الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مفهوم التضمين الانعكاسي

كان يُنظر إلي التضمين في علوم البلاغة علي أنه نوع بلاغي ينتمي إلي علم البديع، ويعني إدخال كلام الغير في أثناء الكلام مع التنبيه عليه إن لم يكن مشهورًا بغرض تأكيد المعنى (أحمد مطلوب؛ ج1؛ 1989م). وقد ميز (القزويني) بين التضمين والاقتباس، بأن جعل التضمين من الشعر، والاقتباس من القرآن والحديث النبوي (أحمد مطلوب؛ 2001م)، لكن قبل ذلك كان يُنظر إلي التضمين علي أنه نوعان، أحدهما لغوي، والآخر بلاغي.
فأما التضمين اللغوي؛ فقد قال به (الزركشي) في كتابه "البرهان في علوم القرآن"، وعرفه بأنه: "إعطاء الشيء معنى الشيء" (الزركشي؛ ج3؛ 1984م)، للإفادة المعنيين، وكذلك عرف (الزركشي) آليات اشتغاله علي الأسماء، والأفعال، والحروف (الزركشي: 1984م). أما التضمين البلاغي؛ فهو: "إدراج كلام الغير في أثناء الكلام لتأكيد المعنى، أو لترتيب النظم" (الزركشي: 1984م). وقد رأى بعض البلاغيين العرب أن التضمين يُعد عيبًا من عيوب الشعر، مثلما عاب (العسكري) على تضمين (الأعشى) بيتين من الشعر في شعره؛ "إن تضمين بيتين عيبٌ في الشعر شديدٌ" (العسكري: 1984م).
بينما يقدم (ابن رشيق) تصورًا آخر لمعني التضمين، أورده في كتابه "العمدة في محاسن الشعر"، وهو أن التضمين "أن تتعلق القافية أو لفظة مما قبلها بما بعدها" (ابن رشيق؛ ج1؛ 1981م). فالتضمين في الشعر هو: "أن يتعلق معنى البيت بالذي قبله تعلقًا لا يصحُّ إلا به" (التونجي؛ 1999م). إنه نوع ما يشبه رد العجز علي الصدر؛ Epanalepsis؛ كأنه واحد من ثلاث مصطلحات أشار إليها (سنو) في مقدمة أطروحته "من داخل الهاوية" بأنها ترتبط بشكل وثيق وعلي نطاق واسع بمصطلح "التضمين الانعكاسي"، وقد وصفها بأنها: "تكرار اثنين أو أكثر من القطع في تسلسل" (Marcus Snow: 2016).
ويحسن بنا قبل الانتقال بالحديث إلي "التضمين الانعكاسي" ملاحظة أن مدار التصورات العربية القديمة عن التضمين؛ سواء كان لغوي، أو بلاغي، أو كما تصوره (ابن رشيق)؛ تدور في فلك تعالق الملفوظات، وارتباط معني بمعني، أو نقل معني إلي معني؛ وهي أمور سنجد لها صدى وظلال في مصطلحنا الجديد "التضمين الانعكاسي" Mise en abyme، وكأنه ليس بمأمن منها، وأن سهامها تصيبه من بين يديه.
إن دراسة "التضمين الانعكاسي" تنظر في ملفوظات ليست أجنبية عن النص (الملفوظ الكلي)، بل هي من لحمته، تم إدخالها لغرضٍ، لتقاطع الخطة السردية للنص الروائي. وهي ملفوظات تنتمي إلي نفس الكاتب، فليست تعالقًا نصيًا بين النص الذي ضُمنتْ إليه ونص آخر، وإنما هي جزءٌ من أجزاء النص. و"التضمين الانعكاسي" يميل لأن يكون جماليًا - بلاغيًا - علي الرغم من كونه ذاتيًا - من ذات ملفوظات النص السردي. لكنه أميل - بعض الشيء - من حيث المفهوم لأن يكون لغويًا، فهو يعطي مضاعفةً للمعني - في الغالب، فيكون عَطَاءً للسرد بقدر ما يستطيع أن يعكس من صورته له ومعانيه ويضاعفها.
