الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

قيود وأجنحة

الكاتب : مصطفى يونس

1

فاض بي الشوق..
لبيت النداء مهرولاً إلى ما خلف أسوار مدينتنا القديمة، كلي رجاء أنه لم يزل في خلوته في الكهف.
طوال مسيرتي وأنا أعنف نفسي وألومها..
نسيت؟!..
والله ما نسيته أبداً، لكن هموم البيوت كثيرة، ويوم الدنيا قصير أوهكذا فعلت به المشاغل والهموم.
اليوم استيقظت، ونوال شرف الزيارة المباركة يلح على عقلي. أديت صلاة الفجر، وخرجت بعد الصلاة مباشرة. لم أوقظ زوجتي ولا أولادي، ولم أخبر أحداً منهم بشيء.
لم أركب السيارة..
لا يصح أن ألبي نداء الشوق إلا ماشياً على قدمي، ولو أنصفتُ للبيت حبوا.
الطريق من البيت إلى الصحراء خلف أسوار المدينة طويل، لكن ما من ألم أشعر به.
شيخي الجليل! كيف أهملت اتصال الود طوال هذه الفترة؟
في الليلة السابقة لاح لي طيفه في المنام وهو يبتسم
- أنستك السنون ذكرنا، لكننا أبدا ما نسيناك!
نفس الوجه البشوش، نفس الصوت الرخيم. في البداية لم تسعفني الذاكرة؛ فلم أعرفه...
ذهبت إلى العمل والحلم يحتل كل تفكيري. هذه الملامح التي لم تفارق ذهني طوال اليوم محفورة في ركن ركين من الذاكرة والروح..

2

صحبني إلى اللقاء الأول أحد الأحبة. كان معجبا به، ويكن له الكثير من الحب والاحترام.
خلال الطريق الطويل كان يروي أشياء عجيبة حول الرجل..
- يقال بأنه كان ذا رتبة كبيرة في الجيش، ومن عائلة غاية في الغنى والثراء، ويقال أيضا أنه لم يظفر من زينة الدنيا بزوج ولا ولد. فقط ذات يوم استيقظ ليهجر كل هذا إلى الصحراء حيث خلوته في كهفه العجيب.
قال أشياء أخرى عن معجزات وكرامات لا أذكر منها شيئا. ربما بعضها كان يحوي شيئاً من الحقيقة، وربما كان قد ابتكر بعضها ليشوقني، ويلهب حماستي للقاء المرتقب الذي لزمت الأعتاب المباركة بعده سنيناً طوالاً كانت أحلى ما مر بي في العمر.

3

خطوط العرق في ظهري تضايقني بعض الشيء. الشوارع تعبر أمام عينيَّ مليئة بالمحلات واللافتات والمارة الذين أخذوا يتكاثرون في الطرقات رويداً رويداً والسيارات التي تعوي لكسر الزحام الصباحي، لكن عينيَّ لا تريان شيئاً سوى وجهتي المباركة..
"تراه غاضب مني لانقطاعي عنه طوال تلك الفترة ؟!"
مستحيل!
من أين يأتي الغضب لسماحة ملامحه الملائكية؟!
سنيناً كنتُ في معيته، لم أره يغضب أو يحزن أو يتململ من أحد ولا من شيء....
من هو مثله لا يأتيه الغضب من بين يديه ولا من خلفه..
إنهم أهل الله، كيف يهمهم فعل الخلق؟!
وجهه لا يحمل شيئا للعالم أكثرمن التراوح بين البسمة والبكاء..
يبكي؟!
نعم يبكي. يبكي كثيراً حين يفيض به الوجد في حضرة المحبوب، أما ابتسامته فكانت من نصيب كل من في حضرته.


4


آیا عاشق راهی برای جلوگیری از اشتیاق او، نه اشک های فلج شده است؟

"وهل للعاشق حيلة في شوقه إلا الدموع العاجزة؟"

يتمايل الجسد الشيخ على نغم غير مسموع كلما استبد به حال الشوق، فينشد الشعر في حال الوجد بالفارسية، ولم لا وهي لغة العاشقين الأوائل..
في البداية لم نكن ندرك شيئاً من طلاسم القول الغريب على آذاننا، غير أن أحدنا - وكان تلميذاً ومريداً نجيباً - باح لنا بسر الحروف، وعلمنا تأويل المعاني الكامنة وراءها.

