الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الجدار ليس هو الحل

المجد للشباب صانع الثورات، باني الحضارات، وقود الحروب..
أينما توجهت ستجد الشباب، فالحياة ذاتها هي الشباب. وهذا لا يعني نفي الآخرين، ولا التقليل من شأنهم، لكن علينا أن نضع الأمور في نصابها الحقيقي.
في بلادي صنع الشباب ثورةً، وخرجوا منها وحدهم بلا مكاسب، ليس سوى الجراح والكسور، والعيون المفقوءة، والمغلولين في السجون، والشهداء الأبرار. هؤلاء هم الشباب الذين ما تُرِكوا يحددوا مصير بلادي ذات التركة الثقيلة المتراكمة من أخطاء الكهول. لقد أوجز الشاعر الأبنودي حين أبدع قائلاً:
"آن الأوان ترحلي يا دولة العواجيز".
رسالة الأبنودي كانت واضحة، أن هذه دولة الشباب، وهذا عصرهم. لكن هكذا يدفع الشباب فواتير الشعوب وحدهم، وكم من الأبناء الذين تحملوا خطايا وأخطاء الآباء والأجداد.
إن الفيلم الموسيقي "The Wall" أو "الجدار" للمخرج (آلان باركر Alan Parker) ليس سوى أحد أهم أفلام الشباب، لأنه يناقش أعمق مشاعرهم ومآسيهم. فكما يعمق جراحهم، فإنه يمسح بحنوٍ دموعهم. يعرف أين وكيف ضاعت ابتساماتهم، ويصرخ كثيرًا بدلاً منهم.

