الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

المد الفارسي بين الحقيقة والواقع “1”

الكاتب : محمد الشحات


في ظل تضارب قاتل وثقب في القلب السياسي “الايراني الخارجي” وعلاقتها بحماس ، لوجيستيا ومعنويا بين القائلين بعداوة الحرس الثوري الإيراني لـ “حماس” والقائلين بـ “أخونة السياسة الإيرانية” ، نقاط سقطت أو أسقطت عن كاهل السياسة الخارجية بشكل عام ، وإهمال متعمد للجوانب الإستراتيجية المشتركة بينهما لـ”عدو إستراتيجي” على الجانبين “الجيوسياسي” و”الجغرافوديني".
خاطئ من يراقص الأفاعي ، كذلك من يعمم المصطلحات خلطا بينها وبين الوقائع والأحداث تمييعا للأيدلوجيات الحاكمة في فكر العامة وشذاذ الآفاق ممن خلطوا بين “راديكالية السياسة” و “ثيوقراطية الحكم والسلطان".
نموذجان وواقع تحرر عن كل قيد جماهيري أو عولمة لحراكه التطبيقي ، وبعيدا عن ضبابية التقية والإكراه الملجئ ، دماء تتحدث وأشلاء غرست ، طلعها الحقيقة ، وبعيدا عن الأنا السلطوية ودفئ العمائم سنية وشيعية ، ذوبانا ببحر الشفافية والإنصاف وحيدة الذئبنة الفكرية وثعلبية الحوار ، نحاكي الواقع من خلال ما تقدم وعلى ضوء الرؤى الحراكية لطرفي النظريتان وكيف أن إيران الثيوقراطية “كما وصفها البعض” إستطاعت الجمع بينهما في مفردة وسطية ، أسماها البعض ممن له مآرب ثيوقراطية على مستويي الحكم والسياسة بـ ” المد الشيعي ـ المد الصفوي – التغول الفارسي” ، ولكن الحقيقة أعمق من إدراكهم لتوصيف حال ذاك الناتج الذي أرعب الشرق والغرب ممن ينتهجون السلوك الثيوقراطي لفرض سيطرتهم على الدول والشعوب بإسم الله.
النموذج الأول: المملكة العربية السعودية
كإنموذج تمثلت فيه “الثيوقراطية” حكما وسياسة داخلية ودولية ، محاولة السيطرة على الدول العربية من خلال محاور ثلاث وهم كالتالي:
1- الكهنوت.
2- المال.
3- الطائفية.
أولا: الكهنوت
تتمثل الكهنوتية الدينية في إيهام السذج ممن لا يعملون العقل ، بأنهم حماة الدين ويحكمون بالشريعة وسدنة البيت الحرام وأنهم أهل الحق ورواده ومنطلق الرسالة .. تماما ذات الفكر القرشي القبائلي الذي واجه رسالة السماء بذات المبادئ والمعطيات.
حماة الدين يهدمون الدين بل يهدمون فكرة الإلوهية من بابها ، فعندما ننظر لهؤلاء وهم يستخدمون كل الوسائل لتمرير سلطتهم عبر خارطتهم الحدودية المحدودة ، من خلال نشر الفكر الوهابي ، لا لشئ سوى إيهام العامة أنهم أهل الولاية وحملة الشريعة.
فقوام الفكر الوهابي على أمرين ألا وهما:
1- مقاومة الشرك الخرافي في الأمة.
2- مقاومة شرك القصور في حكام الأمة.
