أخر المقالات

صور الماضي وزهور الأوركيد

صور الماضي وزهور الأوركيد
=================
كان يسير وحيدا في يوم ممطر!
ثم تواري من ضربات الأمطار وجلس في زوايا إحدي المقاهي وفي الصوب تقابله لوحة فنية تشده جذبة خاطفة أخذته من مكانه، إنغمر بألوانها طريحا بين زواياها لكنه لم يري منها شيئاً
حيث غشيت ألوان اللوحة بصره، وطارت به لصور أخري قريبة من ألوانها وأخذ يتأمل في تفاصيل أخري.. إلي حيث عالم طفولته

، سرح بخياله كيف كانت الحياة قبل ان تكبر عيونه وتبرح حديقته الصغيرة وزهو ثوب الأعياد
، لوحاته كانت شبيهة بتلك اللوحة المعلقة، وكان يدسها بحقيبته الصغيرة لتعلو جدران غرفته ويهدهده النوم علي أنغام فيروز كل مساء
لكن صوره هو تملؤها زهور الأوركيد وأشجار يانعة وفي الخلفية خضار هادئ، وتظلها سماء فضية وفيروزية ولوحات أخري مثل بيوت وممرات وأزقة يطوقها بنايات ووجوه تضحك تطل من بين شرفاتها
ومن سم صعقته الأمطار علي رأسه فاغتالت خيالاته وانقشعت ذكرياته
فجلس بمقعده يري المارة ويتأمل في الشوارع والناس تمشي فيكبر عالمه الصغير وتغيب عن بصره الألوان المزدهرة وتتبدل إلي عالم غير مضياف للبشر ولا لبراعم زهور الأوركيد التي كان يرسمها صغيرا.!

فهاهنا البراعم بدت تتسلق الأسوار وتتخبي في الطرقات مثل الزواحف في مشهد أقرب للبدائية في أحواش حدباء حيث لا مكان هنا للطيور ذوات الريش الملون
عيون الاطفال والكبار حزينة والفقر ينخز جنبات الشوارع الضيقة وعيونهم تفتقر للذكاء
وكأنهم تحت وطأة حملة صيد ممنهجة تصطاد أحلامهم ويقف علي رؤسهم كبير الصيادين ليقنص آمالهم

يري السواحف منطلقة تطارد الحيوانات البرية الأصيلة وكما ولت سنوات العلماء والباحثين عن صيد حيوانات أليفة لصالح عالم أفضل ولت أيضا المدن الغامرة بالفرح تضج بقناصي البراعم لصالح عالم يشبه عالم الحيوان

مضي بعقله حسيرا متأملا درجات مختلفة من البشر تعلو جباههم تقسيمات الزمن بملامح متجهمة وغاضبة وتخبو البسمة شفاههم وأخذ يتأملهم مثلما تأمل لوحته التي تشبه لوحات (طفولته)
وإذ بهم يتنقلون بمخيلته من فصل الشتاء إلي فصل الخريف

وفي طرف اللوحة رسمت عيناه خيوط تذكره بنساء كن يوما جميلات وأبسطهن ذوات ألق ألمعي مثل نجمات هوليودية شرقية أنيقة، تحظي الطبيعة بحضورهن القوي
أضحوا يلتحفن السواد يخفن افتراس الأعين وكأنهن في منفي سائرات خائفات لكنه لمح منهن ثائرات غاضبات مازلن يحملن نفس القوة الراسخة داخلهن منذ الأزمان الغابرة، مثل مدن عتيقة لا يقدر عليها محتل

ليرسمن مشهد آخر جديد يتخلل اللوحة

تطل عليه إمرأة جميلة لكنها عجوز ذات طلة رائعة كأنها تعوضه خواء المدينة ذو الملامح المتجهمة والنساء الموشحات بالسواد فيكبر الضؤ ويتواري الظلام عن بصره بطلتها الحسناء
وتقص له قصاصات كما الطفل بمشاهد موصولة من مسقط رأسه روايات تملأ ثغرات غربته، وأحداث من وقائع تاريخه القريب

فتقول له : هات أخبرك يابني عن قصة تلك المدينة
هي مهما حدث وتغيرت فلن تظل أضوائها خافتة هكذا فهي تحمل في مكنونها ذاكرة وخلقت بخصوصية فريدة وصور مستمدة مع روعة طبيعتها الأزلية التي مازالت تعلق في ذهنك .. كان الأمر كذلك في الماضي وتغير وسوف يتبدل ويشرق في القريب القادم .

وأشارت بيدها وقالت:
من قبل كانت هنا بيوت ونوافذ عالية بزجاج فضي لؤلؤي ومصابيح بزجاج ملون وأسطح مكللة بزهور الأوركيد وكنت أعيش في تلك الدار المحمية وكأنني أعيش داخل قصر وبعدما رحل حبيبي رحلت معه تلك الصور والتابلوهات الجميلة، صارت أطلال، كل الأحياء في نظري قديمة وباهتة وعشت سنوات هكذا
، ثم انقلبت الحياة في نظري في لفتة عين مثل مدينة سفلية كل ما فيها صار مقزز وأضحت النوافذ يعلوها وجوه باهتة، والشوارع تكسوها وجوه شاحبة وشوارع ذات رائحة كتلك التي تأتي من قبو بارد وتلك العيون وتلك النظرات وتلك السيدات وهذا الصخب وتلك الأيدي المتلامسة وتلك ....
وكأن الناس قد أتوا من عالم آخر لا يعرف شيئا عن ذاك الجمال وتلك المدينة
وختمت :
هنا أيقنت أن صورتي المحببة ذهبت وتبدلت ربما يكون الفقر!
لا لا تتحسر ولا تلعن الفقر يابني

وتضحك قائلة:
ولا تحسبني سأقول فقر المال !!
لا ياولدي فالمال يعوض، لكن تذكر بالماض ماذا حدث واقرأ تاريخ القرون الوسطي ومدينة غرناطة وكل الصور المماثلة بعيدة وقريبة ستجدها شبيهة..

فقاطعتها وماذا تغير اليوم معك؟
قالت : تقصد ملبسي وزينتي

قال: أراك في صورة بهية مشرقة مثل الأمهات في الماض القريب حتي ظننت أنك غريبة عن هذه المدينة مثلي !
تقول: شاهدت صور الماضي وبدأت أن أحياها

يقول: انظري هناك تلك التحفة الفنية مشيرا الي اللوحة المعلقة التي لم يلتفت لها أحد، مزدرين روعتها..
فماذا تغير؟ !
قاطعته: بدأت أصافح الشمس كل نهار لأقابل كل البائسين وأقص عليهم صور الماضي لعلهم يستعيدون صورتهم القديمة
هنا سكتت ..
قبلت رأسها وغادرت العجوز الأنيقة لتكمل مسيرتها غير مغتبطة بقدوم الربيع. !

أما أنا فتحت عيناي ثانية علي تلك الصورة الرائعة المعلقة صوب المقهي .

التعليقات