5


من فقط یک لحظه از رضایت خواستم
من به او عطش سالهایی که گذشت، به او میگویم
تمام ترسم این است که از سفرم عقب بروم
دستم ناراضی است

"ما كنت أطمع منه سوى في لحظة رضا..
تروي عطش السنين الماضية
و كل خوفي أن أعود من رحلة العمر
و يدي من ذاك الرضا خاوية"

6

اشتاقت نفسي لترنيمات الصوت الرخيم العبقة بالبخور والمسك. اشتقت لتراقص أضواء القناديل على جدران الكهف المبارك..
كيف غابت عني ساعات السكينة التي كنت أقضيها في صحبته؟ وكيف طمس أنغامها صخب العمل والأسرة والهموم؟!!
كل ذرة في كياني تنتفض، تصرخ، حتى الدمع الساخن في عيني..

"قادم أنا يا سيدي إلى حضرتك!"
تعبت..
تعبت من كل شيء..
تعبت من السيارة والزوجة والعمل..
تعبت من الأبناء والأقساط..
تعبت من صخب الشوارع والهواتف والرواتب والجرائد..
كل شيء. كل شيء..
7

"قادم أنا يا سيدي إلى حضرتك!"

خطاي تلتهم الطريق، ودمع الشوق يفيض على خدي، والمارة ينظرون إليَّ، وعيونهم ملؤها أشياء بين الاستفهام والشفقة. كلما اقتربت من أحدهم ترامى إلى أذنه صوت النشيج المكتوم. وسط النشيج تهمس شفتي بلا شعور..
- أنا قادم يا سيدي. أنا قادم.
من يمكن أن يقبل بأن ألقي في حجر جلبابه كل هذه الهموم والصخب؟!
من يمكن أن يداوي كل جراح الدهر بابتسامةٍ أو بربتةٍ عطوفة؟!
الأب الكبير القوي انهار جسده، وتهاوت روحه تحت حمله الثقيل..
الأب الكبير الذي خط الشيب مفرقيه يحتاج لأب..

أنفاسي تضيق كأنما أتنفس من لهب وجمر، وظهري يغتسل بالعرق البارد، ودقات القلب تتعالى حتى صارت في أذني تغطي على كل صوت. الجسد الهرم يتشكى من الجهد الغير مألوف..
لكن شيئاً واحداً يحتل الوعي..
صوت الشيخ المنشد بترانيم السكينة..

8


هر جاده ای که منجر به دیگران می شود خالی است
فقط راهی است که راه ابدیت است

كل الدروب إلى سواك فناء
إلا طريقك فهو درب الخلود

9

"قادم أنا يا سيدي إلى حضرتك!"
أنهكني السير؛ فارتكنت إلى جذع أول شجرة في طريقي..
(للكبر أمارات لا تنكر مهما كابرنا وادعينا)..
ساعتها لاحت لي صورة "ألفت".
ستستيقظ ولن تجدني ؛سيعتريها القلق؛ وستوقظ الأولاد.
سيارتي موجودة. سيتصلون بالعمل. سيعرفون أنني لم أذهب لمكتبي هذا الصباح؟..
كيف سيفكرون؟!
سيوجه كل منهم اللوم إلى نفسه..

10

"قادم أنا يا سيدي إلى حضرتك!"

أميمة ستنهار. ستظن أنني قد فعلت بنفسي شيئا بعد أن فشلت بإجبار هذا الولد الذي سلمته نفسها وشرفي معها أن يصلح غلطته الشنيعة، وينقذ اسمي من العار.
ألومها؟!
أنا لا ألومها.
من ذا الذي يستطيع لوم القلوب الشابة إذا يوماً نبضت بالحب؟ حتى لو كان لمن لا يستحق. أجل، إن ما حدث خطيئة، ولكن علمي بأن ابنتي فتاة طاهرة. نعم، ابنتي ليست .....
ابنتي فقط أحبت الشخص الخطأ، وارتكبت خطية مهما كانت كبيرة فعلمي وعلمها أن الله غفور رحيم، وأن كل خطية تمحوها التوبة مهما كان عظمها مادام القلب عامر بالطهر والنية لترك الفعل الآثم معقودة..
هكذا تعلمت من شيخي..
- مغفرة الله أكبر من كل الذنوب والمحبة تاج القلوب، ودمعة التائب في حضرة المحبوب تغسل آثاما كزبد البحر.
لكن أميمة تعرف أيضا بأن الناس ليسوا رحماء كخالقهم، وأنها وجهت لي طعنة في سمعتي بينهم.. طعنة قاتلة.
ابنتي طيبة وطاهرة، وإلا كيف استطاع النذل - ابن الشياطين- الإيقاع بها في حبائله؟
طيبتها تلك هي التي جعلتني أسمع نشيجها يشق صمت الليل في غرفتها. مهما تكلمت وقلت أنني غفرت لها ذلتها، هي لا تغفر لنفسها جرح كرامتي في مجتمعٍ لا يتعدى مفهوم الشرف فيه غشاء البكارة وبقعة دم على محرمة.
ستظن أن كلامي بالأمس معها حول غشاء البكارة الصيني هو مجرد كلام أهون به عليها وعلى نفسي الانكسار التي هشم روح كلينا..
- كلنا يخطئ يوماً ما يا ابنتي، والخطأ لازم في بعض الأحيان لكي نتعلم. ربما كان لابد لهذه الأزمة أن تمر بك كي يولد ذلك الإنسان الذي يجب أن تكونينه في حياتك.
تراني كنت صادقا ؟
وهل كانت تلك مشاعري حقا؟!
إذن، ماذا كان معنى تلك الدموع التي فاضت من مقلتي؟!

