الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

مفهوم الشعر في فكر الدكتور محمد حسن كامل..

حين تسمعه تكاد تجزم بأنه شاعر؛ ففيه من هدوء الصوت، ورهافة الحس بالكلمة التي يسوقها، إلى جانب حرصه في البحث عن المفردة المناسبة التي تتميز بالبلاغة الراقية، يستعذب الحديث المتناغم مع الفكر في أريحية كأنه يلقي قصيدة..

إنه الكاتب والمفكر الموسوعي العالمي الدكتور محمد حسن كامل المصري الجنسية، السكندري المولد، الفرنسي الإقامة الذي يتميز بغزارته الفكرية، وتنوعه الثقافي، وانفتاحه اللا محدود على العالم دون إحساس من دونية أو نقص بل باستعلاء المنتمي لحضارة مصرية قديمة، وعربية، وإسلامية قادت العالم وتسيدته لقرون تطاولت وإن انتهت سيادتها فمازالت تفرض عمارتها وفكرها وفلسفتها وكتابها المقدس في كافة أروقة العلم والفكر والفلسفة والأدب.

عاش مفكرنا الكبير طفولته وصباه في درة تاج الدولة المصرية "الإسكندرية"، تلك المدينة الكوزومو بوليتانية "الكونية"، التي تحتضن العالم وتعبره إلى مرافئ ثقافات الدنيا، والتي تتميز بأن للشعر فيها نكهة خاصة عبر عصورها المتطاولة في الفترة الهللينستية، والعصور الوسطي الإسلامية‏، ولا ننسى‏ الشاعر السكندري اليوناني "قسطنطين كفافيس" الذي تشبع بالعصر السكندري الذي كان يعكس امتزاج الثقافات والأجناس.

وهو الأمر الذي ترك أثره في شخصية الدكتور محمد حسن كامل الذي سيبدو حين يتعامل مع الشعر تذوقًا لا كتابة، غير أن الروح الشاعرة التي تستبطنها جوانحه جعلته نهمًا لقراءته والتعاطي معه من هذه الزاوية، وهي الانفتاح عليه بلا قيود وبرحابة نفس تأملًا، وحفظًا، واستشهادًا بأبياته.

حين فاز الدكتور محمد حسن كامل بكتابة مقدمة ديوان شعراء مصر، مشروع ديوان الشعراء الألف وصفه بأنه عمل تاريخي لكونه يأتي كنسيج طبيعي لذاكرة الأمة العربية بعمقها التاريخي والجغرافي والثقافي والحضاري معًا في حزمة متجانسة واحدة.

كما رآه عمل عبقري جماعي يضم كل ثقافات الوطن العربي من الألف إلى الياء، ذلك أن الفن هو المذكرة التفسيرية للإبداع الحضاري والإنساني عبر شهيق التاريخ وزفير إبداعه.

تناول الكاتب الكبير دكتور محمد حسن كامل مفهومه للشعر باعتباره "سيد الفنون بلا منازع، ومنصة الإبداع التي لا تُضَارع"، غير أنه عكف على استخراج معنى جديد للشعر حين يُدخِلهُ من باب الفن، الذي يُعَرِّفهُ بأنه: (الفن خلطة سرية، يخلطها الفنان بِنسَبٍ خاصة بين الخيال والواقع، والمشاعر والتطبيق، والفكر والهدف، والابتكار والزمن ليُبرز قيمة فنية عُليا يتربع بها على عرش قمة الإبداع).
وقد يُدهش القارئ حين يراهُ يتناول بديهية حول الفنون التي تُقسَّم إلى سبعة أقسام وهي: النحت والعمارة، والرسم والزخرفة، والتلوين، والموسيقى، والأدب والشعر، والرقص والمسرح، والسينما. ولكن العُجب والدهشة ينتهيان ببيان مراده من إيراده لهذا التقسيم، بقوله: (والعجيب، أن كل هذه الفنون تذوب في بوتقة الشعر).

ولكن هذه العبارة المجملة تحتاج إلى تفسير، ولهذا فهو يعقب عليها ليقطع على من ظن أنه يأتي بهذا الوصف كأنه بلاغة جوفاء، فإذا هي سَنحةٌ من سَنحاتِ الفكر محُكَمة، ومقصودة، يرميها رامٍ يعلم بُغْيَته ومرماه، فيقول:

(في الشعر طاقة ساحرة يمكن بها أن تجد كل الفنون السابقة فيه، الشعر ينحت القصيدة، ويبني العمارة، ويرسم اللوحات التعبيرية والتأثيرية من كل المدارس الفنية الكلاسيكية والحديثة. الشعر زخرفة وألوان وزمان ومكان. الشعر موسيقى وألحان. الشعر رقص وتمايل وإيقاع على مسرح الحياة. الشعر سينما مجسمة ذات الأبعاد السبعة من طول وعرض وعمق وزمن وسرعة ومشاعر وفكر).

