الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

” أَوْجَزْتُ لَك .. لِتَقْرَأ أَنْت ” الحلقة 02:

الحلقة الثانية:

إطلالة على جهود المخلصين في نشر الثقافة

عزيزي القارئ توقفت معك في الحلقة السابقة عند سبعينيات القرن العشرين وسلسلة كتابك، ونبدأ الآن الإبحار مع جهود المخلصين في نشر الثقافة بوجه عام وثقافة القراءة بوجه خاص من تسعينيات القرن العشرين:

مكتبة الأسرة وانطلاق قاطرة الثقافة:
مع منتصف تسعينيات القرن العشرين انطلق مشروع "مكتبة الأسرة" التي جاءت فكرة إنشائها في اللجنة العليا لمهرجان القراءة للجميع برئاسة السيدة سوزان مبارك رئيس اللجنة وحرم الرئيس الأسبق، وتكاتفت جهود الجهات المشتركة في المهرجان لتمويل هذا المشروع، وهم: المجلس الأعلى للشباب والرياضة، وزارة التربية والتعليم، وزارة التنمية المحلية، جمعية الرعاية المتكاملة، وزارة الإعلام، وزارة الشباب. ليكون هدفه هو نشر روائع الأدب من أعمال إبداعية وفكرية وفلسفية، وتقديم الأعمال التي ساهمت في تشكيل مسيرة الحضارة الإنسانية، علي أن تطرح هذه الكتب للبيع بأسعار رمزية لتشجيع القراءة وحب الاطلاع بين الشباب والمواطنين، وغيرها من الأهداف التي تدور حول بث الروح الوطنية، وتمكين الشباب وغيرهم من قراءة الأعمال الأدبية والإبداعية والدينية والفكرية والثقافية والسياسية، ونشر أحدث مؤلفات العلماء التي تواكب التطور العلمي والتكنولوجي في العالم، والتواصل مع الحضارات الأخرى من خلال الترجمة التي تقدم للشباب، نشر الوعي بالتراثين العربي والإسلامي.

تراث الإنسانية من الوأد إلى البعث، من الستينيات إلى التسعينيات:
لم يقم مشروع مكتبة الأسرة على الإيجاز مثل سابقيه "اقرأ" و"كتابك"، ولكنه اتصل بالإيجاز حين إصدار أعداد مجلة "تراث الإنسانية" في عام 1994م، تلك المجلة الشهيرة التي أصدرتها وزارة الثقافة والإرشاد القومي بمصر، وكانت تصدر شهرية منذ عام 1962م، وحتى عام 1971م، تضم عددًا من خيرة الكتاب والعلماء، مثل: عباس محمود العقاد، والدكتور عبدالحليم منتصر، والدكتور زكي نجيب محمود، وعلي أدهم، والدكتور فؤاد زكريا، والدكتور أحمد أبو زيد، وإبراهيم زكي خورشيد، وإبراهيم الأبياري.

أصدرت مكتبة الأسرة بعض المواد العلمية من مجلة تراث الإنسانية على هيئة كتيبات تحمل نفس عنوانها، في موضوعات مختلفة حول الأدب والفكر والتاريخ والفلسفة والفنون والعلوم وغيرها، وقد أصدرت في عام 1994م:
تحديد نهايات الأقاليم للبيروني بقلم الدكتور إمام إبراهيم أحمد، عيون الأخبار لابن قتيبة بقلم إبراهيم الأبياري، الانيادة لفرجيل بقلم الدكتور إبراهيم سكر، نكت الهميان في نكت العميان للصفدي بقلم الدكتور النعمان القاضي، روبنسون كروزو لدانيال ديفو بقلم الدكتورة انجيل بطرس سمعان، الكامل في التاريخ الابن الأثير بقلم الدكتور سعيد عبد الفتاح عاشور، سقط الزند لأبي العلاء المعري بقلم أحمد إبراهيم الشريف، الديكاميرون لجيوفاني بوكاشيو بقلم فوزي شاهين، العالم إرادة وتمثلًا لشوبنهور بقلم الدكتور فؤاد زكريا، نهاية الأرب في فنون الأدب للنويري أحمد بن عبد الوهاب بقلم إبراهيم الإبياري.

