الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

البابوات بين السلطتين الدينية و الزمنية 8

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

سبق و ان ذكرنا انه خلال قرن واحد تاقلم الفيكنج فى نورمنديا و صاروا فرنسيين فى لغتهم و نظمهم و ثقافتهم و اطلق عليهم اسم النورمان . و بسبب ما اعترى ايطاليا من فوضى امتد نفوذ النورمان الى جنوب ايطاليا و تزايدت اعدادهم فى القرن الحادى عشر فاسسوا مدينة افرسا سنة 1030 و اشتهر من زعمائهم بايطاليا ثلاثة اخوة يلقبون بلقب هوتفيل هم وليم و همفرى و دروجو و قد احرزوا صيتا ذائعا فى ميادين الحرب و القتال . فساعدوا البيزنطيين سنة 1038 لطرد المسلمين من صقلية و صار وليم هوتفيل اميرا على النورمان فى ابوليا سنة 1042 و عندما توفى سنة 1046 اعترف الامبراطور الغربى هنرى الثالث بأخيه دروجو اميرا على ابوليا و بعد ذلك حضر اخيهم الرابع هوروبرت جويسكارد من نورمنديا و صار زعيما للنورمان بعد وفاة همفرى سنة 1057 و اشتهر هوروبرت كسياسى ناجح و قائد شجاع لا يهمه سوى مصلحته . و كان ان وجه رجاله لغزو جنوب ايطاليا لتقويض نفوذ الدولة البزنطية . لكن ذلك أثار حنق البابوية و مخاوفها . فعلى الرغم من ترحيب البابوات بالنورمان ليكونا عونا لهم ضد المسلمين من جهة و الكنيسة الشرقية من جهة اخرى الا ان النورمان أثاروا كره الجميع لما اشتهروا به من النهب و السلب و القسوة . كما انهم يعملون لحسابهم الخاص فتارة يحاربون مع الامراء اللمبارديين و طوراً فى صف القوات البيزنطية دون هدف سوى توسيع رقعة اراضيهم الخاصة على حساب الجميع .
و دفع الشعور بالخوف و الاستياء البابا ليو التاسع الى ان يوجه جيشا خليطا من الالمان و الايطاليين لمهاجمة النورمان سنة 1053 و لكن النورمان انتصروا و اصبح البابا ليو التاسع اسيرا لدى النورمان و اجبروه على المكوث فى بنفنتو ستة اشهر و لم يطلقوا سراحه الا بعد ان وقع معهم اتفاقية خضع فيها لجميع مطالبهم و عاد الى روما و قد انهكه المرض و توفى بعد ذلك فى عام 1054 م .
و طبيعى ان يطلب من هلدبراند ان يخلف البابا ليو فى البابوية لكنه رفض و نصح الامبراطور ان يعين جبهارد أسقف ايشستادت و هو نبيل المانى اخر و من رجال الاكليروس و توج جبهارد رأساً باسم البابا فيكتور الثانى ( 1055- 1057 م ) و فى بداية السنة الثالثة مرض الامبراطور هنرى الثالث و توفى و اعلن البابا تولى ابن الامبراطور مهام الحكم و اصبح يدعى هنرى الرابع و كان فى السادسة من عمره فتولت امه الامبراطورة اجنس مهام الحكم نيابة عنه .
و بعد سنة سقط البابا فيكتور الثانى ميتا و نصب بعده اخر بابا المانى و هو البابا ستيفن التاسع و الذى توفى ايضا بعد عام واحد . و كان هذا التنصيب السريع للبابوات قد اصاب روما بجو من القلق مما دعى الأسر النبيلة خاصة الكرسنتيون العمل على تنصيب واحد منهم على كرسى البابوية باسم ( بندكت العاشر ) الا ان آل برليونى قرروا طرده و تعيين بابا جديد و نصح هلدبراند ان يكون البابا الجديد هو جيرارد أسقف فلورنسا و تم تتويجه باسم البابا نيقولا الثانى ( 1059- 1061 م ) و هرب البابا بندكت العاشر و اعتصم بإحدى القلاع عدة سنوات حتى وافق ان يتنازل عن عرش البابوية .
وبالنيابة عن نيقولا الذى كان يعمل تحت اشراف و نفوذ هلدبراند أعد وثيقة للاجراءات المتبعة فى اختيار البابوات فعند وفاة البابا يجتمع كرادلة الأسقفيات و يتداولون ثم يدعون كرادلة الاكليروس العاديين و بعدها يتقدم الشعب و يوافقون جميعا على الانتخاب الجديد . و يجب ان يختار البابا من احسن الرجال الموجودين اى من حضن الكنيسة الرومانية فإن لم يوجد يمكن اخياره من كنيسة اخرى . و جاء بالوثيقة تمنياته للملك ان يصبح مستقبلا امبراطور بنعمة الرب طبقا لما وهبت البابوية له و لخلفاؤه من بعده الذين سيحصلون على هذا الحق من الكرسى الرسولى ( الامبراطور يحصل على حقوقه والبابا يسلمها له ) . و لوصدف بعد انتخاب البابا رسميا ان اى قوة من قوى الشر حاول منعه من استلام منصبه فإن البابا يجد تحت تصرفه جميع الموارد البابوية و اذا حدث و نصب المغتصب فإنه يكون رجلا ضد المسيح و مخرب للمسيحية و يجب عزله دون محاكمة و يدان بالحرمان الأبدى .