1. جدار عازلاً
ربما لا يتذكر الكثيرون جدار/سور برلين الذي كان يفصل برلين إلي شرقيةٍ وغربية، لكن لعل البعض يذكر الجدار العازل الذي يشيده الكيان الصهيوني ليعزله عن الفلسطينيين، بحديد وأسمنت مصري، أدي إلي ارتفاع سعرهما بالأسواق المحلية، فقفزت أسعار العقارات قفزات وهمية غير حقيقية في سنوات ضئيلة. ولعل أحدث تلك (الجدارات) ، تلك التي تقسم شوارع وسط القاهرة في شارع (القصر العيني) وشارع (محمد محمود)، حيث بات أبناء الوطن معزولين لا يستطيعون أن يقيموا حوارًا أو اتصالاً حقيقيًا، وقفز من قفز ليحصل علي السلطة دون أن يحشى أن هذه الجدران ستنهار ذات يوم، كما انهارت تلك الجدران الوهمية التي كانت تحمي العصابة التي كانت تنهب مصر نهبًا منظمًا.
ما أسهل أن تشيد جدارًا ليعزلك، لكن ما أصعب أن تزيل ذلك الجدار للتواصل، فمعشر البشر حين يشيدون جدارًا لا يتركون به بابًا للعبور والتواصل.
لقد عمل (بانك Pink) علي تشييد جداره العازل من أشياءٍ عدة، منها ما هو مادي، ومنها ما هو فكري/عقائدي، ومنها ما هو محض تصورات وهواجس. كانت أسطورة فقد الأب أولى لبنات هذا الجدار، وهي محض صورة متخيلة لمن يقدم الخلاص مزج فيها (بانك) ما هو هاجسي بما هو عقائدي، حتى بات هذا الفقد يتعملق ليعزله عن العالم، بل ويحوله بدوره ليكون مفقودًا، وكأن الأسطورة لا تفتأ إلا أن تعيد إنتاج ذاتها مراتٍ ومرات.
إن الموت الذي يقف كحقيقة غير معلومة، وكنهاية مؤكدة لحياة الإنسان لكن دون موعد محدد، يمثل خط النهاية ومصدرًا للقلق لدي البعض، ويحاولون بشتى الطرق التحصن منه، وهو قريبٌ جدًا؛ بل ولصيق بهم؛ هذا الموت هو النهاية الحتمية المنطقية للعديد من تصرفاتهم التي لا يستطيعون كبحها. وهذا الموت هو أحد الصخور الضخمة في جدار (بانك) حيث فقد أباه في معارك الحرب العالمية الثانية مع الفرقة 44، ولم يبق من هذا سوى تلك اللفافة/الرسالة المرسلة من الملك جورج لمواساة الأم في فقيدها، في حين أن علي (بانك) أن يؤيد الملك، ويثق في الحكومة التي ستضعه في يوم من الأيام علي جبهة النيران في أحد الحروب (فيتنام؛ جزر فوكلاند) ليموت ذات صباح.
التعليم القائم علي إزالة الميزات الخاصة، وطمس ملامح الشخصية وتحويلها إلي مسخ بلا ملامح، إنه التعليم القائم علي التلقين والذي يشكل مساحة لا بأس بها من جدار (بانك). فالتعليم يعمل علي محو شخصية الفرد، واستنساخ دُمي بشري بلا أفكار، وفي أفضل الحالات دُمي ذات أفكار معولبة نمطية، إنه التعليم الذي يعتمد علي: (كرر خلفي)، (قول ورايا).
ثم تأتي حجارة ملونة لتثقل الجدار وتزينه، وهي المرأة (الفتاة الجميلة) التي يجب أن يحظى بها الفتى؛ أو الفتي الرائع الذي يجب أن تناله الفتاة؛ كأننا في عملية مقايضة تجارية كما شرح ذلك كله (إريك فرووم) في كتابه الهام "فن الحب" - أو "فن الهوى" في الترجمة اللبنانية.. لأنني فتاة بيضاء البشرة وذات شعر أصفر ذهبي وحاصلة علي مؤهل جامعي وأعمل في شركة كبيرة أو مؤسسة عالمية، فأنا استحق شاب وسيم كنجوم السينما لديه سيارة ذات ماركة عالمية ولديه أموال لا تحصى يغدقها علي هذا بالإضافة إلي كم الشهادات الدراسية وحسن سمعة الأسرة التي ينحدر منها. هذه المقايضة التجارية تحدث بدرجات متفاوتة كل صباح ومساء في مجتمعاتنا حيث تثمن كل شخصية نفسها وتضع تسعيرة وتنتظر عملية المقايضة هذه أن تتم بصيغة ما، ليصبح لدينا أسرة هشة التكوين هي حجر ملون في أعلي الجدار.
وكذلك تعمل دوامة الاستهلاك علي صنع حجارة تسد ثغرات وفتحات الجدار التي تركتها الحجارة السابقة؛ فالمرء يعمل ثم يشتري الأشياء بثمرة عمله، فيحتاج غيرها، فيعمل أكثر ليلبي تلك الرغبات الاستهلاكية التي لا تنتهي كأنها دوامة بلا قرار.
ويعطي الشعور بالغربة للجدار صلابته المنشودة التي تجعله متينًا صعب المراس لا ينهار من أي ضربةٍ هنا أو هناك. وهذا الغربة ليست نتيجة الأسفار، فكم من الأشخاص يعانون منها في عقر ديارهم. وربما يكون لثقافة القطيع دور كبير في تعميق شعور الفرد بغربته داخل مجتمعه، فأن تكون داخل القطيع ذلك يجعلهم يقدمون لك الفتات، أما أن تشرد؛ ولو قليلاً؛ عن القطيع، فهذا سيقطع عنك كل إمداد.
هل هناك من يستطيع أن يصمد في وجه هذا الجدار؟ وإذا وجد؛ فما طبيعة الشخص الذي يمكن أن يحيا خلف هذا الجدار العازل الذي قدمنا له وصفًا تركيبيًا فيما سبق؟ هل سيكون شخص حالم متوازن حساس؟ أم ماذا؟..

