أخر المقالات

الأسطورة

الكاتب : مصطفى يونس

الجثة التي وجدت في المصرف لم تكن لمجهول..
من في القرية كلها لا يعرف "حامد الأعمى"؟
هو مضرب الأمثال في القوة والطيش والجبروت..
من لم يعرف كل تلك الحكايات التي نسجت عنه؟ فتاهت الحقيقة فيها فيما هو من صنع الخيال..
"عبد الحميد أبو عرب" صاحب المقهى المتطرف خارج القرية يقسم أنه قد رآه في ليلة ما يصرع مارداَ من الجن في الخلاء بجوار الحوض الشرقي من أرض شيخ البلد.
الخيال يشرد مرغما فيما يمكن أن ينهي حياة رجل كـ "حامد"، بكل ذلك الجبروت والغموض. عاشت قريتنا في حماه وخوفه، شعورين متناقضين، ولكن هذا ما كنت تراه في عيون الناس ها هنا في قريتنا، فهم يتحامون فيه من بطش عصابات الجبل و لصوص القرى المجاورة، في نفس الوقت الذي يخشونه، ويرهبون حتى التلفظ باسمه.
الرهبة شملت حتى ذلك المشهد الصامت الطويل الذي جمعهم حول الجثة المسجاة بين أقدامهم ملطخة بأ عشاب وطين المصرف.
قال صوت..
- إنه مطعون..!!
مرت هنيهة من الصمت..
- طعنات كثيرة في مختلف أنحاء الجسم..
من من أهل قريتنا يجرؤ على فعل هذا بحاميها الجبار؟..
- لا أحد من أهل القرية؟
- إذن القاتل من خارج قريتنا..
- لعلها عصابة من القرى المجاورة..
قال "القصابجي " شيخ الزاوية وهو يتركهم ماضيا في تأفف..
- لله يد في التخلص من أعدائه، فدعكم ممن قتله، وادفنوه أو أرجعوه إلى المصرف يمضي به حيث يشاء. لعنة الله عليه وعليكم أجمعين.
قال شيخ الخفر..
- لا بد للحكومة أن تعرف من قتله ..
قال شيخ البلد..
- شيخ الخفر على حق، وستكون لدينا خطة محكمة للقبض على القاتل..
أما العمدة، فكان نائما في دواره، واكتفى بتفويض شيخ البلد وشيخ الخفر ..
أمضت قريتنا ليلتها دون نوم ما بين طواف رجال المركز ببيوتها الصغيرة واستجواب من فيها، وما حمله مقتل "حامد" نفسه إلى القلوب من خوف.
كان حامد مجرماً وقاطع طريق، لكنه حمى الكثيرين من جور الخفر وشيخهم، ومطامع العمدة وشيخ البلد.
كانت تلك أول مرة تأتي فيها الحكومة إلى قريتنا للتحقيق في جريمة من سنين. حتى السرقات، كان حامد يضرب الارض ليرد المسروقات ممن سرقها أيا كان الى دار المسروق..
مضى حامد، و مضى معه الأمان والقدرة في أذهاننا على خلق الأساطير..
لم يعد لقريتنا بعده أسطورة..



التعليقات