الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

تقدمتي لقصة ” شاء قدري”.. للكاتبة هزيل حورية..

راسلني أخي العزيز الأستاذ قيمت بدر ليحدثني عن كاتبة واعدة من بنات الجزائر الحبيب، وانتظرت إبداعها مع كافة المسئوليات التي لا تسمح لي بقراءة جريدة، وجاءت القصة لتتسللني بهدوء لكاتبة واعدة صاعدة آتية بقوة، لم أشأ لنفسي أن أنقد أو أحلل بل أستمتع بأن ينزل على وجهي ندى تباشير إبداعها الطازج، لم تفسدها الصنعة، ولا الاحترافية،بل هي تكتب كأنها تحكي، وما عليك إلا الإصغاء..

إنها الكاتبة: لهزيل حورية، ذات العشرين ربيعًا، الحاصلت على بكالوريا في العلوم التجريبية، وخريجة المدرسة العليا للأساتذة فرع أدب عربي، وفي السنة النهائية للتخرج ليسانس فرع أدبي مستوى ابتدائي، وهو ما يبرهن على تمكنها من لغتها العربية الذي ينعكس على أسلوبها، كما تجيد الإنجليزية والفرنسية بنفس الطلاقة.

هذه أول مرة أقوم بتقديم عمل لكاتب أو كاتبة، ولكنني أبدو ضعيفًا أمام المغرب العربي والجزائر خاصة، ولا أستطيع أن أقيم العمل الذي أرسلته صاحبته لثقتها وثقة صديقي الأستاذ بدرفي شخصي… وسأترك لكم أهل ذي المجاز الكرام .. القراءة والتقييم..
…………………………………………….
قصة ” شاء قدري”..
بقلم: لهزيل حورية – الجزائر

الجزء الأول

أشرقت الشمس على سطح مكتبي القديم ، وداعبت جفوني بهدوء ،حتى شعرت بالدفء يملؤهما فاستيقظت، أردت لو أن كل شعاع من الشمس يعبر جسدي و يبدد الماضي مني ، أردتني لو أنسلخ من كل كوابيسي وأرميها هناك، بجانب كل الوريقات التي قطعتها الأمس بعدما عجزت عن اخراج الظلام من ذاكرتي إلى ورق، أظنّ أن ما أحمله بين منكبي لا يكفيه إطار أبيض، ما أحمله تلوث بكل نفس تنفسته وهو داخلي ، حتى أصبح كل أبيض قليل جدا من أن يحمله و يطهّره،اغتسلت بسرعة ولبست ما وجدت أمامي ، أي شيء قد يفي بالغرض ويجعلني مخفية عن الجميع ، أبذل ما بوسعي كي أتخفّى لكن عينا ذاك الولد تراني ، صديقي الصغير أمين أجده بجوار زاوية منزلي حينما أخرج، ذاك الولد الذي يبدو أن الحياة أطعمته كل شيء بملعقة كبيرة رغم أنه ذو سبع سنوات فقط ، سأنقص من حقه إن لم أقل أنه يعرف بالحياة أكثر مني ، يقول لي دائما أنه يريدني أن أزور والديه معه ذات يوم، كي أتذوق الكعك الذي تحضره والدته ، يحب طعم الفراولة به ، ورغم كِبر سني لا أزال أبتسم معه وأتذكر طفولتي حين نلتقي ، أمارس معه كل طفولتي التي ضاعت، ألاعبه و نركض كالمجانين ، أشبعه بحضني كلما تسنح الفرصة لذلك ، تضيع أناملي بشعره وأتمنى لو يضيِّعُ الحزن بابي الليلة كي لا يسهر معي ، فيتكلم عن نفسه وأبقى مشدوهة إليه لا أتحرك لا يمينا ولا يسارا ، مصابة بالشلل في حضرته ،أتبع حركة شفتاه بهدوء تام ، وحين يحلُّ الصباح ينسحب ويغلق الباب خلفه بعد أن أخذ مني نوما هنيئًا وأطفأ من سمائي نجوم كثيرة ، أرى أمين أمامي يبتسم ببراءة،يتردد بعقلي أتراني أريد أن أعود لوقتي الضائع من الطفولة ؟ أكثر الأشياء خطرا هي تلك التي نريدها ونخشاها ، نتمناها و نبغضها بآن واحد، لم أكن أريد العودة ليوم أُنتهك فيه حقي بطفولة هادئة، حقي بأن أكون صافية ولا تشوبني شائبة لأنني طفلة ، ولأنني كذلك لم أكن أعي أنني يجب أن أنتبه أكثر، خاصة من ذاك الرجل البدين ذو اللحية السوداء ، الذي ينظر إلي كقطعة لحم طازجة وينتظر وقته كي ينقض عليها ، يراها أشهى من اللحم الذي أمامه بالطبق ، كنت حين أراه خلسة أتخيله يعلكني بين أسنانه جيئة وذهابا ، يستطعم مذاقي أكثر ، ويكسب الوقت كي أشعر بضغط ضروسه على لحمي ،يقشعر بدني فينخفض بصري لصحني و آكل بسرعة، كي أنسحب هاربة منه و أختبئ بقبر ذو أربع جدران ، يتوسطه باب أراه حصني المنيع و كل ما أملكه كسند، ذات مساء طُرق بابي بقوة، تزعزع حصني وتزعزع قلبي، أسرعت و أسندته بظهري الهزيل ، أحان وقت أن أسنده أنا ؟ ثنيت ركبتيّ، طمرت رأسي و أغلقت أذناي لكن صوته كان يصلني بوضوح متوعدا و مهددا بأن نهايتي قد اقتربت.. استفقت من غيبوبة الذكريات بسبب يد أمين التي تهزّ طرف قميصي قائلا : هلاّ اشتريتِ لي كعكة الفراولة ؟
فأرد عليه مبتسمة بالطبع يا عزيزي ،هيا بنا!

