الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

ام إبراهيم

الكاتب : فاطمه عرفات

كنت اعرفها منذ سنوات عمري الاولي..
عندما كانت تحج البيت الكبير الذي أطلق علية العوام وساكنو الطرقات ”القصر”..
حيث كان جدي في كل عيد أو ذكري المولد النبوي يجمعهم ليتصدق عليهم
-مرورا بهم واحدا واحدا -في كبرياء ،ويعطيهم حسبما
يتفق ورغباتة هو وليس حاجاتهم الفعلية إلي القليل أو الكثير
فقد يُغدق علي شخص غير محتاج و مسكين آخر تهدم منزلة أو غرق محصولة لاينال من هذا الجَد إلا القليل..

وهكذا كانت تمر حفلة الصدقات-كما كنت احب ان أُطلق عليها- بين حسرة المعوذين وتعجب الآخرين...

كانت تأتي هذة المرأة وهي حافية القدمين صيفا أو شتاءا يمشي وراءها ولديها الأكبر حافيا مثلها ،
أماالأصغر فكان ينتعل حذاءا قديما من فوقة جلباب يميل للنظافة وشعر ممشط
وكان بهذة الهيئة البسيطة يختلف ويسمو عن الانحطاط والفقر الغارقين فيهم أمة وأخية...

كانت أم إبراهيم-وهذا إسم الإبن الأكبر-إمرأة سوداء ،نحيلة الجسم تملأ التجاعيد وجهها،
وتحاكي الناس انها منذ طفولتها كانت تعمل في ”القصر”
حتي تزوجت أحد الأنفار في أراضي الجَد، فانتقلت إلي بيت زوجها
وأنجبت إبراهيم ومحمد، ثم صار ترددها علي القصر أقل...
ثم مات زوجها في ريعان شبابه فرجعت مرة أخري للخدمة في ”القصر”....
وكانت تصطحب ولديها معها

إبراهيم كان شديد الإلتصاق بإمة إلتصاق وارتباط غريزي لاينم عن حُب مفرط أو شدة تعلق ولكنة الخوف
..فدائما ماكان يمسك بذيل جلبابها ويشدة إلي صدره كاشفا -في براءة الأصفال -عن سيقان أمه
،فكانت تزجرة وتبعدة عنها في قوة حتي تستطيع التحرك
،ولكنة سرعان مايعود سيرتة الأولي...

محمد كان متفردا ومختلفا عن أخية وعن غالبية الصبية في مثل عمره
لم يكن يميل إلي اللعب أو مجالسة أقرانة في الشارع ،وحتي أطفال ”القصر”
لم يتلهف علي مخالتطهم.....

كان جدي يحلو له دائما أن يثير غيظها بقولهِ
”غريب أمر أولادك يا بدرية -وكان هذا إسمها- كل واحد لة خِِصال غير أخوة،،،
واحد لاصق في كعبك ليل نهار والتاني ماحدش مالي عينه..
حتي اللون ،الكبير إسود زيك إنت وأبوه والتاني دة ماحدش يعرف لة أب...

”باين عليكي كنتي دايره علي حل شعرك يابت”

ولم تكن بدرية -بطبيعة الحال -تملك جرأة الرد أو درأ إتهامات الجَد لها..
دوما كانت صامتة وتحملت سخافات
أهل القصر من رجال ونساء وأطفال بصبر

بعد إنتهاء حفلة الصدقات ،كنت ألمحها تجر قدميها جرا ،وهي خارجة من بوابة ”القصر”
بعد ان يكون الجميع ناموا...
وذات مرة جريت وراءها وأعطيت إبراهيم نقود كثيرة، فنظرت إلي هي بامتنان وشكر ونثر إبراهيم النقود في عدم فهم

كانت سيدات القصر ،، قبل أطفاله ،، دائمو التهكم علي إبراهيم، الذي مازال سائرا خلف
أمة رغم بلوغة، وكثيرا ما اقترحوا عليها أن تذهب بة لأحد الأطباء أو المشايخ...فكان ردها دائما..
”إنة هدية ربنا وقد قبلتها”

أما محمد فقد إختفي ولم يعد يراة أحد.

التعليقات