2. السرد المتشظى
ربما يتناسب السرد المتشظى غير المستقر مع هذه النوعية من الحالات الدرامية غير العادية، حيث لا تسير الأحداث وفقًا للخط الدرامي الزمني الصاعد من الطفولة للكهولة، أو من الماضي للحاضر، كما لا يلتزم بوحدات قصصية بعينها يضافر/يغزل بينها ليصنع حكاية متكاملة كما في لعبة ترتيب أجزاء الصورة.
فحياة هذا الفنان (بانك) المنتقل من بريطانيا إلي الولايات المتحدة الأمريكية ليقدم عرضًا فنيًا بها لا يتصور أن تسرد سردًا نمطيًا تصاعديًا، أو حتى دائريًا ليبدأ من نقطة ما ثم يعود بإحدى تقنيات الاسترجاع للخلف ليستعيد ما فاته من تلك الحياة. إننا نرى (بانك) الفتي الصغير يزور (بانك) نزيل إحدى المصحات النفسية وقد جلس ووجه للجدار يستعيد دفتر أشعاره الأسود الذي سخر منه المدرس ذات يوم أمام كل الطلاب في المدرسة. وكثيرًا ما كان السرد يمزج بين هذا الفتى الصغير وهذا الشاب العليل، فالسرد كان يلتزم بالسياق النفسي والذهني أكثر من السياق الدرمي الزمني المطرد، وربما ذلك راجع لطبيعة الشعر التي تهيمن علي الفيلم، حيث أن السيناريو كتب بعد أن صدرت مجموعة الأغاني والموسيقي لفريق (The Pink Floyd) المسماة "The wall" في ألبومين سنة 1979م، ثم تمت كتابة سيناريو فيلم في وقت لاحق في بداية الثمانينات محاولاً نسج هذه القصة الدرامية لهذا الشخص المدعو (بانك) (Pink) الذي ليس سوى رمزًا للإنسان الذي كان يعبر عنه الفريق في عمله الموسيقي المعنون ب "The wall".
ورغم تشظي السرد إلا إنه اعتمد علي مبدأ هيمنة المشهد أو الحكاية المفصلية ـ وفقًا لجيرار جنيت في "خطاب الحكاية" ـ فلدينا تلك الحكاية التي تقدمها الأغنية التي كانت في خلفية المشهد الافتتاحي؛ تلك الأغنية التي تتحدث عن الفتى الصغير في الشارع الخلفي الذي يقضي ليلة عيد الميلاد وحيدًا (علي الرغم من أن الصورة تقدم لنا (بانك) كبيرًا متوحدًا غارقًا في شاشة التلفزيون)، ثم ينمو الجدار ويتعملق ويتوحش، لتحطم في النهاية ويتطوع الصبية الصغار بجمع شظاياه (فكما لا نعلم مصير بطلنا الغامض، لا نعرف أي جدار هذا الذي إنهار؛ هل هو جدار بطلنا (بانك)؟.. أم هو جدار برلين؟). فالسرد المتشظي يقدم حكاية الفتي الصغير بنفس القدر الذي يقدم فيه حكاية الجدار، فالفتى والجدار متلازمان، يترعرعان معًا وينتهيان معًا.
إن السارد وإن كان لا يحيد عن أن يكون ساردًا محضًا لقصة الفتى/الفنان/الجدار، إلا إنه تظهر لنا وضيفة السارد الأيديولوجية التي تشرح لنا مكونات الجدار، وتفسر وتعلل علاقة الفتي بالجدار وتنامي هذه العلاقة خلال الفيلم.
وربما لزم توضيح أن ثمة فارق دلالي بين مصطلحي "تشظي السرد" و"تشظي الزمن السردي"، فالأخير يمكن أن يكون بديلاً لمصطلح جيرار جينت "المفارقة الزمانية" ـ كما ترجمه (محمد معتصم) - ومن معه في ترجمتهم لكتاب "خطاب الحكاية" إلي العربية ـ وهو مصطلح عام للدلالة علي كل أشكال التنافر بين الترتيبين الزمنيين. بينما مصطلحنا "تشظي السرد" يشير أكثر إلي عدم تكامل/تعاون وحدات القصص لتكون أي صورة قصصية من خلال تجميع الأجزاء.

