الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

دراسات يسيرة في رحاب السيرة الحلقة 28:

في حلقتنا هذه من “دراسات يسيرة في رحاب السيرة” نستكمل حديثنا عن “بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم” فتتناول بشرية الرسول صلى الله عليها وسلم في تفردها بمجموع معاناة الرسل السابقين عليه، فكل نبي كان له “مُفردة” من عذاب أو ألم تحملها صلى الله عليه وسلم باجتماعها فيه، زد على هذا أن كل صفات الأنبياء السابقين عليه تجمعت فيه بوصفه النبي الجامع لكل صفات الخير فيه، علاوة على ما تفردت به ذاته صلى الله عليه وسلم من صفات، وهو ما يعطيه خصيصة أنه سيد الأنبياء عليه وعليهم السلام في كونه الجامع لعذاباتهم والشامل لكل صفاتهم، كما تناقش هذه الحلقة حدًا فاصلًا بين “محمد/الإنسان” وفهم أصحابه رضي الله عنهم لهذا في خطابه لهم، وبين “محمد/النبي” وخطابه لهم بهذه الصفة، فلنبدأ:

يقول الكاتب أحمد بهجت في كتابه: ”أنبياء الله”: (إنَّ ما زاد في قدر محمد أنه بُعِثَ لعصر النضج العقلى .. وبُعِثَ قبل هذا العصر .. فاحتمل أضعاف ما احتمله الأنبياء.. وقاسى في الله أضعاف ماقاسوه .. وتعذب وحده بمثل ماتعذبوا جميعًا، وأحب الله مثلما أحبوه وزاد .. وكرمه الله حين أمهم فى الصلاة فى رحلة الاسراء والمعراج).

لقد احتمل صلى الله عليه وسلم أضعاف ما احتمله الأنبياء قبله جميعًا عليهم السلام، هذا على الإجمال، وتفصيله يبينه الدكتور عائض القرنى فيقول في كتابه “على بوابة الوحى”:
(وفي الوحي المقدس: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ﴾، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾. لا والله لا يصل واصل إلى الولاية الكبرى والسعادة العظمى والعبودية الحقة إلا بجهد مبذول، وعرق مسفوح، ودم مسفوك وعرض يمزقه الحسد، وسمعةٍ يشوهها الجناة، وقلب يبلغ الحنجرة من التهديد والوعيد، وكبد حرى تشوى على جمر الانتظار، وقلب مفجوع بويلات المواقف، وأهوال تشيب لها رؤوس الولدان، وحتى يختطف النصر بجدارة، ويؤخذ الكتاب بقوة، وينال المجد بتضحية، وتقطف الثمرة باستحقاق، وتعطى الجائزة بتأهيل، فآدم يأكل الشجرة ويهبط ويندم ويتوب وينكسر ثم يجتبى ويعلو ويكرم، ونوح ينوح من عقوق الابن، وشقاق المرأة، ومحاربة قومه، وموسى يتجرع الغصص، ويقف تلك المواقف التي يهتز لها الكيان ويرتجف من هولها الجنان مع تهم وإيذاء، وصد ومنازلة، وحروب وإعراض وإرجاف.

وإبراهيم يعيش حياته جهادًا في سبيل الله مع تكذيب والده، والأمر بذبح ابنه، وإعراض قومه، ووضعه في النار وملابسة الشدائد، والمرور بالنكبات والمصائب. وعيسى يذوق طعم الافتراء المر، والأذى المعتمد، والفقر المضنى).
بعد سرد القرني لعذابات الأنبياء عليهم السلام يرى أن قائمة الأنبياء وصحيفة الرسل لابد أن تختم بمحمد صلى الله عليه وسلم الذي: (تجمع له هذه النكايات جميعًا ليكون أعلى الكل كعبا، وأثبتهم قدما، وأسعدهم حظا، فيموت أبوه وهو حمل، ثم يتبعه جده وهو طفل، ثم يلحقه عمه في زمن الضعف، ثم تتلوه خديجة زمن النصر، ثم يطرد من مكة طردا، ويشرد تشريدا مع الضرب بالحجارة ، ووضع السلىَ على الرأس، مع قاموس من الشتائم بوصفه بالجنون وقتل الأصحاب، وموت الأبناء ، وقذف الزوجة، ومصاولة اليهود، وتكذيب النصارى، ومحاربة المشركين، وتربص المنافقين، وصلف الأعراب، وتيه الملوك، وبطر الأغنياء، مع مراراة الفقر، وجدب المعيشة، وعوز الحاجة، وحرارة الجوع، ومعاناة قلة ذات اليد، فالمرض عليه يضاعف، فهو يوعك كما يوعك رجلان منا، شج وجهه وكسرت ثنيته وجرح في جسمه، ثم كان الله معه في كل ذلك ففاز بالزلفى ونال حسنى العقبى، بل وصل أشرف المقامات وأجل الرتب).