أُمسك يده ونقطع الطريق، وأضل محتارة، أشعر به يقودني نحوه ويحميني و ليس العكس ، ندلف للمتجر أبحث عنه حولي فأجده ينتظر عند الباب، إنه يخاف الزحمة منذ تعرفت عليه ولم تسنح لي فرصة لسؤاله ِلم ذلك ، أتجه نحو الكعكات آخذ ما أستطيع حمله بيدين اثنتين وأتجه لعمي أحمد ، فيستقبلني كعادته بابتسامته التي تنير وجهه ويقول بصوته المتحشرج: والله يا ابنتي ورد ، كبرتِ و أصبحت امرأة ، الله يرحم الوالدة ما عاشت لتراك الآن

فأبتسم وأقول : الله يخليك يا عمي ، الله يرحم جميع موتانا
يهزّ رأسه موافقا ، يتمتم ببعض كلماته رثاءً لهم ، ثم يقول : أنت تسكنين وحدك لن يسعك أكل كل هذا الكعك ، أتمنى أن يكون صدقة على روح والدتك إن قدمته للأطفال، فإنها تستحق .

كيف قد أغيّر فكرته هاته ؟ أكانت حقا تستحق ؟ أوّدعه بابتسامة وأمضي لأمين ، أحمل فرحته بين يداي

الجزء الثاني

اتجهنا للبحر بعد أن أنهى أمين كل الكعكات و بأنانيته لم أتذوق ولا واحدة منها ، بعد وصولنا ، سرنا فوق الرمل برجلين حافيتين ، تَلْمِسنا المياه وتداعب أصابع أقدامنا ، كان لون الغروب يتَسرب على وجه السماء باستحياء ، و يزيد المكان بهاءً ، لوهلة نسيت بالأصح تناسيت أن ما بعد هذا المنظر ليل،والليل يعني قدوم زائري الذي لا يمل القدوم اليّ منذ سنوات ، لكن لم أكترث ، ما يهمني الآن أن أشبع قلبي بهذا الكم من الحياة ،كي لا ينسى وظيفته الأساسية وهي الشعور لا النبض هكذا في الفراغ فقط !

وصلت لمكان أصبحت فيه أنا وأمين فقط أمامنا البحر وورائنا الصخر وما بينهما رمال ، دفعني أمين قليلا للمياه حتى وصلت لركبتي ، ثم اقترب مرة أخرى ودفعني أكثر حتى وقعت ، كنت أضحك لكنني ارتعبت من وجهه الجاد الذي ينظر إليّ به ، خيّل لي بأنه نفس الرجل الذي هربت منه منذ زمن لكن بشكل مصغر ، تماسكت نفسي ووقفت ثم قلت له : ما بالك يا أمين ؟ لِم تدفعني هكذا ؟
فيرد عليّ بحزم : ألم تتعبِ من هاته اللعبة بعد ؟ ألم تتعبِ من الانكسار الذي بكِ ؟
فقلت متعجبة : ما الذي تقوله ؟
فقال متأففا : يكفيكِ، بالله يكفيكِ ، لا شيء لك بالعالم ، اذهبي للماء ، تطهّري من نفسك ، لن يقطع الحزن وصاله ولن ينسى بابك، حُتم عليك العيش بوقت ضائع من الحياة منذ أن وجد ذاك الذنب الذي حملته .!نظرت إليه وقد بلغ مني الألم أقصاه ،أنظر إلى ذلك وكأنه البارحة وأعيده بحذافيره التي أحفظها عن ظهر قلب