و"التضمين الانعكاسي" أسلوب فني قديم، أسماه (تزيفتيان تودوروف) "التضمين الذاتي" Autoenchâssement، وقد سماه بالذاتي لأن الملفوظات المضمَّنة تنتمي لذات النص (الملفوظ الكلي)، فهي ليست ملفوظات أجنبية تم استعارتها أو استضافتها من نصٍ آخر (نصوص أخرى).
"التضمين الانعكاسي" بالأساس تأثير مزدوج ينشأ عن طريق وضع صورة داخل صورة، مما قد يؤدي إلي تكرار ذلك إلى ما لا نهاية، مثل غلاف ألبوم فريق (Pink Floyd) المسمى "Ummagumma" - (1969م)، ويعرف هذا التأثير باسم "تأثير دورست" Droste Effect (Dictionary of Media and Communication Studies). فـ"التضمين الانعكاسي"؛ تقنية تعتمد علي المضاعفة غير المحدودة؛ مثلما تحتوي صورة علي نسخة مصغرة من نفسها (Marcel Danesi: 2009).
ويشير (نور الدين بنخوذ) - محرر المصطلح في "معجم السرديات" - إلي أن "التضمين الانعكاسي" مستعمل في فنون عديدة منها الأدب، والمسرح، والسينما (معجم السرديات: 2010م).
ففي مسرحية "هاملت" لـ(وليم شكسبير) يتم تضمين مسرحية داخل العالم الحدثي لمسرحية "هاملت"، وهي تلك المسرحية التي يقدمها (هاملت) أمام الملك والملكة والحاشية؛ فهذه المسرحية المضمَّنة هي جزء من نص (شكسبير)، ومن إبداع (شكسبير) وليست نصًا مسرحيًا أجنبيًا تم استعارته أو استضافته داخل مسرحية "هاملت"، وهي "تضمين انعكاسي" لأنها تعكس جزءًا من المسرحية الإطارية - "هاملت" - داخلها، قائمة بدور (وظيفي) تفسيري للكيفية التي تم بها إغتيال (هاملت) الأب علي يد أخيه الملك (كلوديوس)، فهي تنير جزءًا من النص المسرحي "هاملت"، وهي وإن كانت تقطع الخطة الدرامية إلا أنها تعمل علي إفادتها بالتفسير والشرح لكيفية إغتيال (هاملت) الأب، دون أن تكون قولاً مرجحًا إلا أنها بتأثيرها علي القتلة صارت قولاً محتملاً بطريقةٍ أو بأخرى.
وكذلك؛ كان حلم (عاشور الناجي) الذي قد ضُمِّنَ تضمينًا انعكاسيًا في الحكاية الأولي من "ملحمة الحرافيش" لـ(نجيب محفوظ)؛ فعندما ضرب وباء الكوليرا الحي، ولم تكن لدي الأهالي أو الحكومة خبرة في التعامل مع هذا الوباء، جاء حلم (عاشور الناجي) كاشفًا لـ(عاشور) طريق النجاة (نجيب محفوظ ؛ 1988م)، ولم يصدق أحدٌ (عاشور) في حلمه ليتبعه وينجى معه، فنجى (عاشور) وحده - مع أسرته - لهذا لُقب بـ"الناجي" فيما بعد.
