الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

وحده الحمال الأعزب يظلُ أعزب..

تتميز "ألف ليلة وليلة" بمزايا عديدة يعجز كتابٌ واحد مهما بلغ من الإسهاب عن رصدها، وبالضرورة تعجز دراسةٌ واحدة مهما بلغت كثافتها وإيجازها عن الإحالة والإشارة إلي المزايا المتنوعة.
استوقفني "التحول" و"المتحولون" في سرد الليالي وما أكثرهم!!، فلا أحد يبقى علي حاله في الليالي.. لا أحد إلا ويتبدل، أو يتغير، أو يتنكر، أو يتحول، أو يشوه. وحده الحمال دخل حكاية "الحمال مع البنات" أعزبًا، وخرج منها علي حاله دون أن يصيبه شيء من التحول، أو التبدل، أو التنكر، أو التشوّه. قدمه السرد منذ اللحظة الأولي بأربع صفات كانت صفة كونه "أعزب" ثالثهما؛ فهو: إنسان، بغدادي، أعزب، وحمال.
عنوان الحكاية عين موضوعًا لها هو خبر الحمال مع البنات، وعين أبطالاً لهذا الخبر، وجعلهم علي طرفين، أحدهما هو الحمال، والآخر هو البنات؛ واللاتي نكتشف مع تنامي وتطور السرد أنهمن لسن بناتًا، سواءً من حيث الهيئة أو السن، فهن لسن عذارى، ولسن صغيرات السن، بل هن نساء مجربات (دلالة/تاجرة - صاحبة البيت - البوابة)، ولكل واحدة منهن خبرٌ، وحكايةٌ، وتجربةٌ عريضةٌ في الحياة. وأن منزلهن شهد من قبل هذه الليلة ليالي مثل تلك الليلة التي تسرد الحكاية وقائعها، وأنهن اعتدن علي استقبال الغرباء، وتحصنَّ لذلك بالشرط المنصوص عليه "أن تدخل تحت الحكم ومهما رأيته لا تسأل عنه ولا عن سببه"، وقد صيغ الشرط صياغة لغوية أخرى خُطّتْ علي باب المنزل بماء الذهب دلالة علي اعتيادهن استقبال الغرباء؛ وصيغته: "لا تتكلم فيما لا يعنيك تسمع مالا يرضيك". وقد عرض ذات الشرط علي الصعاليك الثلاثة حال حضورهم، ووافقوا عليه وأقروه، كما عرض علي الخليفة المتنكر هارون الرشيد ووزيره جعفر، فقبلا بالشرط. كما أنهن - النساء الثلاثة - جهزن من أجل ذلك سبعة عبيد أشداء مسلحين بالسيوف، فعندما خُرق الشرط بالسؤال عن السبب والكلام فيما لا يخص المتكلم، نهضت صاحبة البيت "وشمرت عن معصمها وضربت الأرض ثلاث ضربات وقالت عجلوا وإذا بباب خزانة قد فتح وخرج منه سبعة عبيد وبأيديهم سيوف مسلولة وقالت كتفوا هؤلاء الذين كثر كلامهم وأربطوا بعضهم إلي بعض ففعلوا".
بينما بقي الحمال الأعزب أعزبًا، دخل الحكاية حمالاً وبقي خلال أحداثها حمالاً أعزب، رغم ما حمله لنا من وعودٍ بالتحول عبر المجون، فظن القارئ ما ظن بأفعال "البغل الجسور" "الذي يرعى حبق الجسور ويعلق بالسمسم المقشور ويبيت في خان أبي منصور"، فقد ظلت هذا الأفعال معلقةً، ومتخيل الإيتانِ بها من قبل "البغل الجسور" أو الحمال، مما شوقنا مستمعًا وقارئًا لمتابعة الحكاية؛ وزاد من لهفتنا علي المتابعة؛ منتظرين تحول حال الحمال الأعزب، وظننا أن بقاءه في البيت ساهرًا مع النساء الثلاثة سيسمح لهذا التحول بالتحقق، فيخرج من عذريته وكونه أعزبًا، إلي رعي "حبق الجسور" وخلاعته، وإلي التغذي علي "السمسم المقشور" فيصر عليقه وعليقته، وإلي المبيت والسكنى في "خان أبي منصور".
لكن لا شيء من هذا المتخيل المأمول الموعود به حدث أو تحقق، واستمر انتظارنا لتحول الحمال الأعزب معلقًا، ودخلت الحكاية منعطفًا جديدًا بقدوم الصعاليك الثلاثة المشوهين، فهم عور بالعين اليسرى؛ ووصفوا بأنهم أعجام حليقي الذقون؛ ولم ينف دخولهم الحكاية وعودها، وإن سمح بإمكانية تعديل هذه الوعود، أو ارجاءها قليلاً. غير أن قدوم الخليفة هارون الرشيد ووزيره جعفر متنكرين أخذ يضيق الخناق علي الوعود، ويجافي بيننا وبين تحققها، وأن علينا انتظار تحولاً أو تكشفًا لهذا الحمال، فهو الوحيد الذي احتفظ بصفاته ولم يتحول عنها أو ينكر لها، حتى وإن أصابه السكر بما أصابه من نشوة.
وبعدما خُرق الشرط، وبدأت المكاشفة، وقد ظهر لنا من تشوّه جسد صاحبة الدار ما ظهر؛ أثار الضرب علي جسدها وجسد البوابة؛ وضرب الكلبتين؛ وهو فعل تشويه للجسد أيضًا. وحضر العبيد السبعة لضرب الرؤوس وحصدها، وانشغل كل واحد بأمر نفسه، فقد انقلب السرور والحبور إلي حساب مرير وجزاء عسير؛ "وقالت أخبروني بخبركم فما بقي من عمركم إلا ساعة".