لم تكن إلا رسالة الإسلام هي الرسالة العالمية الجامعة الشاملة الخاتمة الخالدة الباقية، ولابد لها من رسول يجمع صفات كل الأنبياء الذين سبقوه فيقول سليمان الندوى في كتابه “الرسالة المحمدية”: (إن جميع الأنبياء كانوا شهداء ودعاة ومُبشِّرين ومُنذِرين؛ بَيْد أن هذِهِ الصفات لم تكن سواسية في جميع الرسل؛ بل كان بعضها في بعضهم أظهر من أخواتها؛ فكان يعقوب وإسحاق وإسماعيل عليهم السلام قد غلبت عليهم صفة الشهادة وكانوا شهداء الحق، وغلبت علَى إبراهيم وعيسى صفة التبشير؛ فكانا مُبَشِّرَين، ومِن الأنبياء مَن غلب عليه وصف الإنذار لِـمَن خالف الحق وجحده؛ فكانوا مُنذِرين كنوح، وموسى، وهود، وشعيب، ومنهم مَن غلب عليه صفة الدعوة إلَى الحق، وامتـاز بها أكثر مما امتــاز بسـائر النُّـعوت الأخـرى كيوسف، ويونس عليهم الصلاة والسلام جميعًا).

يختتم الندوي حديثه بالنبي الجامع لكل الصفات السابقة عليه والموجودة في ذوات الأنبياء السابقين عليه عليه وعليهم السلام مضافًا إليها صفاته الكريمة التي يتفرد بها، فيقول: (أما مَن كان جامعًا لهذه الصفات كلها، واتصف بها جميعًا، فكانَ مبشِّرًا ونذيرًا وداعيًا إلَى الله بإذنه وسراجًا منيرًا، وكانت حياته ملأى بهذه النعوت والشؤون، وسيرته ممتازة بهذه الخصال والخلال؛ فهو النبي الجامع محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنه بُعِث ليختم الله به النبيين والنبوات؛ فأعطي الرسالة الأخيرة ليبلغها إلَى البشر كافة؛ فجاء بالشريعة الكاملة الَّتِي لا يحتاج البشر معها إلَى غيرها، ولم تنزل من السماء إلَى الأرض شريعة علَى قلب بشر بعد هذِهِ الشريعة).
لقد حظيت التعاليم المحمدية بالخلود، واختُصت بالبقاء والدوام إلَى يوم القيامة؛ فكانت نفس محمد صلى الله عليه وسلم جامعة لجميع الأخلاق العالية والعادات السَّنية.
إن الموقف الذى طالما التزمناه وارتضيناه منهاجًا في كتابة سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم هو أن محمدًا بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لو لم يكن رسولًا كريمًا لكان رجلاً وإنسانًا عظيمًا ما نقص منه من ذلك شيء.

يقول الراحل خالد محمد خالد في كتابه “إنسانيات محمد”: (لو لَم يكن “محمد” “رسولاً” لكان “إنسانًا” فى مستوى الرسول! ولو لم يتلقَّ الأمرَ من ربه: “يأيها الرسولُ بَلِّغ ما أُنزِل إليك” لَتَلَقَّاهُ من ذاتِ نفسه، يأيها الإنسان بلِّغ ما يعتملُ في ضميرك . . ذلك أن “محمدًا الإنسان” جاوزَ نُضجهَ وارتقاؤه كُلَّ تُخُوم الذات وحدودها، ولم يكن ثمةَ سبيل لوقف انتشار هذا النضج، وهذا الارتقاء خارج الذات، وخارج البيئة .. بل خارج كل زمان، وكل مكان .. إن عظمته التي فرضت نفسها، ونادت إليها ولاء المؤمنين، وإعجاب المعرضين .. عظمته، التي لبثت زُهاء ألف وأربعمائة عام، وستظل دومًا، تُرسل ضياءها وسناها .. وتبثُّ في ضمير الزمن رشدها، ونُهاها.. عظمته هذه، تنبُع ـ أول ما تنبع ـ من إنسانية “محمد” . . من الطريقة التي كَّون بها نفسه، وجدانه، وعقله تحت عين الله ورعايته .. ومن الموقف الذي اختاره والتزمه، تجاه الكون، والناس والحياة … والحق أن “محمدًا الإنسان” شيءٌ باهر .. فإذا التقى به “محمد الرسول” فإن عظمته آنئذ تجاوز كل حدود الثناء! ولكن، لماذا أضع الإنسان مقابل الرسول؟ أو ليس الرسول إنسانًا؟ بلي.. أن الرسول إنسان، وإنما أريد بصــــفة “الإنسان” هنا، التنبيه إلي الطابع البشري المحض الذي يشترك فيه “محمد” مع غيره من الناس والذي تفرَّق فيه علي من سواه من الناس).