ومن أمثلة "التمضين الانعكاسي" في السينما؛ حكاية الرجل العربي البخيل التي يحكيها (كونراد دي مونتيفرات: محمود الميلجي) في فيلم (الناصر صلاح الدين؛ إخراج: يوسف شاهين - 1963م) بعد استيلاء الصليبيين علي حصن عكا، كبداية لواحدة من الحملات الصليبية. وحكاية الرجل العربي البخيل تعتمد علي تقنية الارتداد؛ وهي إحدي تقنيات "التضمين الانعكاسي"؛ حيث يحمل هذا التضمين الدعوة للمراجعة وإستعادة الأحداث، أو النظر إليها من المنظور الخاص الذي تطرحه، وهو - هنا - ثروات الشرق وجواهره، كمثل تلك الجوهرة التي استمات العربي البخيل في الدفاع عنها كما تخبرنا حكاية (كونراد دي مونتيفرات: محمود الميلجي)، فهذه الثروات والجواهر هي كامل طموح العديد من الصلبيبن وقادتهم في تلك الحملة الصليبية علي الشرق، وقد يتمسحون في الدين رافعين لوائه شعارًا في تلك الحملات، ولذلك ينبغي الاستماتة من أجل الحصول علي تلك الثروات، كما فعل ذلك العربي البخيل في الحكاية.
إنَّ مصطلح "التضمين الانعكاسي" بالإنجليزية هو Mies-en-abyme، وهو في الأصل مصطلح فرنسي A French term. وقد تطور المصطلح تاريخيًا حاملاً معان وظلال مركبة بفضل اشتغال ثلاثة مفكرين عليه؛ هم: الكاتب (أندريه جيد) André Gide، الناقدة (كلود ماني) Claude Magny، الناقد (لوسيان دالنباخ) Lucien Dällenbach (Snow; 2016).
ومصطلح "التضمين الانعكاسي" Mise en abyme يترجمه (عابد خزندار) في "المصطلح السردي" بأنه "النص المؤبر [المبأر] للنص" (جيرالد برنس؛ المصطلح السردي؛ 2003م)، ويترجمه (السيد إمام) في "قاموس السرديات" بأنه "إرصاد" (جيرالد برنس؛ قاموس السرديات: 2003م)، ويترجمه (لطيف زيتوني) في "معجم مصطلحات نقد الرواية" بأنه "ترجيع" (لطيف زيتوني؛ 2002م)، كأنه نوع من رجع الصوت بالصدى (زيتوني: 2002م)، في حين يترجمه (محمد عناني) بـ"اللانهائية في الصورة والدلالة" (محمد عناني؛ 2003م)، وتعبير (عناني) في ترجمته لمصطلح "التضمين الانعكاسي" تعبير بلاغي استلهمه (عناني) من عنوان كتاب (لوسيان دالنباخ) "المرآة في النص" فيما يبدو، لكنه يشير بكل حدة إلي تأثيرات "التضمين الانعكاسي" الشكلية والدلالية.
ويطلق (حسن سرحان) علي مصطلح "Mise en abyme" لفظ "التقعير"، نسبة إلي أحد أنواع المرايا، وربما كان الأليق بالمصطلح أن يكون "التحديب" - نسبة إلي المرآة المحدبة التي تقدم صورة مصغرة من الأجسام والصور التي تعكسها - لا "التقعير" الذي ينسب إلي المرآة المقعرة التي تقدم صورة تقديرة مكبرة من الأجسام والصور التي تعكسها، مع ملاحظة أن هذين النوعين من المرايا يقدمان صورًا مشوهة إلي حدٍ كبير للأجسام والصور التي يعكسانها، في حين أن المرآة المستوية هي التي تعكس الصورة الحقيقية - أو شبه الحقيقة - للأجسام والصور التي تعكسها. إن الألفاظ المستعارة من أنواع المرايا تفرض نوعًا واحدًا من العلاقات الوظيفية التي تقوم بها المرايا عند نقل الصورة، وهي علاقة التناظر، بينما تهجر باقي العلاقات الوظيفية (التقابل - التضاد - التماثل) التي يتلاعب عليها "التضمين الانعكاسي" في العلاقة بين النص المُضمن كمرآة (الملفوظات المُضمّنة) وبين النص السردي الكلي الذي تضمنه (الملفوظ الكلي). كما أن لفظة "التقعير" هي اسم لصوت الإنسان من أقصى الحلق أو قعر الفم (التونجي: 1999م)، إضافة إلي أن سمة لفظة "التقعير" سمة سلبية، إذ تشير إلي التشدق في الكلام (الفيروزآبادي؛ 2005م)، كذلك ينظر إلي "التقعير" أسلوبيًا علي أنه مغالاة الكاتب أو الشاعر في استخدام المحسنات اللفظية والصور البيانية والسجع، والمفردات النادرة (الكلمات العويصة)، بحيث يركز عنايته علي الشكل فيأتي المضمون هذيلاً مشوهًا (التونجي: 1999م).