و فى عام 1061 م توفى البابا نيقولا الثانى و اختار هلدبراند خلفا له الاسكندر الثانى ( 1061 – 1073 م ) و هو اول بابا انتخب وفقا للنظام الجديد الوارد بالوثيقة سالفة الذكر . و استمر هلدبراند فى منصبه الى ان توفى البابا و تم تنصيب هلدبراند لكرسى البابوية باسم جريجورى السابع.
و فى عهده لم يكن اليهود هم المادة الاساسية لاهتماماته حيث انه أعد برنامجا ليعمل لمدة طويلة و اهم غاياته تنظيف الكنيسة بإعلان استقلالها و معالجة شئون الاكليروس و فى اول مجمع كنسى عقده عام 1074 م رسم ما يلى :
- يخسر رجل الاكليروس وظيفته اذا كان قد كسبها بالمال و الرشوة لأن وظائف الكنيسة ليست للبيع .
- اى كاهن ارتكب ذنب السمعانية ( بيع الوظائف الدينية ) يطرد من وظيفته
- اى كاهن اتهم بالزنا يخسر وظيفته بالكنيسة
- من يسمح لنفسه بالاستفادة من خدمات كاهن مذنب باحد الذنوب المذكورة باعلاه يعد مذنبا ايضا
** وواجه ذلك المرسوم نتائج مشؤومة ففى كثير من الكنائس و بمجرد تلاوة المرسوم علي المصلين من الكهنة قام المصلين بالهجوم على الكهنة و أنزلوهم من على منبر الوعظ فى الكنيسة و جروهم و قذفوا بهم الى الشارع .
اما رئيس اساقفة روان فقد قذفه الناس بالحجارة و اما هنرى الرابع فلم يستجب الى هذا المرسوم و رفض الاكليروس لديه قراءة المرسوم على الشعب كذلك خشى من قراءته الاكليروس بانجلترا و اسكندنافيا . و اما فى فرنسا فقد اعلن الكهنة فى مجمع باريس ان ذلك المرسوم باطل و لاغ . وبم ان الملوك قد تاكدوا ان الضربة القادمة للبابا ستكون موجهة ضدهم فلم تعد ليهم اى رغبة فى فى حث الكهنة على طاعة البابا .
و هكذا بقى الدين و التحلل من الواجب و الغفران يباع و يشترى و كانت الكاتدرائية هى سوق البيع و كان الكهنة كالبائعين المتجولين . و قد ظل الحال على هذا المنوال الى ان ظهر راهب مرتد عن الدين و هو مارتن لوثر و قاد ثورة ناجحة .
لكن ذلك الاخفاق لم يؤثر على جريجورى و لم يثنه عن عزمه فاصدر مرسوما هو الأخطر فى تاريخ الكنيسة و هو مرسوم دكتاتورية البابا فاعطى للبابا وحده حق تثبيت و عزل الاساقفة و فى اى مجمع يكون مبعوثه و لو فى درجة دنيا فوق جميع الاساقفة و له صلاحية اتخاذ اى حكم بالعزل ضدهم و ان البابا له الحق فى عزل المتغيبين و انه لا يجوز البقاء فى منزل شخص حرمه البابا و ان البابا وحده الذى يسن القوانين فى كل الازمان و هو الذى يدعو للمجامع الكهنوتية و هو وحده الذى يجوز له استعمال الشارات الامبراطورية و من حقه ان يقبل الامراء قدميه و ان اسمه هو الوحيد الذى يذكر فى الكنائس و انه هو من يستطيع خلع الاباطرة و هومن ينقل الاساقفة و تنصيب اى كاهن فى اى كنيسة يراها و ان المجمع لا يتخذ صفة الرسمية الا بأمره و انه لا يجوز عد كتاب او فصل كهنوتى الا بامره و انه لا يجوز نقض اى حكم صادر منه الا هو شخصيا فقط و انه لا يحق لاى سلطة على الارض ان تحاكمه و ان الكنيسة الرومانية معصومة عن ارتكاب الاخطاء .
و كان ذلك المرسوم هو فاتحة دراما القرون الوسطى و التى شغل فيها الملك هنرى الرابع الذى كان قد بلغ الثلاثين من العمر و جريجورى الأدوار الرئيسة و لم يحدث فى اى تاريخ مضى ان تصرف البابا بذلك الشكل العدائى مقتنعا انه مدعوم كليا من الرب و اعتبر نفسه فى مصاف الانبياء حتى انه احيانا كان يقدم على التنبؤ كما فعل بقداس عيد الفصح عام 1080 م الذى اعلن فيه انه خلال سنة سوف يموت الملك هنرى اذا لم يعمد الى اطاعة أوامر البابا و انه اذا لم تصدق تلك النبوءة فإنه سيتنازل عن كرسى البابوية ( لم يمت هنرى فى ذلك العام و لم يتنازل جريجورى عن البابوية ) .
