الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

وللفراق موانئ

الكاتب : محمد البابلى

قصة قصيرة لـ / محمد البابلي
يقف ديفيد على المرسى الصغير والوحيد الذي يؤدي إلى بلدته وبجواره بعض العمال الذين يعملون معه في حمل حقائب المسافرين والعائدين إلى البلدة القادمين من الميناء الكبير على باخرة وكذلك الذاهبين إليه.
وكان لديفيد بعض التقاليد الغريبة غير باقي زملائه في العمل. كان يحدِّقُ أولا في وجوه العائدين وكأنه ينتظر أحدهم، ثم يمارس عمله يائسا في حمل الحقائب. يُقال إن له حبيبة غادرت منذ أكثر من عشرين سنة ولم تعد من وقتها لذلك كتب على جدران حجرته التي تشبه الكوخ في أول المرسى بالخط العريض "إن عدتِ ولم تجديني في استقبالك فاعلمي بأنني مِتُّ" وتوقيعه ديفيد ولقبه الكاثوليكي اللعين وكأنها كلمة سر لا يعلمها إلا القليلون.
الجميع يعلم أن ديفيد ترك دراسته في الحقوق وعمل بالميناء من عشرين سنة تقريبا لأسباب غير معلومة ويقبع بتلك الغرفة في الميناء تاركا بيته الكبير داخل البلدة يكتب خطابا ويستمر في صياغته طيلة الموسم ثم يدخل به البلدة ويعود من غيره بمعدل أربعة خطابات في العام الواحد لمن؟ لا يدري أحد.
وفي ليلة عاصفة وماطرة يفر الجميع ليختبئ كل منهم تحت جدران بيته إلا ديفيد وقف في الظلام يصارع بداية شيخوخته ونظره الذي ضعف مؤخرا بعد أن عبر النصف الأول من عقده الرابع ويعكس ضوء السماء زخات المطر وكأنها خطوط منتظمة معقلة مثل الأسلاك الشائكة فتتشكل في عيونه وكأنها شباك تسقط عليه من السماء لا يرى من خلالها مخرجا ولا يرى ما خلفها وظل يدور حول نفسه سقط على الأرض مستسلما.
وفي الصباح يراه أحدهم ملقى على الأرض وسط بركة من الماء مغشيا عليه فيستغيث بآخرين ويحملونه إلى المشفى القريب المزدحم بالجرحى العائدين من مناطق الصراع بالحرب العالمية الثانية وبعد يوم واحد تأتي باخرة إلى المرسى ويقف الجميع لأول مرة دون ديفيد وينزل المسافرون العائدون إلى البلدة فوقفت سيدة يرافقها ابنتها وابنها الصبي أمام غرفته تقرأ تلك الجملة حتى سقطت عيونها على التوقيع فنطقت بصوت عالٍ ديفيد أيها الكاثوليكي اللعين ، فاندهشت ابنتها وسألتها هل تعرفينه يا أمي ولم تجيبها ولكنها سألت حامل الحقائب هل مات ديفيد؟ فأجابها لا ولكنه بمشفى البلدة بعد أن سقط بالأمس، فسألها ابنها الصبي: هل هو لعين حقا يا أمي؟ فأجابته لا بلا كان حنونا ولكنه لقب أطلقناه عليه حين كنا صغاراً وتمتمت هامسة ماذا فعلت بنفسك يا ديفيد! وعادت ابنتها للسؤال أليس عليا زيارته في المشفى يا أمي ما دمتِ تعرفيه؟ أجابتها بلى ولكن علينا أن نستريح أولا بالبيت بعد توضيبه للمعيشة كذلك سألها الصبي هل لكِ اسم هنا غير الذي نعرفه يا أمي؟ أجابته نعم هنا ينادونني بـ " جين " وليس جي ان بيت كما تعرفونه.
ذهبت جين وأبناؤها إلى البيت القديم ثم استعانوا ببعض الخدم والعمال لسرعة توضيب البيت وبعد أن أعدوه للمعيشة وكذلك أعدوا الطعام غادر الجميع وظلت " جين " وابنتها "كاري" وابنها "طوني" في غرفتها القديمة تستعيد الذكريات مبتسمة وتشرح لأبنائها كيف كانت مرحة ومتألقة قبل المغادرة وقبل أن تتزوج بوالديهما " بيت " الذي انتسبت إليه لقبا وعادن بهما بعد وفاته خوفا من امتداد رقعة الحرب فتصل إليهم بعد أن نالت من والديهما المهندس " بيت " ، وفجأة تمسك بخاتم من فضة أهداه إياها "ديفيد" في عيد ميلادها قبل سفرها بعام فتسرح بعيونها وعقلها وتسأل نفسها في همس: من التي كان ينتظرها ديفيد وكيف وصل إلى هذا الحال من بعد طموحه في دراسة القانون ! ربما ينتظر زوجته أو ابنته كنت أعلم أنه سيحب غيري في يوم ما ولكن يبدو أن هذا الحب كان هداما لابد من زيارته لأعرف منه ما حدث له.
