الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

ولو بركلة من قدم

الكاتب : مصطفى زكى

بقلم: مصطفى زكى

ولو بركلة من قدم!

"ونحن ايضا نحب كرة القدم، ونحن ايضا يحق لنا ان نحب كرة القدم. ويحق لنا ان نرى المباراة، لم لا؟ لم لا نخرج قليلا من روتين الموت؟
في أحد الملاجئ استطعنا استيراد الطاقة الكهربائية من بطارية سيارة. وسرعان ما نقلنا "باولو روسي" الى ما ليس فينا من فرح. رجل لا يرى في الملعب الا حيث ينبغي ان يرى. شيطان نحيل لا تراه الا بعد تسجيل الهدف، تماما كالطائرة القاذفة لا ترى الا بعد انفجار اهدافها.
وحيث يكون باولو روسي يكون الجوول، يكون الهتاف، ثم يختفي او يتلاشى ليفتح مسارب الهواء من أجل قدميه المشغولتين بطهو الفرص وانضاجها وايصالها الى أوج الرغبة المحققة. لا تعرف ان كان يلعب الكرة ام يلعب الحب مع الشبكة".
هذا ما كتبه الشاعر الفلسطينى الراحل العظيم محمود درويش بعد ان شاهد إحدى مباريات كأس العالم 1982، وهو يقبع بين أصدقاؤه فى أحد المخابئ، محاولين الاختباء خلف مرمى قنابل الطائرات.
قال درويش أيضا فى المقال نفسه:
"كرة القدم.. ما هذا الجنون الساحر، القادر على اعلان هدنة من أجل المتعة البريئة؟ ما هذا الجنون القادر على تخفيف بطش الحرب وتحويل الصواريخ الى ذباب مزعج! وما هذا الجنون الذي يعطل الخوف ساعة ونصف الساعة، ويسري في الجسد والنفس كما لا تسري حماسة الشعر والنبيذ واللقاء الاول مع امرأة مجهولة، وكرة القدم هي التي حققت المعجزة، خلف الحصار، حين حركت الحركة في شارع حسبناه مات من الخوف، ومن الضجر".
كما كتب محمود درويش عن اللاعب الأرجنتينى مارادونا بعد احدى مباريات مونديال 1986:
"ماذا فعلت بالساعة، ماذا صنعت بالمواعيد؟ 
ماذا نفعل بعدما عاد مارادونا إلى أهله في الأرجنتين؟ 
مع منْ سنسهر، بعدما اعتدنا أن نعلّق طمأنينة القلب، وخوفه، على قدميه المعجزتين؟ وإلى منْ نأنس ونتحمّس بعدما أدمناه شهراً تحوّلنا خلاله من مشاهدين إلى عشّاق؟ 
ولمن سنرفع صراخ الحماسة والمتعة ودبابيس الدم، بعدما وجدنا فيه بطلنا المنشود، وأجج فينا عطش الحاجة إلى: بطل.. بطل نصفق له، ندعو له بالنصر، نعلّق له تميمة، ونخاف عليه ـ وعلى أملنا فيه ـ من الانكسار؟ 
الفرد، الفرد ليس بدعة في التاريخ. 
يا مارادونا، يا مارادونا، ماذا فعلت بالساعة؟ ماذا صنعت بالمواعيد؟"....."إن هو لم يسدد ستموت الأرجنتين من البكاء. وإن هو لم يصوّب سترفع الأرجنتين نصبا لعارها في الفوكلاند. سيتوقف الشعور القومي عن الرقص، وستربح انكلترا المغرورة الحرب مرتين..ولكن مارادونا يتقدم بالكرة من حيث تراجعت السلطة. مارادونا يعيد الجزيرة إلى الأرجنتين. وينبّه الإمبراطورية البريطانية إلى أنها تحيا في أفراح الماضي.. الماضي البعيد"....."أليست هذه اللحظات اشد قسوة ورهافة وتفجيرا للعاطفة الفردية والجماعية من اللحظات، التي يواجهها "مقامر" دستويفسكي، مثلا؟".

أما آن لنا أن نفرح.. ولو لساعات..... ولو بركلة من قدم!!

التعليقات