الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أفق الانتظار أو التوقع


اهتمت الدراسات النقدية العربية القديمة بظاهرة التلقي، والتي اقترنت بمقولة "موافقة الكلام لمقتضى الحال"(وهو ما توصل إليه النقد الغربي بتياراته بعد طول شقاء. فقد أعلن هنري ميشونيك سنة 1973 في كتابه "لأجل الشعرية"، عن نهاية الحماقات التي تعدّ أن فعل الكتابة فعل لازم، فقد أصبحت الكتابة غير منفصلة عن "قول شيء ما لشخص ما"). وكما يقول موسى ربابعة في دراسة له بعنوان "جماليات الأسلوب والتلقي" فقد انبثقت أحكام نقدية كثيرة من هذه المقولة، وذلك في المعالجات التي كانت تشير إلى: معنى المعنى، والغموض، والجرأة، والمحال، وتأثير ذلك في القارئ ودوره في تفسير مثل هذه الظواهر(www.culture.gov.jo)؛ ويؤكد محمود عباس عبد الواحد علي اتفاق كل من عبد القاهر الجرجاني ورومان أنجاردين حول أن عملية التلقي؛ أو استقبال النص؛ تحقق ذاتية المتلقي أو القارئ، لأنها تستدعي خبراته ومهاراته لتقوم بعملية الكشف والإبانة(عبد الواحد: 1996م؛ ص41). وهو ما يكشف عن جانب القصدية والتوجه في إبداع الكاتب، فليس ثمة صدف في الإبداع بل هناك عمليات واعية موجهة لإنتاج النص الأدبي.
ويؤكد موكاروفسكي أن العمل الأدبي يمكن أن يقسم إلي ثلاثة مكونات أساسية؛ هي:(هولب: 1992م؛ ص47)
1. فكرة العمل.
2. الرمز الحسي الذي يعادل الدال في مصطلحات دي سوسير.
3. الهدف الجمالي المحمول في الوعي الاجتماعي والذي يعمل كمعني.
إلا أنه منذ أواخر ستينات القرن العشرين(هناك عاملان مسئولان عن التغييرات التي ظهرت؛ وهما:1. أن نظرية السرد أصبحت موضوعاً عالمياً للدراسة.2. أن نظرية السرد أصبحت موضوعاً تتم دراسته في فروع مختلفة من المعرفة)؛ بدأت تتغير الرؤى النقدية المهيمنة علي التيارات النقدية الغربية، والتي كانت لا تري في دراستها سوى الكاتب والنص الأدبي، حيث حدث التحول الكبير إلي الاهتمام بعملية الاستقبال والاهتمام بالقارئ، والتي هي جوهر نظرية الاستقبال لدي روادها. فمنذ تلك الحقبة، بدأت العديد من الدراسات في التركيز علي استجابة القارئ، فنقل النقاد اهتمامهم من العمل الأدبي إلى استجابة القارئ له، وبهذا التحويل في المنظور يتحول العمل الأدبي إلى نشاط في عقل القارئ.
وعلي هذا؛ فإن ما كان يعتبر في التحليل النقدي الاعتيادي خصائص للنص الأدبي، يصبح الآن عملية زمنية ارتقائية تتكون بصورة رئيسية من: التوقعات، أو إحباطها، أو تأجيلها، أو إشباعها إثناء عملية القراءة ذهن القارئ.
لقد تطورت النظرة إلى القارئ ودوره الفاعل في قراءة النص عند الناقد الألماني فولفجانج إيزر Wolfgang Iser؛ ويرى إيزر أن العلاقة بين القارئ والنص ليست علاقة تسير في اتجاه واحد: من النص إلى القارئ حيث يقوم القارئ عند استقبال النص بفك شفراته، وإنما هي علاقة تبادلية تسير فيها عملية القراءة في اتجاهين متبادلين: من النص إلى القارئ ومن القارئ إلى النص، فبقدر ما يقدم النص للقارئ يضفي القارئ على النص أبعاداً جديدة قد لا يكون لها وجود في النص، وبذلك يصح القول بأن النص أثر بالقارئ وتأثر به على حد سواء(www.culture.gov.jo). ويري إيزر أن"العمل الفني يُبني بواسطة فعل القراءة. وأن جوهر ومعني العمل الأدبي لا يعود إلي النص، ولكن إلي إجراءات حيث يتم التفاعل بين تخيل القارئ والبني النصية"(هولب: 1992م؛ ص175). وهذا التخيل هو ما يمكن وصفه بأفق التوقع، وقد سبق وأن استخدم الفيلسوف جادامير مصطلح "أفق" للإشارة إلي "مدى الرؤية الذي يتضمن كل شيء يمكن رؤيته من زواية محددة"(هولب: 1992م؛ ص 76).