وفي اليوم التالي قررت الخروج وأبناءها للتسوق وزيارة "ديفيد" وبجوار البيت لمحت صندوق بريدهم ذا الواجهة الصدئة واقتربت منه لتفتحه ثم راجعت نفسها بسؤال من سيراسل أسرة مهاجرة وبيت مهجور؟ وانطلقت مع أبنائها ثم إلى المشفى لترى ديفيد ويراها غير مصدق نفسه حتى تحدثت إليه: مرحبا أيها الكاثوليكي اللعين، انتقض ديفيد: "جين" محدقا في وجهها ووجوه أبنائها مرتديا نظارته الجديدة.
فأجابته: نعم "جين" سابقا وجي ان بيت حاليا، وهؤلاء ابنتي كاري وابني طوني. فتلعثمت الكلمات في فم "ديفيد" وغرغرت عيونه بالدموع وتمتم بكلمات غير مفهومة: عشرون سنة والفارق يوم واحد.
واسترسلت جين لتستكمل الحديث: أيها الرجل لن أسألك عن حالك فقد رايته، من تلك المرأى التي تستحق ما فعلته بنفسك، من تلك المجرمة التي نزعت منك الطموح وجعلت منك حمالا بدلا من محام ناجح، لو رايتها سأكون اول من يقتلها، كان عليك أن تلعنها بدلا من انتظارها حتى الموت، يا لك من احمق، هل كنت ستفعل هذا معي لو كنت انا في مكانها، لا أعتقد لأنني فقدت الأمل فيك حين غادرت ولم تكب في صحبتي وكنت في أمس الحاجة الى وجود ديفيد الحنون جواري.
ارتكن ديفيد على سريره محبطا في حالة ذهول كالذي تلقى في صدره مائة طعنه من خنجر مسموم.
وبعد حديث طويل لـ جين لم يسمع منه كلمة واحدة بعد الذى سمعه غير كلام الختام التي تشير فيه الى العودة مجددا حيث كانت عندما تهدأ الحرب، ثم قبلته في جبينه وغادرت مع أبنائها عائدة الى المنزل.
ظل ديفيد ساهما محدقا بالسقف لا يرى غير خيبة امله، لقد بكى كثيرا حين غادرت وتحطم قلبه حين عادت، ومرت ساعات وهو على نفس حاله يدور ما يدور براسه وبعدها نهض جالسا ومسح زجاج نظارته الغائم بالدموع كغيام المطر على النافذة وغادر المشفى.
بينما عادت جين وابنائها الى البيت وبعد العشاء ذهب الأبناء الى النوم الذى جافاها فجلست بجوار المدفأة المشتعلة بالحطب تراجع حديثها مع ديفيد وتتحدث الى نفسها: - لم ينطق بكلمة واحدة طول زيارتي، كذلك لم يعقب على تأنيبي له ولم يمدح حبيبته ولم يذمها، يبدو انه أحبها اكثر مما أحبني أشعر بالفضول، لا، بل أشعر بالغيرة، لماذا أصر على الصمت ولم يتبادل معي الحديث ربما ... ربما ماذا ، لا ،لا يمكن التفكير في حب رجلا متيم بإحداهن لدرجة الموت في سبيلها ،، ولم لا إذا كانت مغادرة ولن تعود.
آه من صمته الذي يقتلني ولولا خجلي من الأبناء لأجبرته على الحديث الي.
ديفيد، أيها الكاثوليكي اللعين لماذا لم تحدثني، يبدو ان الفراغ هو الذي يقتلني وليس ديفيد وحده، ولا أجد ما اقرأه ليذيب ذلك الارق، لا كتاب لا مجلة لا خطاب.
ثم صمتت قليلا. صندوق البريد. ربما أجد فيه رسالة أو اثنين من بعد مغادرتنا اقرأهم للتسلية.
وذهبت الى الصندوق وفتحته بعد صعوبة لتجد فيه أكثر من ثمانون رسالة فحملتهم الى الداخل وجميعهم مكتوب عليه من الخارج نفس جملته على الكوخ أو الحجرة (إن عدتِ ولم تجديني في استقبالك فاعلمي بأنني مِتُّ) فارتعشت يدها وهي تفتح أحدهم عشوائيا في حالة ذهول لتعلم منه بانها الغائبة التي كان ينتظرها ديفيد كل هذه السنوات من عمره.
