الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

البابوات بين السلطتين الدينية و الزمنية 7

الكاتب : د/ حسن الغنيمى


أول بابا من الغيتو اليهودى
رأينا كيف تنازل البابا بندكت التاسع عن البابوية للشماس الاعظم لكنيسة القديس يوحنا و المدعو يوحنا جراتيان بيرليونى و هو اول بابوات آل برليونى ( 1045 م ) .
وكانت عائلة برليونى قد عاشت منذ زمن بعيد فى تراستفيرى و هو حى من احياء روما يعيش فيه معظم اليهود منذ القرن الاول قبل الميلاد . و بعد مرور الزمن و تحديدا فى القرن الحادى عشر تضاءلت اعداد اليهود لكنها اصبحت مركزا من مراكز الفكر و الثقافة اليهودية . و كان اليهود قد نسوا اللغة العبرية و ادوا صلواتهم باللغة اليونانية و اصبحوا يطلقون على انفسهم اسماء يونانية او لاتينية و قلما استعملوا الاسماء التوراتية مثل ابراهام و اسحاق و يعقوب و هجروا المقابر و السراديب التى كانوا يعيشون فيها و بدأ افراد منهم فى ترك الحى اليهودى و استوطنوا اماكن اخرى . لكن عائلة برليونى لم تبرح الحى اليهودى و من اهم شخصياتها المدعو باروخ .
باروخ كان يهودى ثرى صاحب مصرف و اراضى شاسعة و حظى بسلطة و احترام كبيرين و كان احد زعماء الوفود اليهودية التى كانت توفد لمقابلة البابوات و اعضاء مجلس الشيوخ . و تحولت عائلة برليونى للمسيحية عام 1030 م و بم ان التعميد يعد ميلادا جديدا فقد اعطى للمتحول اسما جديدا و كان اسم باروخ الجديد هو بندكتوس كريسيانوس أى بندكت المسيحى .
و كان يوشعنان احد افراد اسرة برليونى تحول للمسيحية و صار اسمه يوحنا جراتيان و هو عراب البابا بندكت التاسع و كان يبلغ من العمر سبعون عاما و قت ان تولى البابوية و كان ورعا و محترما يميل الى الاصلاح و مبادىء دير كلونى و اتخذ لنفسه اسم ( جريجورى السادس )
و قد استلم البابا كرسى البابوية و كانت خزينة البابوية خاوية و الابنية فى حاجة الى الاصلاح كما ان الامبراطور الالمانى هنرى الثالث قد توجه على رأس جيش كبير يقصد ايطاليا و عقد مجمعا كنسيا فى بافيا بعدها تقدم الى بيسانز قرب ميلانو و ذهب البابا الى بيسانز للترحيب بالامبراطورو تقديم بركاته له و استقبله الامبراطور استقبالا يليق به ثم عاد الى روما .
و اعتبر الامبراطور و اعداء البابا ان ان انتخاب جريجورى كان بمثابة تحدى لسلطة هنرى الذى حاول الاحتفاظ بامتيازات الامبراطور و من اهمها تبعية الرهبنة للملك . و بعد ذلك طلب هنرى من البابا مجمع سوترى فكان ذلك و بحضور رجال الدين اتهمهم الامبراطور بالجشع و الوقوع فى الخطيئة و انهم يستحقون لعنة الآباء المقدسين بدءاً بالبابا حتى أصغر حاجب فى الكنيسة .
ووجد البابا نفسه غير قادر على تدبر الأمر تجاه هذه التهم الفظيعة لهذا نهض عن كرسيه البابوى و استقال بمحض ارادته و عاد الى قلعة آل برليونى و بذلك انتهى عهد اول بابا من الغيتو اليهودى و اختار لنفسه منفى ارادى فى كولون و لكبر سنه قررت عائلته ان يرافقه شاب من العائلة يدعى توسكان ( كان فى الثانية و العشرين من عمره ) و هناك اصبح راهبا ذو قدرات عملية و شخصية قوية و بات يدعى بإسم هلد براند .
و بعدها توجه هنرى الى روما و عقد مجمع كنسى بكنيسة بطرس الرسول و عين سودجار بابا جديداً وفقا للاجراءات الرومانية القديمة فطلب من النبلاء اختيار البابا من المجمع فانتخبوا سودجار وفقا لارادة هنرى و اتخذ البابا الجديد اسم ( كليمنت الثانى ) .
و لكن يثور التساؤل لماذا ذهب البابا المستقيل جريجورى السداس الى كولون بألمانيا البلد الذى يحكمه الامبراطور الذى اهانه و تسبب فى استقالته ؟
الرد يكمن فى هلد براند اذ انه وقت استقالة البابا كان بندكتوس باروخ زعيم اسرة برليونى قد بلغ من الكبر عتيا و لم يعد يستطيع الاعداد و التخطيط لأسرة برليونى فتولى الزعامة ابنه ليودى بندكتوس الذى اصبح جزء لا يتجزأ فى حياة روما السياسية رغم عدم شعبيته .