و شطرت المعركة فيما بين البابا و هنرى الرابع اوروبا كلها الى معسكرين متعادلين و ابتدأ الصراع بحرب كلامية تبودلت فيها الرسائل و بعدها بقليل دعم الملك علانية ثلاثة اساقفة المان أوقفهم البابا عن عملهم فأرسل اليه البابا برسالة محذرا اياه بأن عصيانه سوف يجبر البابا على حرمانه كنسيا أى ان جواب البابا الثانى سيكون التكفير .
و بعض بضعة اسابيع و بينما كان البابا يصلى فى عشية عيد الميلاد اذ فوجىء بزمرة من المسلحين يمسكوه من شعره مما أسقط التاج البابوى عن رأسه و سحبوه الى خارج الكنيسة و اخذوه الى برج سنسيوس ( كان هنرى يعتمد كليا على النبيل سنسيوس زعيم الحزب الموالى لالمانيا فى روما و كان شديد المعارضة للبابا جريجورى و لسرتى برليونى و فرانجيبانى ) حيث عومل البابا الذى كان ينزف بغزارة معاملة قاسية مذلة على يد سنسيوس نفسه . و ما ان وصلت الاخبار الى عائلة برليونى تحركت ميليشيا كبيرة و كذلك جموع من عامة الشعب سائهم ما حدث للبابا فزحفو الى برج سنسيوس و بالاستعانة بالالات تم فتح ثغرة فى السور ووجدوا البابا فى احدى الغرف يحيط به جلادوه فخر سنسيوس على ركبتيه و طلب الغفران و الصفح من جريجورى و بالفعل اعلن البابا العفو عنه على ان يحج الى بيت المقدس للتكفير عن ذنوبه . و عاد جريجورى بهذه الهيئة للكنيسة ليكمل القداس و كان شيئا لم يحدث .
و لا شك ان تلك المحاولة للتخلص من البابا كانت بإيعاز من هنرى الرابع لذا عقد مجمع كنسى بعدها ببضعة اشهر اعلن فيه حرمان الملك هنرى من الحق و السلطة فى جميع انحاء المانيا و ايطاليا و بمنع اى انسان ان ان يعامله او يخدمه .
و بعد قرار الحرمان تحرك السكسون اعداء هنرى من جديد مع حلفاء جدد و تجددت مشاكل هنرى فقد سُمى رودولف صاحب سوبيا ملكا معارضا لأن هنرى لم يعد ملكا مناسبا ما دام انه لم يحصل على عفو او غفران من البابا و فوق ذلك فقد دعى جريجورى ليرأس مجمعا جديدا أزمعوا عقده فى مدينة أوجسبرج البافارية للمناقشة فى امر جدارة الملك . و بينما كان الامراء الالمان مجتمعين فى تريبور كان هنرى فى أبنهايم وحيدا محروما أشبه بالسجين . ففكر هنرى فى مقابلة البابا ليس بصفته ملك يطلب حقوقه و بل كمذنب تائب يطلب الغفران .
فى هذا الوقت كان جريجورى قد ذهب الى لومبارديا ليقابل بعض الحرس الذى سيرافقه الى المانيا و نزل فى قلعة ماتيلدا كونتيسة توسكانيا فاحشة الثراء . و بعدها وصل هنرى الى القلعة و طلب الدخول لكن تم تركه ثلاثة ايام واقفا فى البرد الشديد امام اسوار القلعة مرتديا قميص صوف يرتديه المذنبون و كان يلبس خفا بسيطا فى قدميه . و تم السماح له بالدخول فى اليوم الرابع و ما ان وصل البابا للقاعة حتى سجد هنرى باكيا امامه فطلب منه البابا الوقوف و عفا عنه .
لكن ما فعله هنرى جعل اتباعه يستقبلونه بفتور باعتبار انه ملك خان تاجه و ذهب بهم الامر للمطالبة بخلعه و تولية ابنه الصغير و المسيرة بجيش لروما ليطردوا جريجورى و يعينوا بابا جديد .
و مرت ثلاث سنوات عمل هنرى خلالها بكد على استرضاء اللومبارديين و جعلهم حلفاء من جديد و اقنعهم انه ما زال معارضا للبابا و عادت لهنرى كرامته الملكية . لكن البابا جريجورى قرر ان يعترف برودولف منافس هنرى ملكا و هكذا بدأت المعركة من جديد .و هكذا عاد جريجورى و حرم هنرى مرة ثانية فى مجمع كنسى رومانى عقد عام 1080 م .
لكن الامر لم ينته عند ذلك الحد
و للحديث بقية

التعليقات