أما ما أصدرته في عام 1995م، بحسب ما وصلني:
الضفادع لأرستوفانيس بقلم دكتور محمد صقر خفاجة، الفرس لإيسخيلوس بقلم دكتور محمد سليم سالم، الإدارة العلمية لفردريك تايلور بقلم دكتور أحمد الرشيد، البحث عن اليقين لجون ديوي بقلم دكتور أحمد فؤاد الأهواني، عجائب المخلوقات للقزويني بقلم دكتور عبد الحليم منتصر، القانون المسعودي للبيروني بقلم دكتور إمام إبراهيم أحمد، الأساطير الإغريقية بقلم الدكتور إبراهيم سكر، الكتب الخمسة لكنفوشيوس بقلم الدكتور حسن شحاتة سعفان، القلق لسيجموند فرويد بقلم الدكتور محمد عثمان نجاتي، الحكايات للافونتين بقلم الدكتور علي درويش، مخطط تاريخي لتقدم العقل البشري لكوندرسيه بقلم الدكتور السيد محمد بدوي، العقد الاجتماعي لجان جاك روسو بقلم الدكتور حسن سعفان، روح القوانين لمونتسكيو بقلم الدكتور حسن شحاتة سعفان، رحلات جليفر لسويفت بقلم صوفي عبدالله، سيرة بني هلال بقلم الدكتور عبد الحميد يونس، الاستاتيقا لكروتشة بقم أحمد حمدي محمود، تاريخ الأمم والملوك للطبري بقلم محمد خليفة التونسي، الإفادة والاعتبار لعبد اللطيف البغدادي بقلم الدكتور عبد الحليم منتصر، الجامع لمفردات الأدوية والأغذية لابن البيطار بقلم الدكتور عبد الحليم منتصر، الوسيلة الأدبية، للحسين المرصفي بقلم محمد عبد الغني حسن، نقد العقل الخالص لكانط بقلم الدكتور عثمان أمين.

ثم صدر المجلد الأول في التسعينيات، وهو يضم الموضوعات التالية:
أبو الطيب المتنبى بقلم عباس محمود العقاد، الأبطال لتوماس كارلايل بقلم على أدهم، النظرية النسبية بقلم الدكتور محمود أحمد الشربينى، ثروة الأمم لآدم سميث بقلم الدكتور عبد المنعم الطناملى، تشريح القانون لابن النفيس بقلم الدكتور بول غليونجى، التأملات لديكارت بقلم الدكتور عثمان أمين، الموسيقى الكبير للفارابي بقلم الدكتور محمود أحمد الحفني.

تتفق المجلة مع ما جاء من منهجنا حول الإيجاز وحول ترتيب الموضوعات على غير اتفاق كما فعل العاملي في الكشكول والعقاد في ساعات بين الكتب، وهو ما أثبته الدكتور عبد القادر حاتم في مقدمته للمجلد الأول الصادر في الستينات حين قال: (تظهر في الغرب من حين إلى حين مجموعات وسلاسل كثيرة مختلفة المنهج تدرس روائع الكتب العالمية التي أثرت في الحضارة وتلخصها، كما تُترجم لكتابها في إيجاز، وتعرض من هذه الكتب نماذج مختارة تساعد على فهمهما وتبين خصائصها. ولم نخضع هذه المجموعات لترتيب تاريخي، أو منهج تصنيفي، ذلك أن أذواق القراء وميولهم تختلف، فما يثير خيال قارئ قد لا يثير خيال آخر، ومن ثمَّ لم يُراعَ فيها إلا أن يصدر كل عدد منها حاويًا لألوانٍ مختلفةٍ من المعرفة الإنسانية).