وعندما بدأ الجميع بالتكشف والإفصاح عن حقائقهم وسرد حكاياتهم، وحده الحمال بقي علي حاله، فليس لديه ما يفصح أو يكشف عنه، وليس لديه حكاية يحكيها، كما أنه لم يتحول ويخطأ باختراق الشرط؛ "فقال الحمال بالله يا سيدتي لا تقتليني بذنب الغير فإن الجميع أخطؤوا ودخلوا في الذنب إلا أنا والله لقد كانت ليلتنا طيبة لو سلمنا من هؤلاء الصعاليك"؛ وكانت تنتظرنا آمالٌ ووعودٌ من "البغل الجسور"، وأظنها كانت ستدخل السرور علي "الحبق الجسور"، وكان سيسعد بها "السمسم المقشور"، ويهنأ لها "خان أبي منصور".
فوحده ظل الحمال بلا ذنب، إلا ذنب القضاء علي ما تخيلناه - قراءٌ ومستمعون - من وعود بتحول حال الحمال الأعزب وانطلاقه.
وعندما طلبت صاحبة البيت من الحضور: "كل واحد يحكي حكايته وما سبب مجيئه إلي مكاننا ثم يمس علي رأسه ويروح إلي حال سبيله"، وهو ما كان تصريحًا منها بالعفو عن الجميع مقابل التكشف والظهور بالمظهر الحقيقي، والإفصاح عن هوية الذات وحقيقتها بسرد حكايتها.
تبين أن جميع الفاعلين في الحكاية - في هذا المستوي من الحكاية - كفاعلين (مروي عنهم) أصابهم التشوه (الصعاليك الثلاثة، النساء الثلاثة، الكلبتين، المرأة المقتولة بالصندوق)، أو التحول (الكلبتين، والصعلوك الثاني الذي مسخ قردًا ثم رد إنسانًا)، أو التنكر (الخليفة هارون الرشيد، ووزيره جعفر). وفي المقابل بقي الحمال؛ كفاعلٍ؛ معهم في نفس المستوى؛ كما هو، بلا تشوّه، أو تحول، أو تنكر.
وبينما يتضح ويتكشف أن لكل فاعل من الفاعلين حكايةً يسردها أو حقيقةً يخفيها، يتبين مبكرًا أن الحمال وحده بلا حكاية، "فأول من تقدم الحمال فقال يا سيدتي أنا رجل حمال حملتني هذه الدلالة وأتت بي إلي هنا وجرى لي معكم ما جرى وهذا حديثي والسلام"، فلم يكن لدي الحمال ما يخفيه ليفصح عنه، وقد دخل عالم الحكاية بصفات أربعة لم يتغيرن، ولم يمسسهن التبدل أو التحول. وكأنه الحمال بمفرده وحقيقته الثابتة المتكشفة الجلية في مقابل هذا العالم من المتحولين والمشوهين والمتنكرين، وقد حمل عنوان الحكاية هذا المعني من طرف خفي لم يفصح عنه إلا سير أحداثها، وصعودها وهبوطها، لنكتشف أن الحمال كان وحده يمثل الثبات والحقيقة المتكشفة الجلية، في مقابل عالم من المتحولين تمثله البنات. وحده الحمال ظاهره كما باطنه، في مقابل عالم يخفي ظاهره بطنه؛ أو لا يدل عليه، لأنه متنكر، أو متحول، أو مشوّه.
كذلك لم يصب الحمال شيئًا من التغيير أو المكافاة في نهاية هذه الحلقة من حلقات الحكاية، عندما يدعو الخليفة الفاعلين إلي مجلسه ويكشف هو ووزيره جعفر عن تنكرهما، ويظهران بهيئتهما الرسمية. فالجنية/الحية تعفو إكرامًا للخليفة عن الكلبتين، وتوعيدهما إلي هيئتهما الآدمية، ثم يتزوجن وأختهن من الصعاليك (الملوك) الثلاثة. أما المرأة الثانية؛ فيعيدها الخليفة إلي عصمة زوجها الذي يتبين أنه ابنه الأمين، وأخيرًا يتزوج الخليفة من الدلالة ويشيد لها قصرًا.
أما الحمال، فظل إنسانًا.. حمالاً.. أعزبًا.. بغداديًا.. كما دخل الحكاية خرج منها، وتبخرت وعود التشويق، وآمال التحول.
ويعود الخليفة ووزيره للتنكر، وتنتقلت الحكاية إلي حلقة أخرى من حلقات السرد بالعثور علي الصندوق الذي به جثة المرأة المقتولة والمشوّه جسدها، وينقلب حال الوزير، ويدخل في محنةٍ شديدةٍ تهدده هو وخمسين من بني عمومته، قبل يكشف عن القاتل الذي جرى به قدره إلي القتل. وفي الحلقة السردية الأخيرة من هذه الحكاية يتحول الوزير جعفر إلي راوي يحكي للخليفة حكاية الوزيرين نور الدين وشمس الدين والتحولات التي حدثت لهما، والتي يبدو أنها سيقت لغرضٍ لم تستوفِه، فقد أصاب الحكاية التشوّه في نهايتها بالنسخة المصرية من "ألف ليلة وليلة".
الوحيد الذي نجا، وخرج كما دخل، وأصبح كما أمسى.. هو الحمال الأعزب.
فوحده الحمال الأعزب يظل أعزب.



التعليقات