ويطلق (عبد المجيد بن البحري) علي مصطلح "Mise en abyme" لفظ "التغوير" في قراءته لرواية (شعيب خليفي) "مجازفات البيزنطي"، وهو يرتبط إلي حد بعيد بلفظة "الهاوية" Abyss التي ارتبطت بها الدراسات المتعلقة بمصطلح "التضمين الانعكاسي" وحملتها بعض هذه الدراسات كعنوان لها، حيث أن لا نهائية المعني المحتملة مع بعض أشكال "التضمين الانعكاسي" تصنع عمقًا كبيرا يشبه الهاوية Abyss. وبهذا تُعد لفظة "التغوير" إلي حد ما بعيدة عن مفهوم "التضمين الانعكاسي"، وإن تعلقت بالدراسات التي اشتغلت عليه.
هكذا؛ نرى أنه ليس ثمة اتفاق بين الباحثين والمترجمين علي وضع تسمية اصطلاحية موحدة لهذا المصطلح، وقد ركن الباحث إلي تسمية (نور الدين بنخوذ) للمصطلح في "معجم السرديات" لوضوح لفظه علي القيام بالمفهوم الذي وضع له.
و"التضمين الانعكاسي" يوصف بأنه ضربٌ من إحالة النص علي نفسه كما يشير (نور الدين بنخوذ) (معجم السرديات: 2010م)، ويعرفه (دالنباخ) بأنه: "مرآة داخلية تعكس مجمل القصة بالإعادة البسيطة أو المكررة أو الخادعة" (معجم السرديات: 2010م)، في حين يذهب (جيرالد برنس) إلي أنه نسخة مصغرة من النص مضمور وأنه يعكس كامل النص (جيرالد برنس؛ المصطلح السردي؛ 2003م)، والحقيقية أنه يعكس ويكرر جزءًا من النص لغرض فني وليس كامل النص، فلا يتصور الباحث وجود "تضمين انعكاسي" يعكس أو يكرر كامل النص كما ذهب (جيرالد برنس)؛ أو غيره؛ كما أن الأمثلة التي أوردها (برنس) في شرحه لمصطلح "Mies-en-abyme" كان التكرار والانعكاس بها جزئي - كما في مسرحية "هاملت"، لا كلي كما زعم. كذلك يذهب (زيتوني) إلي أن "التضمين الانعكاسي" - والذي يطلق عليه "الترجيع الأدبي" - يختصر مضمون الرواية (زيتوني: 2002م)، وهذا في فهمنا إخلال بفكرة "الرواية" نفسها كفن أدبي.
ربما كان المثال الذي وضع لشرح وتقريب مصطلح "التضمين الانعكاسي"mise en abyme في المعاجم الأدبية الغربية، وهو المأخوذ من رواية (أندريه جيد) "المزيفون"، والتي تعمل الشخصية الرئيسية (إدوارد) بها علي تأليف/كتابة رواية تسمي "المزيفون"، ففي هذا المثال تعكس الراوية الداخلية (المضمَّنة تضمينًا انعكاسيًا) كامل النص الروائي؛ بشيءٍ من التجاوز عن التدقيق، لكن لا نستطيع أن نقول مع (زيتوني) أنها: تختصر مضمون الرواية.
الناقدة الفرنسية (كلود ماني) Claude Magny تري أن رواية "المزيفون" الكلية ترتبط بالرواية الداخلية - (المزيفون) التي تكتبها الشخصية الرئيسية (إدوارد) - برابطة دلالية، فالرواية الداخلية عبارة عن نطاق ضيق من التكوين الكبير (التأليف)، كما أن الرواية الداخلية (المزيفون) مضمنة في الرواية الكلية كجزء من الكل، وهكذا يمكن لهذا التضمين أن يحفز سلسلة لا نهائية من التفسيرات، والتي يمكن التفكير فيها عبر المعني البصري للمرايا، لأنها تخلق نسخ منعكسة من الرواية (Snow; 2016).