قد يتعجب القارئ من ذلك التقسيم ، ولكن عندما نحلل الكلمات ونعبر من خلالها للواقع المؤلم الذي تعيشه الأمة الإنسانية بأكملها من جراء ذاك المخطط الذي يعجز إبليس عن صياغته فضلا عن تطبيقه ، فالشرك الخرافي وهو عبادة الأصنام والقبور والأولياء ، قد تبدد ببعثة النبي محمد “ص” ، إذن ما الدافع من إحياء دعوة إنكارية لشئ قد تلاشى؟
نقول أنه لبناء لبنات كهنوتيتهم كان ولابد من وضع حجر الأساس لبناء باطلهم ، فمن خلال هذا الإدعاء تم التمهيد لإجتيال الناس عن حبل نجاتهم الموازي لكتاب الله ، ألا وهو عترة نبيهم “ص” ، ولعلمهم الشديد بأن الناس بفطرتهم سيوجهون وجوههم صوب هذه العترة المباركة ، كان من بديهيات الهدم لهذه الفطرة ، إقناع الناس أن زيارة القبور والتوسل بالصالحين شرك وأن موالاة العترة بالحب دونما الإتباع والنصرة لهم والبراءة من أعدائهم ، فبذلك تحقق لهم الطرف الأول ألا وهو هدم وتكفير من كانوا على ولاية آل البيت لانهم مشركون ، مع تقديم الدلائل للعامة بأن الإتباع يتحقق فقط بالصحابة وذلك خلافا للنص ، وبذلك يتخلصون من شرعية أتباع آل البيت بالبيعة والسلطان.
أما شرك القصور فللتخلص من أي ولاء من الشعوب لحكامها ، لأنه من لم يحكم بما أنزل الله “كافر ، فاسق ، ظالم” ، وبالطبع كفرا وفسقا وظلما أكبر ، وكما شرعنوا تكفير محبي آل البيت ، نظروا وأصلوا لتكفير الحكام ، ليخلوا لهم الطريق للسيطرة على المجتمعات بإسم الله ، وأشاعوا أنهم الدولة التي تحكم بالشريعة حتى شاء الله أن يفضح أمرهم من خلال من دانوا بديدنهم.
ثانيا: المال
معلوم بالضرورة لمتتبعي التيارات الإسلاموية السياسية المحناة بمسوح الوهابية مدى البعد اللوجيستي لدولة آل سعود بهذا التمدد الوهابي في جميع الدول العربية بل والغربية فيما أسموه “المراكز الإسلامية” ، أما بالدول العربية فيتمثل المد الوهابي بـ “التيارات السلفية” ، في صورة قاتمة تحمل إسما مغايرا للمسمى ، فلا نعلم عن أي سلف يتحدثون وأي سلفية يريدون ، غير أن واقع حالهم يدلل بما لا يدع مجالا للشك أن سلفهم هم “الخوارج” وبالطبع لا أعني أنهم أخذوا كل أصولهم العقائدية من ذاك السلف بل أخذوا بعضه وخلطوه بإمامهم محمد بن عبد الوهاب ، وليتهم عملوا بأصول الخوارج كلا وجزءا لكان أمرهم أهون من فتيلا إحترق ثم إنطفأ دونما مجهود ، ففكر الخوارج واضح ويمقته العامة والخاصة ، ولكنهم خلطوا خلطا عجيبا بين هذا وإمامهم وصبيان التاريخ ، وما أهمني في هذه النكتة هو بيان كيفية التغلغل عن طريق المال وكيف إستطاعوا الربط بين منهجهم الحروري وبين عقول أبناء هذه الأمة المنكوبة برويبضة الفكر وسفاحي العقيدة؟.
لعبوا على عقول الأمة الإسلامية من خلال أيدلوجية البدائل منتهزين الغياب اللامتناهي لعلماء الأمة المغيبين خلف دهاليز الغالق الأرعوني “طلاح الدين الأرعوني” ، فقد بدأ خطته تحت شعار تحرير بيت المقدس ولا أدري ما علاقة التحرير المقدسي بمصر الممثلة في دولتها الفاطمية ، فقد أباد كل معالم الدولة الفاطمية حتى أنه جعل من المسجد الأزهر إسطبلا للخيول زهاء مائة عام ، ولكنه عجز أن يستميل الشعب المصري بفاطميته السمحة عن دينه وديدنه ، فابتكر أيدلوجية البدائل وكان لابد له من بديل يتقبله الشعب الذي أغرم بحب آل البيت “ع” فكان البديل هو “الصوفية” فبدلا من مجالس العزاء وإستذكار فجائع آل البيت “ع” كانت الموالد والأفراح والحلوى تقام في ذكرى قتل وتشريد آل البيت ، وبذلك إستطاع تحويل هويتهم العقائدية لمجرد “هوية إحتفالية” فارغة عن كنه ما أصاب آل البيت “ع” من عظائم الظلم والتشريد والأسى ، فتحول مجلس العزاء بذكرى قدوم الرأس الشريف ـ بحسب بعض المؤرخين والمحققين – “رأس الحسين” “ع” ، إلى “مولد” يقام برحاب رأسه الشريف معمما بالرقص والموسيقى والترضي على قاتليه ، وتحول مجلس العزاء بمظلومية السيدة زينب “ع” إثر فرارها بدينها من طاغية عصرها إلى “مولد” برحاب قبرها رقصا وطربا وترضيا عن طاغية العصر ومستحل مدينة رسول الله “ص” ، نجح بكل جدارة “غويلم” أن يحول مسار الولاية إلى نقائضها.