الجزء الثالث

أتذكر ذاك اليوم ، حين كان يَضرب الباب بكلتا يديه و يشتمني ، كان حصني المنيع ينتفض معلنا عن اقتراب سقوطه ، هربت إلى زاوية بالغرفة وتكوّرت هناك ، متمنية ألا يخذلني بابي ، وأن يصمد أمام ذاك الثور الهائج ، لكنه لم يستطع .!

بعد دقائق معدودة كان ذاك الثور الهائج أمامي و بابي مخلوعا ممزقا على الأرض ، اقترب مني بسرعة وحملني حتى وصلت لفمه، تكوّرت بين يديه كالجنين ، ألوذ بوجهي من لفحات فمه الحارة ومن سبابه الصارخ ، ضلّ يهزني بقوة ثم رماني على السرير ، فتح حزام سرواله الأسود المهترئ ، وبدأ يجلدني به ، كنت أسمع صوت تمزق جلدي عني ، فكيف تصمد فتاة السبع سنوات وبحجمها الضئيل هذا أمام سوط قوي ، كنت أشعر بتخدّر كل شيء فيّ ،كل أعضائي تأخذ إجازة وتتخلّى عني، ويتبادر سؤال واحد لذهني لم يعاقبني ؟ ما الذي فعلته؟ ، توقف فجأة عن ضربي ثم رمى بالسوط بعيدا، قفز فوق السرير ضاحكا و ينوي شرا، تحاملت على نفسي ولملمت أجزائي المقطعة بسرعة والتصقت بالحائط خلفي ، أغلّف نفسي بيدي الصغيرتين اللتان أسقط منهما السوط ما أسقط ، سحبني من قدميّ اليه و أمسك بيديّ فشلّني عن الحركة، بقيت أصارع و أتحرك و أصرخ كي يأتي أي طوق من النجاة و ينقذني ، أن تأتي أمي مثلا ، لا أزال صغيرة لا تفعل بي شيئا ، لا تؤذني ، ضللت أقولها بصوت صارخ باكٍ ، لكن صبره كان قد بلغ منتهاه فصفعني ، وبدأ كل ما حولي بالتلاشي لكن صوته المقزز أخذ دقائق حتى أطبق الصمت عليه وأصبح الهدوء ، أُحتجِزتْ بغرفتي ، كان الطعام يصل الى قدمي حصني الذي فكت بكارته لكنني لا أزال أسنده كل مساء ، أواسيه لما حلّ به ، ويسندني كل صباح فلا يعبر ولا شخص إلي، دام هذا الوضع لأيام، حتى سكنت الأجواء وأتت أمي إلي ، مارست معي أمومتها وسادني الصمت ، حمّمتني ، وألبستني فستاني المفضل المطرز بالورد الجوري على حافته، وكم أنت أحب اعجاب أمي وردة فعلها الجميلة كلما أرتديه ، مَشَطت شعري وجعلته جديلة، قبّلتني في جبيني لكن قبلتها تلك طبعت بالنار ، أحسست بموضعها أحرقني و ينشر كل الحروق بجسمي، جرّتني خلفها و قالت بصوت مسموع سنذهب للسوق.
اتجهنا للسوق واشترينا ما فوق حاجتنا ، حتى خيّل إليّ بأن لدينا عرسا ، وصلنا لعمي أحمد كي ندفع ما علينا وحين رآني ابتسم ابتسامته التي تنتشل الغريق من غرقه، وقدم لي وردة جوري حمراء ، تشبه المطروزة بفستاني ، حين مددت يدي اليها وأمسكتها، أناجيها أن تزهر بي أو تتمسك بمعصمي وتدس فيه عطرها كي تزول رائحة الإثم مني ، فرأيتها تحني برأسها أمامي وتعلن بالذبول ، رفعت رأسها بيدي مرارا لكنها أبت ألا تنحني، وأبت أن تمدني بعطرها و بلونها و بالحياة، انتهت والدتي من حديثها مع عمي أحمد والتفتت إلي، أَمْسَكت معظم الأكياس بيدها اليمنى ومدّت بيدها اليسرى إلي قائلة أمسكي بي كي نعبر الطريق بأمان ، بقيت أنظر الى يدها، كان يجب أن تكون الأمان لا الخوف ، نظرت اليها ثم حملت الأكياس بكلتا يداي ، تظاهرت بانشغالي بهما و خرجت قبلها كي لا تمسك بي ولا تلمسني ، فحروق الصباح التي أحدثتها يداها بي لا تزال حديث.!