ــ أنور الجندي ومحاولة اقتحام العلاقة بين الشباب والقراءة:
فطن المفكر الإسلامي الراحل الأستاذ أنور الجندي إلى الحالة التي عليها الشباب من عدم الإقبال على القراءة، والقراءة الجادة بشكل خاص، فأثر أن يصدر بعض الكتيبات التي تحمل قضايا هامة تخص الإسلام والمسلمين، وتلفت انتباههم إلى ما يحيط بهم من مؤمرات تحاك ضدهم فكان أن أصدر هذه الكتيبات التي تتفاوت في أوراقها التي لا تكاد تصل للثلاثين ورقة تحت عنوان واحد في مجموعة واحدة من مثل "في دائرة الضوء" ويكون لكل كتيب عنوان وموضوع مختلف، وكذلك مجموعة أحرى له اسماها "على طريق الأصالة الإسلامية" وكل كتيب يحمل عنوانًا وموضوعًا جديدًا يستمده من العنوان الأكبر للمجموعة، كما يحمل رقمًا متسلسلًا يساعد القارئ على تتبع ما يقوله الجندي، ومنها كتيبات "أحاديث إلى الشباب المسلم" وتتميز بعدد صفحاتها الذي قد يزيد إلى ضعف الكتيبات الأخرى، ويتغلب الجندي على ملل القارئ بتقسيم الموضوعات وتباينها وقصرها وانفصالها عن بعضها غير أنها مشمولة بالموضوع العام الذي يختاره لكتابه من مثل "شبهات في الفكر الإسلامي".

محمد عبد الغني حسن وتقديم الرواد:
حاول الأستاذ محمد عبد الغني حسن محاولة رائعة حين أوجز خمسة كتب لمؤلفين رواد من المؤلفين العرب، وهو يرى أن الرواد من العلماء العرب من الكثرة بمكان، وأن الرائد في تعريفه ما كان الأول في ميدانه الذي اشتهر به وفيه، ثم جاء بعده من استكمل العلم وعمقه وزاد عليه، غير أن الريادة تبقى محفوظة مصونة، لا يحجب فضله من جاءوا بعده، وساروا على دربه.

لا يدَّعي الرجل إحصاء الرواد ومؤلفاتهم فهذا عمل ينوء بحمله الرجال، وأن كل ما استطاع أن يقوم به هو اختياره لخمسة من الرواد يمثلون عصورًا مختلفة من تاريخ العرب والإسلام، ويمثلون ألوانًا مختلفة من الثقافة والفكر في مجالات الأمثال، واللغة، والأدب، وتاريخ الأدب العربي، وهؤلاء الخمسة هم:

الميداني صاحب كتاب "مجمع الأمثال"، والفيروز آبادي صاحب كتاب "القاموس المحيط"، والشيخ حسين المرصفي صاحب كتاب "الوسيلة الأدبية"، وجرجي زيدان صاحب كتاب "تاريخ أداب اللغة العربية"، وعبد الرحمن الكواكبي صاحب كتاب "طبائع الاستبداد".

حاول المخلصون من الذين يريدون لهذه الأمة الخير أن تتوثق عرى الصداقة والألفة بينهم وبين القراءة، والمعرفة، وحب الكتاب، فلم يقفوا عند حدود بحث الأسباب، وتشخيص الدواء، بل سارعوا كلٌ بحسب ما استطاع أن يمد يد العون للأخذ بأيديهم، فأوجزوا الكتب المسهبة، وقربوا المسائل البعيدة، وأضافوا، ويسروا، وهذا كتابي ينضم إلى هذه الكتيبة المقاتلة يحاول معهم أن تنجو الأجيال العربية من وهدات الجهل والسطحية المقيتة، واستشراف المستقبل بالتحصن بالثقافة والمعرفة، وأملي فيهم أنهم سيفعلون بعونه تعالى.

التعليقات