الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الراديو

الراديو لايسكت ابدا في بيتنا
يعلن في كل خبر جزءا مهما من تفاصيل حياتنا اليوميه
ولايتوقف عن الكذب كلما جاءت نشرة الاخبار بموسيقاها المميزه الصاخبه
ذات يومِِ اذاع خبر رسوبي في امتحان نصف العام
وعرف ابي ولم يصدقه
فلاصدق يأتي من هذا الراديو الا عندما تجلس صاحبة الالف ليلة وليله
وتقص علينا كيف خدعت اميرها التافه بحكايةِ جديده

كانت بنت الجيران التي تكبرني بثلاثةِ اعوام
تعشقُ صوت ام كلثوم وترسل لي اغنياتها عبر نظراتِِ
مغلفةِ بموسيقي السنباطي وروعة كلمات رامي
ورجاءا بمشاركتها اغنيتها المفضله ( عودت عيني )
أعتذرت لها فالراديو في بيتنا يخشي ان ينقل شيئا غير نشرة الاخبار
وتواشيح النقشبندي ومسلسلات رمضان
وعندما كبر الراديو اذاع كل اغاني ام كلثوم دون حياء
عرفت وقتها انها كانت تحبني بشده
فقد سلمتني لعشق لم ينتهي الي الان

هنا االقاهره وصباحها المتجدد في صوتِ ابله فضيله
هذا الراديو يعلم اني اعشقه
رغم وشاياته التي اوقعني بها في مشاكل لاحدود لها
فكلما غاب ابي عن المنزل يناديني
ويجلسني بالقرب منه ويحكي لي عن الهلالي والسندباد وقصص القران
ومايقوله الفيلسوف وكيف يمحو عبد البديع القمحاوي امية من فاتهم التعليم

هنا القاهره بمرشاتها العسكريه وصوت الشيخ مصطفي اسماعيل
المتصل بسموات النفس التواقة دائما للتحرر من قيودها الدنيويه
وصراخ ابله كريمه تخبر امي بوفاة عبد الناصر
وقتها احسست ان لهذا الراديو شانُُ كبير
فهو لايعرف من الاكاذيب الا اعظمها
ربما لإعتياد الناس عليها او هروبا من واقع اشدُ الماََ من تلك الاكاذيب

الراديو علي الشباك بين غرفتين
كنجمة بضوئها الفضي الشديد في تنقلاتها بين سحابِِ راقص في لحظة التحول
الي مطرِِ ينقر شباكنا الخشبي ليُخبرُنا ان خارج هذه الغرفة حياة غير حياتنا
واحاديث مسائيه مختلفه في درجااتِ الوانها
عن التي نسمعها من هذا الراديو الصديق الودود احيانا والمشاكس كثيرا

هذا الراديو كان يدهشني حقا
فكنت لا اعلم من اين يأتي بهذه الاخبار ليذيعها علي ابي كل يوم
هروبي من المدرسه ومشاجراتي مع الاصدقاء وضياع كتاب سلاح التلميذ
وسؤال رجل الامن علي باب سينما القاهره حين رأني احجز تذكرة للدخول
( انت ابن عم اسماعيل ياض .؟ )
يومها نزعت عنه البطاريات حتي لايخبر ابي عن الفيلم الذي شاهدته

التعليقات