في حين يرى (جان ريكاردو) أن عملية "التضمين الانعكاسي" لا يمكن ترسيمها ووصفها بدقة (Juliana de Nooy: 1991)، يفترض (مكهيل) McHale أن ملفوظات "التضمين الانعكاسي" ثانوية، وأصغر، وربما أقل شأنًا من النص الأساسي (Snow; 2016) (الملفوظ الكلي)، فإن (دالنباخ) يصفها - ملفوظات "التضمين الانعكاسي" - ويصنفها إلي ثلاثة أنواع (Anthony Marcris: 2004).
ويكون التضمين انعكاسيًا إذا كان النص السردي المضمّن يضطلع بوظيفةٍ ما داخل النص السردي الذي احتواه (تضمنه)، حيث أن "التضمين الانعكاسي موضعًا نصيًا تتضاعف فيه الدلالة ويتكثف الرمز" (معجم السرديات: 2010م). فـ"التضمين الانعكاسي" كما يشير "معجم أكسفورد للمصطلحات الأدبية" يؤدي إلي عملية المضاعفة الداخلية للمعني عبر الانعكاس المتبادل من جزء من إجزائه إلي العمل كله أو جزء منه (Chris Baldick; 2001).
وفي "التضمين الانعكاسي" يجب أن يكون النص المضمّن متصلاً بالنص السردي (القصة/الرواية) الذي احتواه (تضمنه) وعالمه الحدثي، أو متصلاً بالخطاب القصصي وعملية التلفظ المُنتجة له، مثل أن تتضمن رواية قصة إنتاج رواية أو كتابة نصٍ ما بداخلها (Baldick; 2001)، أو أن يقوم أحد الفاعلين بكتابة أو قراءة فصل من كتاب هو من وضع الرواية، وليس علي سبيل التناص مع كتاب آخر معلوم. ويشترط (مكهيل) McHale علي الملفوظات المرشحة لأن تعتبر ملفوظات "التضمين الانعكاسي" أن تتوافق مع معيارين، حددهما بالتالي: (Brian McHale: 2006)
1. يجب أن تكون هناك علاقة واضحة من التشابه بين الملفوظات المًضمنّة وبين النص الكلي (الملفوظ الكلي) أو مع جزء بارز منه.
2. يجب أن يتم إدخال ملفوظات "التضمين الانعكاسي" علي مستوى سردي واحد أو أكثر يكون أسفل مستوى العالم السردي الأول (الإطاري). بمعني أنه يجب أن تنتمي ملفوظات "التضمين الانعكاسي" إلي مستوى سردي ثانوي وليس رئيسي.
و"التضمين الانعكاسي" وإن كان سردًا هامشيًا يعترض طريق الخطة السردية Narrative Schema للمتن الروائي (الملفوظ الكلي)؛ إلا أنه يستطيع أن يحقق فكرة الحوار التي قال عنها (باختين) أنها جوهر الرواية، فـ"التضمين الانعكاسي" يحقق حوارًا بين ملفوظات الهامش (المتضمَّن) وملفوظات المتن (الإطار). وهناك نصوص يكون الحوار فيها بين الهامش المضمَّن والمتن الروائي كثيفًا غزيرًا، كما في روايتي (يحيى الطاهر عبد الله) "الطوق والأسورة" و"تصاوير من الماء والتراب والشمس"، فقد زاحمت الملفوظات المضمَّنة الخطة السردية للمتن الروائي كثيرًا في كلتا الروايتين. سنجد مثل هذه الكثافة للملفوظات المضمنة التي تنتمي لمفهوم "التضمين الانعكاسي"، في رواية "أرض النفاق" لـ(يوسف السباعي)، وكذلك في رواية "عزازيل" لـ(يوسف زيدان)؛ علي سبيل المثال لا الحصر.
