشقى في كتابه “سلوة الكئيب بوفاة الحبيب صلى الله عليه وسلم”: (نظر عمر إلى سُنة الله تعالى من نقص الشيء بعد كمال ازدياده، وعلم أن نقصان الدين هو موت خاتم النبيين صلى الله عليه وسلم، فبكى لذلك وازداد نحيبًا، ووقع ما علمه عمر قريبًا، لكنه خفى عليه لما وقع بعد أيام، لينفرد الصديق بالتصديق قائمًا ذلك المقام).

بعون الله نلتقي مع الحلقة التالية من دراسات يسيرة في رحاب السيرة، على خير أودعكم وعلى الخير ألقاكم.. دمتم في أمان الله.

التعليقات