والرجل ذواقة للشعر، ولذا فهو يعلم له دوره، ومتخصصٌ في الأدب يعلم له دوره أيضًا، ولهذا جمع الأدب مع الشعر صنوان من حيث الأهمية والدور الذي يلعبه كل منهما في حياة الأمم وتاريخها عبر العصور المتباينة، فيقول:

(وإذا كان الأدب شاهدًا على العصر بكل ما فيه من أحداث؛ فإن الشعر هو العدسات الدقيقة التي ترصد الخيط الرفيع في النسيج الفكري والثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتاريخي والفني والإبداعي للأمة. من هنا ندرك أهمية هذا العمل الجماعي الذي يرصد حافلة التاريخ المعاصر في تلك المرحلة الدقيقة التي يمر بها الوطن؛ إذ نافذة الشعر ترصد كل كبيرة وصغيرة في رئة الزمن).

كما يعلم الدكتور محمد حسن كامل أن المسيرة الشعرية في العالم لا ولن تتوقف قواربها عند مرفأ شاعرٍ واحد ثم تأبى الرحيل، ذلك أنها لا تعرف سوى الإقلاع ثم الوصول ثم معاودة الإقلاع في رحلة لن تتوقف بين قرائح الشعراء إلا إذا توقف حراك العالم أجمع حين يرث الله الأرض ومن عليها، فيقول:

(والسابح بين بحور الشعر وجزر القوافي، يصادف مَحاَراتٍ إبداعية تداعب الغواص عالقة بصخور الإبداع لم يصل إليها أحد من قبل).

إن الإبداع عند الدكتور محمد حسن كامل هو: (فن صناعة الدهشة لأطول فترة ممكنة في تاريخ الإنسانية).

ومن هنا فالرجل الذي سار مع ساحل البحر المتوسط من الإسكندرية حتى باريس، لا يرى في العمل الأدبي الإنساني سوى الانتقال من المحلية إلى العالمية في رحلة كونية تدور مع الإنسان وحوله من حيث كونه "إنسان" مهما كان تنوعه الثقافي، فيقول:

(العمل الأدبي عندما يهتم بالإنسان كونه إنسان بغض النظر عن اختلاف اللغات واللهجات ويعبر المحيطات، ويقفز من فوق السدود والحدود.. قد ينطلق من المحلية ليصل إلى العالمية.. الاهتمام بالإنسان هو محور العمل الأدبي بكل روافده).

إن الدكتور محمد حسن كامل يعوِل في مفهومه للشعر على الصورة وهو ما يأتي اتفاقًا مع النقد الغربي في جانب منه حين يربط بين إبداع الشاعر والصور التي يزخر بها عمله انبثاقًا من حالته النفسية المرهونة بتوقيت الإبداع.

كما أن مفهومه يرتكز على التشكيل الذي لا ينبني على علاقة واحدة تجمع بين الرسم والشعر، ولكن بصورة كلية رصدها الكاتب بوعيه من حيث تصور القصيدة، مهما كان شكلها: عمودية أو تفعيلية أو نثرية، بأنها مفهومًا بنائيًا تتناغم مفرداته طوعًا لتكوين النص، تاركة لمبدعها مساحة وافرة من الحرية في التعبير عن رؤاه من خلال إثرائها بحزمة من المرتكزات الفنية التي تتعانق مع كافة الفنون الأخرى تلقيحًا وتعلقًا، وتعميقًا وتنضيدًا وتخصيبًا وتصويرًا وتشكيلًا بحيث تسمح للمتلقي أن يقرأها في فضاء أوفر مساحة من الخيال وأرحب، وبحيث تنسجم رؤية الشاعر الإنسانية مع الإنسان الذي يخاطبه في محيطه الجغرافي المحلي كالذي يخاطبه في كل أرضٍ في عالمنا الواسع، وليس في زمنه فقط بل يتخطى حواجز الزمن إلى القادم أيضًا، حيثما سيوجد الإنسان في كل زمان ومكان، مما يخلق للشعر ديمومته، وتواصله، وإنسانيته.

التعليقات