لقد اختار هلد براند المانيا التى قهر امبراطورها السياسة البابوية و جعلها راضخة لإرادته لتكون مقر معركة استقلال البابوية . و كان هلد براند سياسيا بارعا اختار ان يتودد للامبراطور حتى يكون له تاثير فى اختيار البابوات .
و كانت أسرة برليونى تدعمها أسرة الفرانجيبانى هما العامود الفقرى للمقاومة الرومانية ضد الهيمنة الالمانية التى استمرت فترة تتحين اللحظة المناسبة لتوجيه الضربة القاضية و الانتصار .
قضى هلد براند معظم وقته فى خدمة البابا جريجورى السادس حتى وفاة البابا فى 1048 م اثناء زيارته لهامبورج . وورث هلد براند عنه ثروة كبيرة و فى ذلك الحين توفى البابا سودجار الملقب ب ( كلمنت الثانى ) و قيل انه مات مسموما و اعيد لالمانيا ليدفن فيها و كان خليفته نبيلا المانيا اتخذ اسم ( دامسكوس الثانى ) لم يدم جلوسه على الكرسى البابوى اكثر من 23 يوما و توفى و قيل انه مات مسموما ايضا مما دعى بعض الاساقفة الالمان الى رفض منصب البابوية حين عرض عليهم . و بناء على نصيحة هلدبراند ( الذى صار بمثابة مستشار كنسى للامبراطور الالمانى ) وجه الامبراطور طلبا الى بورنو اسقف تول لتولى منصب البابا و هو صديق هلدبراند و قد قبل المنصب و اعلن الملك للملأ من النبلاء و الاكليروس ان بورنو سيصبح البابا ليو التاسع ( 1049 – 1054 م ) .
و رافق هلدبراند البابا الجديد صديقه ليلا و نهارا و كان البابا يقبل بنصيحته خوفا من مصير سابقيه لذا ذهب الى روما بملابس عادية حافى القدمين كشخص مثقل بالذنوب مستعد لخدمة الكنيسة كحبر أعظم و قرع ابواب روما راجيا السماح له بالدخول و عندها فتح الرومان الابواب و دخل البابا و بطانته الغير مسلحة و فيهم هلدبراند الى المدينة . و ها قد عاد هلد براند الى وطنه و مدينته و عائلته التى صارت تسيطر بشكل كامل على تراستفيرى و اصبحت لها معاقلها و جسورها و قلاعها و جنودها و اصبحت قلعة سانت انجيلو الان تحت سيطرتها و ازدادت سيطرة زعيم اسرة برليونى ليو دى بندكتوس باروخ ووصلت لأوجها و ظلت مخلصة للكنيسة .
و قد أرضى ما فعله البابا غرور الرومان فاعلنوه بابا جديدا باسم ليو التاسع . وامتنانا لنصائح هلد براند فقد جعله البابا امين سر الكوريا الرومانية التى بدات تتخذ لأول مرة شكل مجلس وزراء الملك . و فى الخمس سنوات التى استمرت بها ولاية البابا قضى ستى اشهر فقط فى روما تاركاً هلدبراند ليقوم برعاية شئون البابوية بحرية تامة خلال غيابه الطويل لعقد اجتماعات فى ايطاليا و فرنسا و المانيا بهدف تعزيز مركزه و حكمه .
و كان البابا ليو صلبا مع ذوى المراتب الصغيرة فى الاكليروس الذين تزوجوا عرفيا و كانيراجع دائما كتاب ( سلوك الاكليروس ) الذى يبين انحطاطهم الاخلاقى و كان مؤلف الكتاب هو بطرس داميان رئيس اساقفة أوستيا القريبة من روما الذى اشتهر بالزهد و التقشف و تمتع بطرس بقوة و نفوذ فى عهد البابا ليو ايضا .
و بينما كان بطرس يعيش حياة الزهد كان هلدبراند على النقيض تماما و كان يعرف كيف يستفيد من بطرس اذ بينما كان هلدبراند بمثابة وزير خارجية كان بطرس داميان هو المسئول عن الدعاية و التبشير بالدين المسيحى و كان اكثر اقناعا من هلدبراند خصوصا لدى معاقبة و لعن الاكليروس فكان مثل نبى من انبياء العبرانيين و لم يكن هلدبراند يستطيع منافسته فى ذلك .لكن الجميع يعلم ان بيوت توسكانيا و برليونى المالية قد قامت بدور فعال فى دعم هلدبراند ماديا و جعلته المنظم المالى للكرسى الأسقفى .
و يجب ان نذكر الحدثين الهامين فى عهد البابا ليو التاسع و هما :
الاول : الانقسام النهائى الكامل بين الكنيستين اللاتينية و الاغريقية عام 1054 م
الثانى : ظهور النورمانديين المفاجىء كقوة عالمية .
و للحديث بقية ......

التعليقات