أخر المقالات

الهام

لماذا عجلت بالفراق و قد كاد أن ينتهى الفصل الأول من الرواية بنهاية سعيدة .على أى حال مهما كانت النتيجة ستنتهى كل قصة بكلمة واحدة .. تمت
نعم . حتما ستنتهى و تنسى معها كل الكلمات السابقة فكل أول و له أخر . عام و عامين ثم أعوام تتبدل الأحوال و تتغير الملامح و تبقى بعض الذكريات . ترى . هل ستنتهى معها الذكريات أيضا .. ؟
هذه الليلة تختلف عن كل الليالى السابقة و لا أعرف لهذا الشعور سبب . صمت السكون و الوحدة جدار صلب يغلق كل متنفس للبركان الذى أشعر به ينشط و يتأجج لمجرد فكرة خطرت بالعقل غافلا كل هذه الأصوات من حولى . النغم الجنوبى القديم يحمله الأثير منذ زمن بعيد و من النافذة يصدر صوت الديك مؤذنا فى غير ميعاده . وأنا فاقد شعورى بالزمن للحظات و لا أعرف لهذا الشعور سبب
كانت البداية عندما أستوقفنى أبى قبل الخروج و قال لى إرتدى هذه الساعة الأنيقة فى يدك لتكتمل الشياكة . ما اسعدنى بهذا الأب الحنون . و أنطلقت مسرعا لأكون أول الحضور فى حفل زفاف أحد أقاربى الشباب . كنت وحدى و كان عمرى أحد عشر عام . و مع بداية الإحتفالية كنت أنظر للوجوه كل الوجوه . هذه السيدة السعيدة تترقب المعازيم إنها أم العروس و هذا الخال يدور فى كل المكان وسط لمة الأقارب يفرق الجاتوه و السندوتشات و العصائر و هذه الشاردة الباكية فى صمت ظنا منها أن قطار الزواج قد فاتها . و هذا المسكين العجوز ينظر لرشاقة الشباب و حيويتهم و هم يرقصون و أنظر أنا فى الساعة متباهيا بها . أتعجب من مرور الوقت بهذه السرعة أرفع رأسى قليلا و أجد عينى فى عينيها . هذه الحورية الجميلة . أتمنى لو كانت من أقاربى . نتبادل النظرات فى خجل . كلما أبتسمت لى زادت فرحة نفسى . لعلها الغريزة التى لم أكن أعرفها فى هذا السن الصغير أو لأن روحها المضيئة تناجى روحى دون إرادة منها أو منى و فى لحظة خاطفة لم تعد موجودة فى مكانها . إختفت تماما . خرجت بسرعة من باب القاعة الكبير و لم أجدها . قلبت المكان بعينى فى وسط الزحام باحثا عنها . لم أجدها .!
و أنتهى الحفل و أنتهت معه ومضة حبى الأول
مرة أخرى بعد خمس سنوات . أُسافر بعيدا عن القاهرة . هدفى الأساسى من السفر زيارة عمتى الكبرى و إجتياز تجربة جديدة أشعر فيها بمتعة السفر و الإبتعاد قليلا عن جو المدينة المزدحم و ضجيج بيتنا . وفى القطار المتجه إلى وجه بحرى نتقابل صدفة للمرة الثانية . جالسة أمامى . لم تتغير ملامحها . نفس النظرات الخجولة تصدر وميضا خاطفا من عينيها . نفس الإبتسامة التى لا أستطيع وصفها مهما وصفت . فهى كالأحلام الجميلة المنسية تستيقظ منها و تندم أنك إستيقظت و تحاول النوم مرة أخرى على أمل أن تعود .. ما أسعدنى عندما سمعت نغمات صوتها و هى تتحدث مع والدتها عن الدراسة و المناهج و الكتب و عرفت من الحديث الدائر أن إسمها إلهام . إسم ظل محفورا فى قلبى لا يمحيه أى إسم و لا يزول مهما مر عليه الزمان . وفى لحظة نشوى أخذتنى بعيدا إلى أقصى عالم الخيال أيقظنى صوت الأم : كم عمرك يا بنى قلت لها بصوت خافت : تقريبا فى نفس عمر إبنتك يا خالتى . و أستمر الحوار الممل عن التعليم و المدرسين والإستعداد لمرحلة الجامعة . و كنت أنا فى قمة سعادتى