كذلك نجحت دولة آل سعود بالإستفادة من تجربة الغالق الأرعوني ولكنها تميزت عنه ، إذ البدائل لديها عقائدية بأصول سقفية ، وها هم يقولون بأن “أسامه بن لادن” كان فلتة خرجت عن عباءتها ، تماما كما قال الثاني عن خلافة الأول أنها كانت فلتة وقى الله المؤمنين شرها.
لا ضير في فسفساتهم الكلامية ما دامت مخترقة لصدر الأمة ، والإتهام والتسفيه والتنكيل لكلمات خرجت مخرج الإصلاح في أمة النبي “ص” ، وكانت البداية التوسعية لآل سعود في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر ، إثر محاكمات الإخوان بقضية العصر عام 1956م ، إذ إنشق سيد قطب عن تنظيم الإخوان الإصلاحي ليشكل أول نواة فكرية وتنظيما عقائديا قائما على إزالة الطاغوت الأكبر “الحاكم الذي يحكم بغير شريعة الله” بحسب منظوره الأدبي والفلسفي وبعيدا عن روح الشريعة والرعيل الأسمى “عترة النبي” بدأ يؤصل لما أسماه “صفاء النبع” منظرا ومؤصلا بإتجاه صحابة النبي دونما الإلتفات لعترته وبعيدا عن سمو غايتهم ، مع جهالته بعدم عصمة صحابة النبي دونما الإستقاء من ينبوع العصمة “آل بيت النبي” “ع” ، ومن ثم أسس قاعدته التالية “العزلة الشعورية” تمهيدا للإعتزال عن المجتمعات المسلمة وترسيخا لتكفيرهم في الحس “اللاواعي” لدى مريديه ، لينطلق بمنظومته التنظيمية لتغيير الواقع الكافر ، تماما كما يفعل التكفيريون أمثال “داعش وبوكو حرام ومن سار على دربهم” ، وكان من رفقاء دربه “عبد المجيد الشاذلي” الأب الروحي للقطبيين ، فقد أخذ أفكار قطب وخلطها بأفكار “ابن تيمية” ولم يكتفي بل بدأ بإستنباط أحكام محايدة لقطب فكريا ومغايرة له حراكيا ، ولن نتغول في نظريته العقائدية والفكرية لأن الأمر بحاجه لإفراده بعدة مقالات ، ولكنني سأنتقل إلى رائد آل سعود إن لم يكن بالمنطقة كلها فبمصر على وجه الخصوص ألا وهو “محمد قطب” شقيق “سيد قطب” والذي إتخذ من أفكار شقيقه معبرا للتربية الذاتية وإعدادا لكوادر الطليعة السلفية بالسعودية أولا إذ رحل إليها ، حيث كانت السلفية التقليدية “الوهابية” هي المسيطرة على المجتمع السعودي أنذاك ، فبدأ بالتأليف على غرار أفكار شقيقه دونما الإقتراب من التنظير التنظيمي فتغلغل بالمجتمع السعودي واستطاع التأثير في كوادره العلمية ذات الوجاهة الدينية أمثال ” سلمان العوده وعائض القرني وناصر العمر” أما “سفر الحوالي” آخر الشيوخ النجديين فقد ذاب لشوشته في أفكار الشاذلي فانفصل عن أقرانه السابقين ، وبذلك أصبحت السعودية يمثلها “السلفية التقليدية – السلفية التربوية على غرار محمد قطب – السلفية التيمووهابية على غرار الشاذلي”..