3. الجدار الواقي
كما أن للجدار صفته الاعتزالية الانفصالية، فإن له صفته الوقائية الحامية.. فالإنسان المهزوم يحتاج يبحث عن جدار وظلام ودفئ، ليبتعد عن العراء والانكشاف والصقيع الذي يلاحقه، والجدار يوفر بعض من الحماية لأنه يضع حدودًا واضحة للعالم اللانهائي الذي تأتي منه السهام والطعنات والجروح، وهذه الأشياء تتوافر في الجدار المادي، وقد كان بطلنا (بانك) يحتمي كثيرًا بالجدار المادي، مثلاً عندما هاجمته الحشرة/الإنثي لتلتهمه، ومرة أخرى عندما انتهى به المطاف في مصحة نفسية مراجعًا أشعاره من الدفتر الأسود (دفتر هملت.. المثقف المتعالي).
والجدار الواقي يختلف عن الجدار العازل في أن المحتمي به يتطلع للتواصل مع من يظنه أخر خلف هذا الجدار. والجدار الواقي في الفيلم كان مادي في أغلب الأمر، أو معنوي متمثلاً في شخصية الأم، أو في شخصية الأب المفقود الذي كان يبحث عنه الصغير في الآخرين دون أن يجده، أو في الجدار النفسي الذي شيده البطل حول ذاته.
إن جماعة الشواكيش التي كانت في العمل الفني المتخيل الذي كان (بانك) يعمل علي تقديمه، كانت تمثل جدارًا واقيًا وقطيعيًا عنصريًا يضطهد الضعفاء والأقليات ويسعى لتحطيم (الجدارات) العازلة، مما يكشف بدوره عن وجود مستويات أخرى للجدار داخل الفيلم، وليس فقط الجدار العازل الظاهر، أو الجدار الواقي المتخيل، فستجد بطريقة أخرى الجدار القاسي الذي يستطيع أن يفرم الإنسان وينتهك آدميته ويجعل منه مجرد شئٍ حقير تافه.. تستطيع أن تجعل من مؤسسات الشرطة، والحكومة، والمدرسة، والأسرة، وكل السلطات هي ذلك الجدار القاسي. وربما استطاعت بنية الترتيبات والفرضيات المجتمعاتية أن تشكل فيما بينها جدارًا أشد قسوة من كل (الجدارات) الظاهرة المادية.
إن جماعة الشواكيش المهزومة في أحلامها والمتمردة الثائرة، انتكست إذ تمسكت بالجدار الذي كانت تناصبه العداء؛ هذا هو الظاهر؛ لكنها تناصب الجدار العزل العداء في حين أنها تعمل علي تنمية ومناصرة الجدار الواقي، غير أن المفاهيم التبست، وسادتها أفكار القطيع وثقافته، فتحولت من جماعة ثورية متمردة إلي جماعة محافظة رجعية عنصرية النزعة. فبداية من تمردهم كطلبة علي النظم التعليمية البالية التي تعمل علي مسخ شخصياتهم؛ فمنذ ثورة الطلبة في باريس (مايو 1968) ضد البنيوية وأفكارها ونتائجها، وحمل الطلبة لواء الثورات دونما انقطاع؛ ثم تمردهم علي المجتمع الذي لا يحقق العدالة الاجتماعية بين أفراده وقمع الشرطة لهم، ثم تمردهم علي النظم الاجتماعية ومؤسسات المجتمع بصور مختلفة، هذا جعل منهم ثوار من طراز فريد، ثوار لا يحتاجون في احتجاجاتهم إلي أسلحة لتعبر عن غضبهم، أو إلي مخدرات لتهدئ من عنفوانهم، أو إلي الجدران التي تحجب البعض عن البعض، إنهم في حاجة إلي التكشف.. إلي الضوء.. إلي السلام. إلا أن روح الرجعية والمحافظة والعنصرية طغت علي جماعة الشواكيش فقدمت لنا مسوخًا تسير في ركب القطيع.

4. الباب
إذا لم تشعر بالألم فأنت لست بإنسان..
وإذا لم تشعر بقوة الشباب وحقوقهم، فإنك تكون من يسد تلك الكوة التي ينعث منها الضوء في الجدار، وتجعل منهم قوة ثائرة هادرةً نحو تحطيمه، لذلك فعليك دائمًا أن تترك بابًا في كل جدار.. سواء كان هذا الجدار عازلاً أم واقيًا أم قاسيًا.. إن هذا الباب هو ضمانة نسبية للحرية في الحركة والسيولة من موقف إلي أخر دون الوصول إلي الجمود الأيديولوجي الذي لا يرحم صاحبه قبل الآخرين.
إن حقوق الشباب كفلسفة وحركة راجت في العالم كله منذ حقبتي الستينات والسبعينات، وكان الفضل في ذلك للحركات الطلابية الثورية المتمردة، غير أن الشباب لا يجد لنفسه مكانًا بين الكهول ـ مع كل التقدير لهم ولإنجازهم ـ فعشرات الشباب في حاجة لأن يجد تلك المساحة من الضوء التي يحجبها عنهم جدار كهل تجاوز السبعين ويصر علي أن يقوم بدور سلطوي ما، وما أكثر الكهول في بلادي.
لقد تصور الحالمون أن الشباب سيكون لهم المساحة الأكبر في صنع مستقبل هذه البلاد بعد ما يعرف بثورة 25 يناير، غير أن مزاحمة الكهول لهم، نحّت الشباب عن الضوء، وصنعت الجدار تلو الجدار، وبات بلادي تبحث عن الماضي أكثر من المستقبل، وهي تفقد الحاضر.
منذ اللقطة الأولي في الفيلم والشباب ينظر بانسحاق عبرت عنه زاوية التصوير التي اختارها المخرج لندخل بها إلي عالمه الفيلمي الذي لا تتمرد فيه الشمس، لكن يتمرد به الشباب المنسحق، وتتبلد المشاعر الموءودة، ويعاد به إنتاج أيقونة الخلاص الدنيوي.





نشرت من قبل في مجلة أبيض وأسود

التعليقات