وكان للدراسات التي قدمها هانز روبرت ياوس أهمية كبيرة في التركيز على توقع القارئ، حيث اعتمد على مفهوم "أفق التوقع"؛ وهو مفهوم أخذه ياوس من علم الاجتماع؛ وكان المؤرخ جومبرش قد قام بتحديده تحت تأثير من فيلسوف العلوم كارل بوبر، حيث حدده جومبرش بأنه "نظام عقلي يسجل الانحرافات وتقييد المعني بحساسية مبالغ فيها"(هولب: 1992م؛ ص76).
ومفهوم "أفق التوقع" أوسع من مفهوم التوقع الذي شاع في الدراسات الأسلوبية والألسنية والشعرية، لأن مفهوم "أفق التوقع" لا يتعامل مع جزيئات في النص الأدبي فقط، وإنما قد يمتد ليشمل النص كله، فيما إذا كان منسجماً مع أفق توقع القارئ أم لا(www.culture.gov.jo). ويبدو "أفق التوقع" وكأنه يشير إلي نظام تبادل ذاتي أو نظام ذهني حيث افتراضات الفرد في النص(هولب: 1992م؛ ص77)؛ فكل نص أدبي ـ وفقاً لياوس ـ يفترض أفق توقع؛ "بمعني مجموعة من القواعد السابقة الوجود لتوجيه فهم القارئ (الجمهور)"(فييتور: 1994م؛ ص55).
يتشكل أفق توقع القارئ عبر مجموعة من العلامات التي ترتبط بمادة القراءة، وربما كان العنوان أهمها وأبرزها، وهو ما سوف تسعى هذه الدراسة جاهدةً لتأكيده وإبرازه، إلا أن هناك مجموعة من العناصر تساهم بدورها في تشكيل أفق التوقع وصياغيته، ربما كان الجنس الأدبي أهمها في حالة الطفل، ثم يليه اسم الكاتب وما يرتبط به من خصائص ثقافية وفكرية، ثم كل ما يقدم للقارئ عن النص قبل فعل القراءة. فالشَحْذُ ـ كما ذكر الخليل بن أحمد الفراهيدي في "العين" ـ هو التحديد، وكما يمكن أن يسند التشكل إلي "أفق التوقع"، يمكن أن يسند الشحذ الذي هو التحديد إليه. فعندما نخبر شخصاً ـ مثلاً ـ أن النص الذي سوف يقوم بقراءته هو نص قصصي، من تأليف نجيب محفوظ وعنوانه "العريس"(محفوظ: 1993م؛ ص ص 490: 494)، ويحكي عن رجل يبحث عن عروس، أليست العلامات المقدمة عن النص تشحذ/تحدد أفق توقع القارئ إلي مجموعة محددة من المعطيات التي ترتبط ارتباطاً تاماً بكل علامة من تلك العلامات، فعلامة القصة التي حدد النوع الأدبي تحدد الشكل الذي سيقرأ به النص عبر تتابع السرد عبر مجموعة من الأحداث التي تنظمها حبكة ما، كما أن اسم الكاتب (نجيب محفوظ) ـ كعلامة ـ ترتبط باتجاه واقعي في كتابة القصص ربما يتوفر للقارئ معرفته، كذلك يقوم العنوان ـ كعلامة ـ تحدد له المضمون القصص للنص الذي أُخْبِرَ أنه يحكي عن عريس يبحث عن عروس، لقد صار أفق توقع القارئ ـ المفترض ـ محدداً بأن النص يقدم له مجموعة من الأحداث الواقعية عن عريس يبحث عن عروس، لن يذهب القارئ إلي تخيل نص أخر غير الذي حُدد سلفاً بهذه العلامات الدالة الموجهة.