ومن هنا تم إقتسام الدعم اللوجيستي بالمنطقة خصوصا وبالغرب عموما على محورين أساسيين ألا وهما:
1- الدعم اللوجيستي من قبل الدولة وهو خاص بـ “السلفية التقليدية”.
2- الدعم اللوجيستي من قبل المؤسسات التي يمثلها أفراد لهم إنتماء لـ “السلفية التربوية والسلفية التيمووهابية”.
الدعوة السلفية
فكان للدعوة السلفية بالإسكنرية ، ومن أبرز قياداتهم التوجيهية “ياسر برهامي ، سعيد عبد العظيم ، أحمد فريد ، محمد إسماعيل المقدم ، أحمد حطيبه ، يونس مخيون رئيس حزب النور” والكثير غيرهم نصيب الأسد من الدعم اللوجيستي من قبل الدولة السعودية ، لتوافقها الفكري والحراكي مع “السلفية التقليدية” هناك.
ولم لا وقد أسسوا دعوتهم على الولاء المطلق لآل سعود “سدنة البيت الحرام وحماته وحاملي راية الشريعة حكما” – بحسب منظورهم – فكان من جراء ذلك ، التحول الحراكي عقب ثورة يناير إذ غيروا أحكامهم السابقة بشأن ممارسة العمل السياسي وإنشاء الأحزاب على أساس ديني ، فقد كانوا قبل ذلك يحرمون الإنتماء للبرلمانات التشريعية سداً لذريعة الشرك إذ أنه وبحسب توصيفهم الشرعي للعمل البرلماني أنه تشريع مع الله!!
أما سلفية القاهرة مختلطة التوجهات ما بين “السلفية التربوية والسلفية التيمووهابية” والتي بدورها أسست أقوى جدار ناري ضد نظيرتها بالإسكندرية فباتوا يعلنون ومن على منبر مسجد “التوحيد” بالقاهرة التبديع للأخرى ووصفهم بـ “مرجئة العصر” ولم لا فهؤلاء متحرري الفكر عن أغلال مؤسسة آل سعود وقيودهم اللوجيستية ، وكان على رأس ممثليها فكريا وتنظيريا “فوزي السعيد ، محمد عبد المقصود ، نشأت أحمد” والعديد غيرهم ولكن هؤلاء أبرزهم وأنشطهم وأبغضهم للتيار السكندري بحكم تبديعهم إياهم.
وهناك الكثير من التيارات السلفية ما بين هؤلاء وهؤلاء مما لا يتسع المجال لذكرهم إذ سنكتفي بمن إرتقوا لحد التأثير الجماهيري والتغلغل لإحداث ثقب سياسي موجه لخدمة آل سعود و”الصهيو – أمريكية” بالشرق الأوسط..
وتتالت الأحداث وصولا لما بعد ترشيح الإخوان لـ “الرئيس محمد مرسي” ولأن سلفية القاهرة تضع منذ نشأتها إزالة الحاكم “المستبدل شريعة الله بغيرها” نصب عينيها فكانت في الطليعة المتحالفة مع الإخوان حياةً وممات ، فكانوا لا يتاونوا لحظةً عن نصرة الإخوان ظاهراً وباطناً مع جواز الخلاف على ألا يطفو على السطح السياسي ، أما سلفية برهامي فكانوا حليفا على الحلوةِ فقط مع عملهم على إثبات ولائهم لأي قوةٍ تظهر كبديل للإخوان فكانوا في أولى الطلعات الجوية التي تسببت في ضرب الإخوان فإنشق عنهم “سعيد عبد العظيم” ليلتحق بتحالف القاهرة مع أنه مغايرا لهم منهجيا وعقديا ولكنها العاطفه العاصفة بصاحبها للفرار خارج حدود بلاده…….

التعليقات