مر الوقت سريعا كعادته و جاءت لحظة الفراق الحتمية . لم أعرف وقتها أن الفراق سنة من سنن الحياة و كنت أرفضه فى نفسى . أرفضه بشدة و من كل قلبى . ليتنى أستطيع عمل أى شئ كى يتوقف الزمن و نظل معا . ولكن ما السبيل . و مرت أيام رحلتى بسلام و أثناء عودتى إلى القاهرة كنت أشعر أنها معى فى نفس القطار . إبتسامتها لا تفارقنى لحظة و بقاءها فى مخيلتى دافعا قويا للتفكير فى المستقبل و إيمان يصنع المعجزات . و إلهام ... هذا اسمها
عشر سنوات من عمرى مرت و كأنها لحظات عابرة و حلم لم يستغرق من الوقت بضع دقائق لم أرى إلهام إلا من خلال نافذة ذكريات و ظهورا ثانويا لإسمها كتبته بحروف بارزة بين السطور فى بضع وريقات قديمة و لمحة تصورية رسمتها ليبقى فى ذهنى شئ من ملامحها . و رغم كل هذا الشوق لرؤيتها إلا أنى لم أهتم كثيرا فقد كانت لدى إهتمامات أخرى .
وفى مساء يوم خريفى كنت جالسا فى مقهى أحد الفنادق بوسط المدينة . كنت أقرأ كتاب عنوانه ( نجيب ) كانت قصصه تروق لى و لا أتذكر من أهدانى إياه . كانت نسخة قديمة لكاتب مغمور . عدت أنظر للساعة منتظرا مرور الوقت . أرفع رأسى قليلا.لترتاح عيناى من القراءة . أجد إلهام جالسة على طاولة أمامى . تنظر لى . تتامل ملامحى . هى بدون شك . نعم هى . جميلة كما رأيتها فى كل المرات السابقة إلا أنها كانت شاردة و كأنها تتذكر . متى و أين أو لعلها تسأل نفسها من يكون !! . - ما أغرب هذه الحياة . تهبنا أشياء كثيرة و تأخذ منا أشياء أكثر . نحيا بالحب لسنوات و ننتظر منحة الأقدار لسنوات . نمضى و ننتظر . نبحث و نفقد ، و كأبطال الأساطير القديمة نموت و نعود !
هذه المرة قررت أن أكون أنا الخيال – حدوتة الشاطر المجهول – أختفى عنها و أنتصر لنفسى . أنتصر و لو لمرة و أحاول تغيير هذا الواقع و أهرب بعيدا عن أحلامى و ذكرياتى معها و أقوم بؤد كل ما كتبته عنها من قصص و حكايات و صور ألمتنى كلما رأيتها . – بعض الصور تلتقط بفرح . لتحزنك فى وقت لاحق – هذه الحقيقة لم أفكر فيها و مع ذلك بقيت لدى بعض الذكريات التى دامت . الساعة التى أهدانى إيها أبى ثابتة لا تتحرك عقاربها . توقف فيها الزمن . و قليل من الكلمات تتردد فى أذنى قالها لى صديق : أحيانا نظن أنها النهاية و لم يبقى لنا غير قضاء بعض الوقت ليأتى من تشتهى له أعيننا و يبهج أرواحنا و يجدد فينا حالة الحب المفقود و نعرف أن للحياة معان أخرى نعيش من أجلها . إنها حالة من الإلهام

التعليقات