ويقترح الباحث ثلاث معالجات لبناء أفق التوقع؛ هي:
1. استخدام معايير شائعة أو شعريات ملازمة للمذهب؛ وهي تنتج عن معرفة الكاتب وما ينتمي له من أفكار أو تيار أدبي؛ فاستقبال نص شعري يحمل اسم امرئ القيس يختلف تماماً عن استقبال نص شعري آخر يحمل اسم صلاح عبد الصبور.
2. استخدام علاقة ضمنية بين العمل الأدبي والنوع(فالنوع ـ كما يري باختين ونحن معه ـ كينونة اجتماعية/تاريخية)/الجنس الذي ينتمي له؛ فاستقبال نص انضوى تحت اسم رواية يختلف تماماً عن آخر ينضوي تحت اسم قصة. يقول ياوس: "إن النص الجديد يستدعي إلي ذهن القارئ (السامع) أفق انتظار وقواعد يعرفها بقضل النصوص السابقة"(فييتور:1994م؛ ص 62).
3. استخدام المواجهة المباشرة بين النص ولغته الأدبية، واللغة العملية اليومية، وهنا يدخل العنوان بدور مؤثر باعتباره عين النص الذي يستقبل وعتبته الأولي التي يضعها المؤلف قصداً ووعياً، وليس اعتباطاً. ويؤكد مصطفي ناصف علي خصوصية هذا في السرد؛ إذ يقول: "في معظم النثر وبشكل أكثر مما نتصوره عادة يجب أن تظل الكلمات الافتتاحية في انتظار ما سيأتي حتى يتقرر معناها إذا افترضنا أن المعنى يستقر استقراراً حقيقياً تاماً"(ناصف:1989م؛ ص 452).
هذا مع الأخذ في الاعتبار أنه لا يوجد قارئ واحد للنص، والمبدع حين ينشئ نصه صار لا يضع قارئاً واحداً في ذهنه بل مجموعة من القراء، لكل واحدٍ منهم مجموعة من السمات المختلفة عن الآخر، ويقترح إدريس بلمليح تحديد أربعة أنماط من القراء؛ هم:(بلمليح: 1999م؛ ص ص 4و5)
1. القارئ النموذجي: وهو الذي استعمله ريفاتير ليحدد في ضوئه مظاهر القراءة الأسلوبية التي تتطلب شخصاً متمرساً كل التمرس بنظام لغة الشعر، ومدركاً لطبيعة الاختلاف بين هذه اللغة وبين اللغة اليومية. وهذا المصطلح أطلقه امبرتو ايكو علي القارئ الذي تخطط صفاته المميزة بواسطة النص أو تستنتج منه(مارتن: 1998م؛ ص 205).
2. القارئ الخبير: وهو الذي يسعى دائماً إلى إخصاب مضامين النصوص.
3. القارئ المقصود: وهو من يتوجه إليه النص.
4. القارئ الضمني: ويعتبر امبرتو ايكو هو أول باحث حدد هوية هذا القارئ، وهو القارئ المتعين في ذهن الكاتب. فإن لم يكن شخصية يوجه إليها السرد داخل النص، فهو ما أطلق عليه برنيس Prince مصطلح المسرود له(مارتن؛ 1998م؛ ص 205).
ويمكن أن يضاف إلي أنماط القراء الأربعة التي اقترحها بلمليح، نمط خامس يسميه رابينوفيتز "القارئ المؤلفي"؛ وهو شخص يشبه الجمهور الواقعي الذي يخاطبه المؤلف الضمني، وهو بخلاف القارئ النموذجي، لأنه شخص يظل واعياً بأن التخييل تخييل ويقرأ في ظل تلك المعرفة(مارتن؛ 1998م؛ ص 205).

التعليقات