الجزء الرابع

وقفنا على الرصيف ننتظر الإشارة كي نمر للجهة المقابلة حيث منزلنا ، أردت ان أرخي قدماي وأنساب من الرصيف إلى السيارات فيتهشم رأسي و أنتهي ، بقيت أتأمل يد والدتي ، ناعمة وطرية كقطع “المارشميلو” ، كم كنت أحب رائحتها حين أقبّل راحة يدها ، ليس لشيء بل لتدخل تلك الرائحة لكل خلية بي وتعلن الاكتفاء ، يدها الطرية تلك كانت تستطيع أن تنتشلني، رغم ضعفها أمام ذاك القذر الضخم إلا أنها كانت ستكون بخوف الأم على ابنتها كقبضة حديد على وجهه ، لكن ما أخذته منها ذاك اليوم لم يكن ليسد حاجتي بل أشعرني بالقرف، حين استفت من غيبوبتي القصيرة وجدتها بجانبي تبكي بصمت، نظرت للجدار أمام عيناي يبكي و يسقط دمعه حارا على خدي ، أخذت نظرة على جسدي فوجدت ملابسي ممزقة ولم يترك منها ما قد يسترني ، انتهكت حرمة جسدي البريء من قبل زوج والدتي البربري ، وامتلأت ملاءات سريري الوردية بالدماء ، أهي نزيف روحي الذي أشعر به ولا أراه ، ضمّتني والدتي إليها ، ولأول مرة أنكر أمان حضنها ، قالت توشوشني بأذني: يا ابنتي ورد ، سيمضي هذا الأمر فقط لا تخبري أي شخص بما حدث ، لقد كانت متوترا ولم يقصد ،لم يحدث شيء يا عزيزتي !
ابتعدت عنها و أوليت ظهري لها أَئِن بصوت يشبه الهمس ، كشاة نحرت بسكين حافٍ ، وتأخرت الموت كي تأتي اليها ، أقول بنفسي أي أم هاته التي تحتويني حين تقول أصمتي ؟ أي أم هاته ترى ورودي تقطف في غير أوانها وتقول أنه سيمضي ؟ أيزهر الورد بعد أن يقطع أو يذبل يا أمي ؟ هيهات لن أزهر بعد الآن ، تجاوزت كل مراحل العمر والآن أندب ما تبقى من حياتي بدقائق فقط ،رثاءً للعمر الرمادي الذي بقى، لملمت نفسي و أخذت نفسا عميقا من الرائحة التي تغرق بها غرفتي ، بالطبع لفعله رائحة ، ورائحة كريهة ، لكنني حبستها داخلي ، لماذا ؟
فقط من أجل الانتقام ، أتت الاشارة لتقطع ذكراي الأليمة، ثم مررنا بعد أن سُمح لنا ، واتجهنا الى المنزل