وليس "التضمين الانعكاسي" هو الطريقة الوحيدة لإقامة الحوار داخل العمل الروائي، فهناك عدة طرق لإقامة الحوار داخل الخطاب الروائي. كانت جوهر فكرة الحوار عند (باختين) داخل الخطاب الروائي تعتمد علي مرجعيات وأطروحات لسانية وأسلوبية في الغالب، فالرواية من وجهة نظر (باختين) "هي التنوع الاجتماعي للغات، وأحيانًا للغات والأصوات الفردية، تنويعًا منظمًا أدبيًا" (ميخائيل باختين؛ 1987م).
(باختين) كان يدشن الحوار داخل الخطاب الروائي علي الوعي الاجتماعي الأيديولوجي للغة أكثر من عنايته بجوهر أدبية الخطاب الروائي، أو تحاور الملفوظات السردية داخل الخطاب الروائي الجامع والناظم لها. فـ(باختين) لم يهمل الملفوظات السردية المضمنَّة في المتن الروائي، لكنه تحدث عنها بلغته وبمفاهيمه حين عدَّد "النماذج الأساسية للوحدات التأليفية والأسلوبية المكونة للكل الروائي"؛ بأنها (باختين: 1987م):
1. السرد المباشر الأدبي، في مغايراته المتعددة الأشكال.
2. أسلبة مختلف أشكال السرد الشفوي التقليدي أو الحكي المباشر.
3. أسلبة أشكال السرد المكتوب المختلفة ونصف الأدبية والمتداولة: الرسائل، والمذكرات الخاصة، إلخ.
4. أشكال أدبية متنوعة من خطاب الكاتب، إلا أنها تدخل في إطار (الفن الأدبي)، مثل كتابات أخلاقية، وفلسفية، استطرادات عالمة، خطب بلاغية، أوصاف إثنوغرافية، عروض مختصرة، وهَلُمَّ جرّا.
5. خطابات الشخوص الروائية المفردة أسلوبيًا.
كذلك فعل (جيرار جنيت)؛ غير أنه اهتم في كتابه "خطاب الحكاية" بنوعٍ واحدٍ من أنواع الملفوظات المضمنة، وهو الحكايات المضمنة، حيث قام برصد الأنماط الرئيسية للعلاقة التي تربطها بالنص الذي يتضمنها (جيرار جنيت؛ 1997م).
ويطلق (جنيت) علي تضمين حكاية داخل حكاية مصطلح "الحكاية ذات الأدراج" Chinese box narrative، نسبة إلي لعبة الصناديق الصينية، وهي صناديق متداخلة مرتبة، يحتوى فيها الأكبر الأصغر بالترتيب. والصناديق الصينية Chinese Box؛ ويقابل الصناديق الصينية Chinese Box في الروسية "دمية ماتريوشكا" Matryoshka Doll؛ حيث الدميات المتداخلة المكررة المرتبة علي نمط الصناديق الصينية. وهناك من يطلق علي تضمين حكاية داخل حكاية مصطلح "Frankenstein’s Narrative Technique"، نسبة إلي رواية (ماري شيلي) "فرانكنشتاين"؛ 1818م.
غير أن الاستقرار جاء علي مصطلح Mise en abyme، ونعتمد علي ترجمته في العربية إلي "التضمين الانعكاسي"، لمناسبة الألفاظ للمفهوم.
ويمكن أن نقدم تعريفًا مقترحًا لمصطلح "التضمين الانعكاسي"؛ بأنه:
"تلك العملية الوظيفية التي تتحقق نصيًا عبر وجود ملفوظات فرعية (هامشية) تعترض الخطة السردية الرئيسية للنص السردي (الملفوظ الكلي) لتعكس جزءًا (أو أجزاء) من النص، أو النص كله؛ إن أمكن؛ لمضاعفة معناه بطرائق عدة".

التعليقات