11

"قادم أنا يا سيدي إلى حضرتك!"

حسن" أيضا ربما سيلقي باللوم على نفسه..
أعرف أنه يسهر الليالي. منذ تخرج انطفأت في عينيه تلك اللمعة. انطفأ المرح في نبرته.
هو ابني، وأنا أعرفه!
شيء ما انكسر فيه منذ أن تخرج، وبات محسوباً على قوائم العاطلين.
مع مرور السنوات لم تعد تجدي كلمات مثل.. حال البلد، وأزمة الجيل.. لم يعد للحروف معنى، ولا لشرح ظروف البلد والعالم معنى أمام شبابه الذي صار أمام عينيه يذبل، ويضمر دون أن يتقدم خطوة في الطريق نحو أي حلم من هذه الأحلام التي تراود أي شاب في سنه.
كم حملت صور أوراقه، ودرت بها - دون أن يدري - في محاولة لإيجاد عملٍ له، هو أيضاً فعل ما هو أكثر دون أن يخبرني.
أعرف في تلك الأيام التي أعود فيها إلى البيت، فلا أجده. كان يقول لأمه أنه سيخرج مع أصدقاء له، لكنني أعرف جيداً أن نزهات من هم في سنه تكون غالبا في الليل. أرى أقرانه يملئون الشوارع على الكباري وفي المقاهي.
كلانا كان ينزف في صمت خلال نفس الوقت الذي كنا - ومازلنا - نتظاهر فيه بالرضا بالحال والمكتوب، ونمضغ فيه كلمات الصبر والمواساة المرة ، وكأنه من طبيعة الأشياء أن يصير شاب في مثل سنه وتعليمه بلا عمل ولا دور، وأن تنسد أمامه سبل الحياة على هذا النحو.
"طبيعة الأشياء. طبيعة الأشياء.. يا لها من كلمة!"
ليت من طبيعة العروش أن تلتهم الكروش بدلاً من أن تنعمها وتنميها.
للحظةٍ تخيلت "ألفت" تبتسم. دائماً ما يكون هذا هو رد فعلها وهي تسمع كلماتي التي أهمهم بها خلال ساعات شرودي.



12

"قادم أنا يا سيدي إلى حضرتك!"

"ألفـت"..
تراها تلوم نفسها هي أيضاً .هي تحسب أنها السبب في اختفائي هذا الصباح؟!
يا الله!
آه، سيرتفع السكر في دمها. سيجن جنونها وستصاب بالرعب.
لم تعتد أبدا أن أغيب عن البيت دون أن تعرف مكاني. دائماً في العمل أو في المقهى القريب من البيت. لا أذكر أنني فارقتها لمكانٍ آخر منذ زواجنا.
تُراها ظنتني ضقتُ بشراء الأدوية وفواتير الأطباء التي لا تنتهي؟!
لليالٍ عدة كنت أسمع شهقاتها بجانبي وهي تبكي، وتدعو لي..
(الله يعينك على ما بلاك يا "حامد"..)
تُراها تلوم نفسها، وتحسب أنها السبب في اختفائي هذا الصباح حقاً ؟!
يا الله!
ماذا يمكن أن يحدث لها؟!
ماذا يمكن أن يحدث لهم جميعا؟!

اقتحمتني أفكار مجنونة. اجتاح العطش حلقي، وارتعد جسدي تحت وطأة العرق الذي صار مثلجا فجأة..
امتدت يدي بحركة لا إرادية تشير لأول "تاكسي" يمر..
طوال الطريق وقلبي يرتعد خوفاً ورعباً ممزوجاً بالصور المجنونة. فتحت الباب في نفس اللحظة التي خرجت فيها ألفت من حجرة النوم.. (لم يستيقظ أحد من الأولاد بعد على ما يبدو).. توقفت عن فرك عينيها وهي تشملني بنظرة استغراب متوترة. لا بد أن مظهري المزري أرعبها..
- أين كنت؟!

التعليقات