الجزء الخامس

حضّرت والدتي الغداء ساعدتها بتحضيره، كإعلان بأنني سأصمت وأبتلع لساني ، أخذت الأطباق إلى الطاولة ،لم يكن موجودا هناك ، أخذت طبقه الذي يحوي قطعة لحم أكبر من حجمي ، ألم يكن يكفيه هذا اللحم حتى يطمع بلحمي ؟خرجت من المطبخ أتجه إلى هناك ، فوجدته جالسا يقرأ الصحيفة ، كل شيء بي كان يرجف ،فذاك لقائنا الأول بعد الحادثة، تقدمت بهدوء أخفي توتري ، وأزرع الجمود بوجهي كي لا يكشفني ، حين وصلت وضعت الطبق أمامه ، تأملني من الأسفل إلى الأعلى وابتسم ابتسامة انتصاره القذر ، مدّ يده ومسح على شعري كاد يطال أشياء أخرى ، لكنني هربت منه إلى الحمام ، فتحت صنبور المياه الباردة و جلست تحته ، تصل كل قطرة باردة الى داخلي، فتخمد النيران بي، أفرك فروة رأسي بقوة عسى أن تزول لمسة يده الوسخة منه ، أفركه وأنتحب ، يا أمي تعالي ودثريني ، يا أمي أشعر بالبرد ها هنا ، تحسست جيب فستاني وأخرجت ذاك الكيس البلاستيكي يحوي سما قويا للفئران، أخذته من متجر عمي أحمد حين غفلت أمي عني ، دقائق وينتهي كل شيء ، دقائق ولن يبقى هذا الأذى، نهضت من مكاني ووقفت بجانب الباب ، أسمع صوت ارتطام الملعقة بالصحن ، وصوته الخشن المقزز ، أتمنى ألا ينجوا من السم الذي وضعته بصحنهما ، فان أرادت والدتي أن ننسى الحادثة فمن الأفضل أن يختفيا المسببان بالحادث أولا

الجزء الأخير

انتشلني أمين بصوته العالي قائلا : قَتَلتِهما بسم للفئران، أي عقل كنت تحملينه آنذاك ؟
لم تكوني طفلة أنت شيء آخر ، شيء مجرم وبلا مشاعر
فرددت باكية : قتلوني يومها ، كلاهما يا أمين ، لا أدري كيف فعلت ذلك ، لكنني لا أندم عليه ، فهما يستحقانه !
فقال: أتعلمين أن زائرك الذي يأتيك كل ليلة هو ضميرك أو ما تبقى منه على الأقل ، يأتي لك كي لا تنسي من أنتِ ؟ ولا ما فعلتِ ، لا شيء سيطهّرك أو يخلصك منه ، أعيدي الكرّة ، اذهبي للماء ، اجعلي كل أخطائك تطفو وتبتعد عنك ، حققي ما أردت ذاك اليوم ، يوم قتلتهما !
فقلت : كنت أريد أن أعود لطهارتي وطفولتي التي سلبت مني دون ارادتي !
فقال : حين كنتِ بذاك الحمام وبعد أن هدأت أصواتهم ، فمنذ ساعتين وأنت تنتظرين، ذهبت لحوض الاستحمام الممتلئ بالماء ، ودخلت فيه ، تسللت لك كل قطرة من الماء ، تتساند كي تحمل روحك لعالم آخر ، هناك قد تزول كل الجروح التي أدمت روحك وقلبك الصغير، لكنك تعيسة الحظ بالكامل ، فقد أتى خالك بذاك الوقت وكان معزوما على الغداء ، ولم يفت الأوان لإنقاذك، لكنه كان متأخرا لأمك وزوجها ، لم يشك أحد بكِ و ظنوا أنك وقعتِ بالحوض وليس انتحارا لصغر سنك !
نظرتُ إليه متعجبة وقلت : تعلم أكثر مما يجب يا ولد .!
فضحك على قولي هذا وقال : يا عزيزتي أنا لست بصغير ، أنا زائرك الليلي الدائم ، لكن هذا شكلي بالصباح ، أنا الذكرى التي تريدين أن تنسلخي منها لكنها تلتصق بكِ أكثر ، أنا الطفل ذو سبع سنوات بك ، لم يكبر ولم يهرب ، ولم تستطيعِ التخلص منه، ولا مجال لذلك، أنا هنا كي تخلّصي روحك من هذا العذاب، اذهبي للمياه ، فأنا لن أمدّ يدي كي أنقذك مثلما فعل خالك!
ثَبَّتُ ناظري عليه وتراجعت للخلف نحو البحر ، حان وقت الخلاص ، فلتنتهي هاته الحياة الرمادية ، أسحب رأسي تحت الماء ، أرى كل شيء بالسواد فقد تسلل الظلام مني إليه ، فليأخذ بأدراني ويعطيني زرقته و صفاءه ، أرخيت كل ما بي ، أشعر بالورد يحيا بداخلي، ويحثّني أن أغمض عيناي ، وأغوص بعمق ، الآن أنا بمرحلة من الأمان والراحة اللتان احتجتهما من أمي لكن البحر قد قدمهما إلي .
الآن عاد الورد لورد ،يطفو جسدها على سطح الماء ،وغادرت روحها لبارئها بصمت مثلما أرادت.

التعليقات