فرتبت الخطابات طبقا للتواريخ وقررت قراءة البعض منها حتى تذهب إليه في الصباح بدأت القراءة رغم دموعها التي تنساب بلا توقف وتؤثر على رؤيتها، كذلك تبلل الورق عند سقوطها، ثم استثنت الكثير من الخطابات، بل اغلبها لتتابع آخر الأحداث لتصل الى خطابه الأخير الذي وضعه قبل أيام، وكان ينبئ بشيء ما انتابه من اليأس في محتواه الذى قال فيه: - حبيبتي جين، أتمنى ألا تقرئي كل خطاباتي التي كتبتها منذ مغادرتك البلدة الي هذا الخطاب، لأنني أعلم بأن وصولها ليديكِ يعنى عدم وصولي إليكِ بموتي، وإن حدث العكس فسوف احرقها قبل ان تقرئيها، وأكتفي بقص القليل من محتواها وما تحمل من قسوة عانيتها في غيابك.
حبيبتي، لقد عاد السيد "جوش" الذي كتبت لك عنه منذ خمسة أعوام حين حملت حقيبته اثناء مغادرته البلدة ويقيني بأنه سيعود.
ها هو قد عاد وبنفس الحقيبة ونفس محتوياتها، وحملتها أيضا ولكن ليس بنفس قوتي، كادت ان تقسم ظهري بثقلها ويبدو انني هرمت مبكرا وأنا في عامي السادس والأربعين.
حبيبتي، لقد عاد السيد "جوش" والسيدة "جانيت" والسيد "جيمس" ولكنك لم تعودي، وأخشى على بصري من الضعف فتمري من جواري دون ان أراكي.
كم أتمنى بأن يكون خطابي هذا الأخير، وينتهي الأمر بموتي أو بعودتك، لذلك لن أحك لكِ أحداث هذا الموسم لأنه الأسوأ بالنسبة لي.
حبيبتي، لقد ادخرت من ميراثي وعملي مالا كثيرا ووضعته مغلفا بالأكياس في صندوق محكم عند الزهرة التي كنا نتابع نموها في تلك الحديقة التي تعرفينها، هو لكِ من الآن عندما تقرئين الخطاب بدوني، وإن قرأه غيرك فعليه البحث ولن أكون حاقدا عليه ان وجده من دوننا، شرط ان يخلد ذكرانا ويحكي لمَن بعده قصة رجلا أخلص في حبه حتى قضى عليه الموت.
وأخيرا أُقرئك السلام، وأقرئه لنفسي ولن أقول وداعا فنحن لم نلتق بعد.
انتبهت "جين" بأنها لن تستطيع قراءة حرف آخر بعد ان كست الدموع عيونها بغزارة لدرجة انها بللت الخطابات، ثم نهضت بين ذهاب وإياب تترقب الفجر حتى شعرت بالإعياء وجلست على ذات الكرسي بجوار المدفأة تنتظر الصباح لتذهب الى حبيبها "ديفيد" تستسمحه وتصحبه الى البيت ليقيم معهم كأسرة واحدة، وغامت بها الدموع حتى نامت مجهدة كالإغماء واستيقظت حين انعكس ضوء النهار عليها من النافذة، فقامت مسرعة ترتدى ملابسها الأنيقة وتذهب اليه.
دخلت المشفى فلم تجده حيث التقته وأبلغوها بمغادرته، فأسرعت نحو غرفته بالمرسى ووقفت وهي في حالة ذهول، لقد تغيرت الجملة المكتوبة على الجدار بأخرى "عندما أعود ولم أجدك في استقبالي سأعلم بأنك متي" ولم يغير في التوقيع حرف واحد، اما هي فهمت المعنى جيدا وعلمت بأنه غادر البلدة.
أسرعت في اتجاه المغادرة بالمرسى لتجد الباخرة قد تحركت فصرخت بأعلى صوتها: -"ديفيد" انا هنا.
ورغم انها لا تميزه من بين الجموع لكنها رفعت يدها اليمنى ليراها ثم انزلتها في وضع القسم ويدها اليسرى تشير بالسبابة نحو الأرض وتمتمت بالقول وهي تبكي: أقسم لك بأنني لن أغادر تلك الأرض حتى تعود. ثم عادت تناديه بصراخ وهي غارقة في الدموع وخرت على ركبتيها: ديفيد ديفيد ديفيد.
وبعد قليل شعرت بالذي يساعدها علي الوقوف من الخلف، وقبل ان تلتفت لتعرف انه ديفيد سبقها وقال: لقد تأخرت عن الباخرة لأنني اردت ان اراكِ قبل المغادرة ولو من بعيد.
فلتفتت وهي غارقة في الدموع ولطمته علي وجهه وقالت: ايها الكاثوليكي اللعين، لماذا لم تقل بأنني حبيبتك، ثم عانقته بشدة، وبعد قليل عادا الي داخل البلدة متعانقان، ونسيا شقاء سنوات عاشا بعيدا عن بعضيهما.

التعليقات