الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

منهج الرسول صلى الله عليه وسلم في التعليم

الكاتب : عرفات ابوسالم


إنَّ منهج الرسول الكريم في تبليغ أصحابه لاَ يَتَعَدَّى منهج القرآن العظيم، إذْ كان الرسول مُبَلِّغًا لكتاب الله تعالى، مُبَيِّنًا أحكامه، مُوَضِّحًا آياته، وقد نزل القرآن الكريم مُنَجَّمًا عَلَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم خلال ثلاث وعشرين سَنَةٍ، والرسول الكريم يبلغ قومه، ومن حوله، ويفصل تعاليم الإسلام، ويطبق أحكام القرآن، فكان معلمًا وحاكمًا وقاضيًا ومفتيًا وقائدًا طيلة حياته - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، فكل ما يتعلق بِالأُمَّةِ الإِسْلاَمِيَّةِ في جميع شؤونها، دقيقها وعظيمها، وكل ما يتناول الفرد والجماعة في مختلف نواحي حياتهم، مما لم يرد في القرآن فهو من السُنَّةِ، العملية أو القولية أو التقريرية، ومن ثَمَّ نجد بين يدينا أحكامًا وآدابًا وعبادات وقربات شرعَتْ وَطُبِّقَتْ وَسُنَّتْ خلال ربع قرن.
فلم توضع السُنَّةُ دفعة واحدة كمجموعة من الشرائع الوضعية، أو الأحكام الخلقية، التي يمليها بعض الحكماء والوعاظ، وإنما شرعَتْ لتربية الأُمَّة دينيًا واجتماعيًا وخلقيًا وسياسيًا، في السلم والحرب، في الرخاء والعسر، وتتناول النواحي العلمية والعملية، فلم يكن من السهل أن ينقلب الناس آنَئِذٍ فجأة، ويتحوَّلوا بين عشية وضحاها عن تعاليمهم القديمة، وديانتهم.
لقد تَدَرَّجَ القرآن الكريم في انتزاع العقائد الفاسدة والعادات الضارة، ومحاربة المنكرات التي كان عليها الناس في الجاهلية، وثبت بالتدرج أَيْضًا العقائد الصحيحة، والعبادات، والأحكام، ودعا إلى الآداب السامية والأخلاق الفاضلة، وشجع الذين التفوا حول الرسول صلى الله عليه وسلم على الصبر والثبات وفي هذا كله كان الرسول الكريم يُبيِّنُ القُرْآنَ، ويفتي الناس، ويفصل بين الخصوم ويقيم الحدود، ويُطبِّقُ تعاليم القرآن، وكل ذلك سُنّةٌ، وسنتناول الآن منهج الرسول الكريم - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ -، في ذلك كله، مُتَوَخِّينَ الإِيجَازَ، وإِنَّ لدراسة أسلوبه ومنهجه لأثرًا بعيدًا في تثبيت سُنَنِ الرسول صلى الله عليه وسلم ولولا ذلك لَمْ نَتَعَرَّضْ لدراسته.
كان الرسول صلى الله عليه وسلم قد اتخذ دار الأرقم مَقَرًّا له ولأصحابه حين كانت الدعوة سرية، فيلتف حوله المسلمون الأوائل بعيدًا عن المشركين يتذاكرون كتاب الله، وهو يُعَلِّمُهُمْ مبادئ الإسلام، ويحفظهم ما يتنزل عليه من القرآن، وبعد ذلك أصبح منزل الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - في مكة ندوة المسلمين، ومعهدهم الذي يَتَلَقَّوْنَ فيه القرآن الكريم، وينهلون من الحديث الشريف على يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا شك في أَنَّ الصحابة كانوا يستظهرون آيات القرآن، ويتدارسونها فيما بينهم، في بيوتهم وفي حوانيتهم، في المدينة وفي البيداء، ليثبتوا ما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد يتذاكرون تفسير مَا تَلَقَّوْهُ، وما تفسيره إلاَّ شرح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الحديث. فحفظ حديث رسول الله - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - كان متمشيًا جنبًا إلى جنب مع حفظ القرآن العظيم من الأيام الأولى لظهور الإسلام. وقصة إسلام عمر تُثْبِتُ أَنَّ المسلمين كانوا يقرأون القرآن في بيوتهم، وَيَتَفَقَّهُونَ في الدين...
ثم أصبح المسجد فيما بعد - المكان المعهود للعمل والفتوى والقضاء، إلى جانب العبادة وإقامة الشعائر الدينية، وعرض لأمور العامة على المسلمين.
ومع هذا لم يقتصر تبليغ الرسول - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - على مكان محدود ولا على مناسبة مُعَيَّنَةٍ، فقد كان يُسْتَفْتَى في الطريق فَيُفْتِي، وَيُسْألُ في المناسبات فيجيب، يُبَلِّغُ الأحكام في كل فرصة تسنح له، وفي كل مكان يتسع لذلك: في حله وترحاله، في سلمه وحربه.
وإلى جانب هذا كانت له مجالس علمية كثيرة يتخول فيها أصحابه بالموعظة، فإذا جلس جلس إليه أصحابه حِلَقًا حِلَقًا ويقول أنس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: "إِنَّمَا كَانُوا إِذَا صَلُّوا الغَدَاةَ قَعَدُوا حلقاً حلقاً، يَقْرَؤُونَ القُرْآنَ، وَيَتَعَلَّمُونَ الفَرَائِضَ وَالسُّنَنَ" ومن تاريخ الصحابة وحياتهم العلمية تعلم أَنَّ الرسول الكريم لم يكن يضن على مسلم بالعلم، وأنه كان يكثر مجالسة أصحابه يعلمهم وَيُزَكِّيهِمْ. وسيظهر لنا ذلك من البحث.
عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَتَخَوَّلُنَا بِالمَوْعِظَةِ فِي الأَيَّامِ، كَرَاهَةَ السَّآمَةِ عَلَيْنَا)) فقد كان - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - يخشى أَنْ يَمَلَّ أصحابه فَيَتَخَوَّلُهُمْ بالموعظة بين وقت وآخر، لأَنَّ الاستمرار في تعليمهم وتوجيههم، يدخل الملل إلى نفوسهم، فتقل الفائدة، فمن الحكمة سلوك هذاالطريق في التعليم، وهو الطريق الذي تعتمده اليوم المؤسسات التربوية في مناهجها التعليمية، وهي خير طريقة لتثبيت ما يتلقاه الطالب من المعلومات.
وكان صلى الله عليه وسلم يخاطب الناس على قدر عقولهم، فإنَّ الكلام الذي لا يبلغ عقول السامعين ولا يفهمونه قد يكون فتنة لهم، فيأتي بغير المقصود منه.
لقد كان الرسول الكريم يخاطب حضوره بما يدركونه، فيفهم البدوي الجافي بما يناسب جفاءه وقسوته، ويفهم الحضري بما يلائم حياته وبيئته، وكما أنه كان يراعي تفاوت المدارك، وانتباه أصحابه وقدرهم الفطرية والمكتسبة، فتكفي منه الإشارة إلى الألمعي الذكي، واللمحة العابرة إلى الحافظ المجيد. من ذلك: مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ: ((جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلاَمًا أَسْوَدَ وإنِّي أَنْكَرْتُهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: هَلْ لَكَ مِنْ إِبِلٍ. قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا أَلْوَانُهَا؟. قَالَ: حُمْرٌ. قَالَ: هَلْ فِيهَا مِنْ أَوْرَقَ؟. قال: إنَّ فِيهَا لَوِرْقًا. قال: "فَأَنَّى أَتَاهَا ذَلِكَ؟". قَالَ: عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ. قَالَ: "َهَذَا عَسَى أَنْ نَزَعَهُ عِرْقٌ)
ومن ذلك أَنَّ فتى من قريش أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ((يَا رَسُولَ اللهِ، ائْذَنْ لِي فِي الزِّنَا، فأقبل القوم عليه وزجروه فقالوا: مه مه!! فقال: "ادْنُهْ، فَدَنَا مِنْهُ قَرِيبًا". فقال: "أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ". قَالَ: لاَ وَاللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ "وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ". قَالَ: "أَفَتُحِبُّهُ لاِبْنَتِكَ؟". قَالَ: لاَ وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ. قَالَ: "وَلاَ النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ" - ثم ذكر له رسول الله أخته وعمَّته وخالته، وفي ذلك يقول الفتى مقالته: "لاَ وَاللَّهِ يا رسول الله جَعَلَنِى اللَّهُ فِدَاكَ" - قَالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ وَقَالَ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ، وَطَهِّرْ قَلْبَهُ وَحَصِّنْ فَرْجَهُ". قَالَ (الرَّاوِي): فَلَمْ يَكُنْ بَعْدَ ذَلِكَ الفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ)
لقد اتبع رسول الله صلى الله عليه وسلم أسلوبًا جعل الفتى يدرك أثر الزنا في المجتمع، وكيف أَنَّ الناس جَمِيعًا لا يرضونه لأنفسهم وأهليهم كما أنه لا يرضاه هو لذويه، مما حمله على الاقتناع بالإقلاع عنه، وخير الأمور ما كان الدافع إليه من قرارة النفس.
وكان يخاطب القوم بلغتهم ولهجتهم، ومن هذا ما رواه الخطيب البغدادي بسنده عَنْ عَاصِمٍ الأَشْعَرِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يقول: ((لَيْسَ مِنْ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ)). أَرَادَ لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصِّيَامُ فِي السَّفَرِ وَهَذِهِ لُغَةُ الأَشْعَرِيِّينَ يَقْلِبُونَ اللاَّمَ مِيمً
و((كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ ثَلاَثًا لِكَيْ يُفْهَمَ عَنْهُ))[، وَإِذَا تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ فَصْلاً يُبَيِّنُهُ، فَيَحْفَظُهُ مِنْهُ مَنْ سَمِعَهُ وعن عائشة ((أنه صلى الله عليه وسلم لاَ يَسردُ الكَلاَمَ كَسردِكُمْ، وَلَكِنْ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلاَمِ فَصْلٍ يَحْفَظُهُ مَنْ سَمِعَه وفي رواية: ((إِنَّمَا كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحَدِّثُ حَدِيثًا، لَوْ عَدَّهُ العَادُّ لأَحْصَاهُ)
ويظهر أنه كان من عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنْ يعيد كلامه ويكرره على السامعين حتى يدركوه جَمِيعًا فلا يفوت أحدهم بعضه فَعَنْ أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ - عَلَيْهِ الصَلاَةُ وَالسَّلاَمُ - ((كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا، حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا. ولا يفهم من حديث أنس هذا أنه كان يفعل ذلك دائمًا بل بقدر ما تقتضيه الحاج
فمن جميع ما سبق يَتَبَيَّنُ لنا أنه صلى الله عليه وسلم كان يُبَيِّنُ للناس الأحكام جَيِّدًا حتى لا يبقى لسامع سؤال، ولا لسائل مشكل يقف عنده. حتى إنه كان يجيب السائل بأكثر مما سأله

التعليقات