يرى خالد محمد خالد أن الطابع البشري بكل انفعالاته في شخص رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، وبساطته، وتلقائيته هوالذى يُبهجنا ويُبهرنا، لأنه من صنع واحد منا .. واحد مثلنا .. ومن ثَم، فهو يمنحنا ثقة بأنفسنا، واحترامًا عظيمًا لبشريتنا التي تنجب مثل هذا الطراز الرفيع من الخَلق.

ومع هذا فالرسول فى تعامله مع المسلمين كان يفصل بين الإنسان والرسول فيقول الدكتور حسين فوزي النجار في كتابه “الإسلام والسياسة”: (ولئن كان رسول الله بشرًا رسولاً إلا أنه كان يفصل بين ما يوحي إليه من ربه، وبين ما يسوس ويقودالمسلمين، ففي الأولي الطاعة التامة لأوامــــر الله ونواهيه ، وفي الثانية شــــوري بينه وبينهم، كما عرف من تبعه في دين الله أنه يصدر فيما يري ويقول إما عن الوحي الإلهي، وإما عن نفسه، وهم يفرقون بين هذا وذاك فالوحي أمر وطاعة وما عن نفسه فرأي وشوري وهم يفرقون بين محمد الرســول ومحمد الإنسان).

ولقد دار سؤال فيما سبق: هل كان يغيب عن الحق سبحانه وتعالى قــدر من سيحمل الرسالة، وهذا مستحيلٌ على الله عز وجل؟ فالرسالة تستوجب لصاحبها كمالاً يميزه علي غيره من البشر وحسًا وجلالًا عن غيره .. يسمو به إلى الغاية من جلال الكون ووحدته الأزلية.

فجاء محمد صلى الله عليه وسلم: (نفحة الخالق إلي عباده في صورة بشر ليكون في الناس وإلي الناس سواء بسواء ولكنه ينفرد دونهم بالسر الإلهي الذي أودع الله جوانبه، وينفرد بينهم بالاختيار للرسالة السامية التى بُعِثَ بها، ويكون له بهذا التفرد من السلطان على أتباعه ما ليس لأحد من البشر، وهو سلطان الولاء والإيمان والحب لاسلطان القهر والغلب والتحكم) [دكتور حسين فوزى النجار، الإسلام والسياسة].
وليس معنى أن رسول الله مختار من البشر أن يشابهنا في نقائصنا وعيوبنا وتقصيرنا، ولن يكون هنا موضع للاحتجاج علي المثلية البشرية، بقدر ما سيكون الإحتجـــــــاج منا عن سبب الاصطفــــاء والاختيار له من قبل الخالق بتولي هذه المهمة إن لم يكن منفردًا ومتميزًا عنا ومتفوقًا علينا فغالبًا مــــا سنشهر سيف السببية: (لماذا كان هو النبي المختار .. ونحــن لا؟!) وهذا ما دفـــع المحتجون علي بعثه رسولاً؛ إذ كانوا يتمنونها لأنفسهم أو لأحد وجهائهم وعظمائهم.

يقول الشيخ محمد الغزالى في كتابه “فقه السيرة”: (إن سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بشر، لكن الوجود لايعرف تفاوتًا بين أفراد جنس واحد كما يعرف ذلك فى جنس الإنسان، إن بعضهم أرقى من الأفلاك الزاهرة، وبعضهم الآخر لايساوى بعرة ، وإن كان الكل بشر، وذلك التفاوت واقع بين من لم يؤيدوا “بوحي إلهي” فكيف إذا اصطفى إنسان ما وزيد فى أطوار آخر فومض فيه أشعة التأييد والتوفيق والإرشاد والإمداد).

نعلم إنه صلى الله عليه وسلم بشر، ولكن ونحن في دنيا البشر لا نساوى في النظرة والحكم بين كل البشر، فهناك التمايز والتباين، فكما يقول دكتور مصطفى محمود في كتابه “محمد صلى الله عليه وسلم محاولة لفهم السيرة النبوية”: (فمحمد بشرٌ مثلنا وليس بشراً مثلنا .. لأنه يوحى إليه ونحن لا يوحى إلينا بشىء .. وإنما نحن أصحاب إجتهاد على الأكثر .. أقصى ما نحلم به هو انقداح الفكر وفيض الخاطر .. وهذا الفرق الدقيق هو سر النبوة .. إن النبى مثلنا وليس مثلنا هو فى حضرة الملأ الأعلى والملكوت يرى جبريل رؤية عين، ويسمع منه، ونحن فى الحضرة الأرضية، وفى الحضيض البشري محجوبون لاحظَّ لنا فى هذه المرائي العالية).

نواصل بعونه تعالى بشرية الرسول صلى الله عليه وسلم في الحلقة القادمة من حلقات “دراسات يسيرة في رحاب السيرة” .. فكونوا معنا..

التعليقات