أخر المقالات

تأدية واجب - قصة قصيرة

الكاتب : كريم بهاء

شعرت انها حزينة .. لكنها في حقيقة الامر كانت تشعر بالقلق .. قلق لا يتناسب مع صوت الموسيقي الصاخبة و الرقصات المتوترة التي لا معني لها و القفزات في الهواء من المحيطين بنا كأننا في قداس افريقي و لسنا في فرح ..
اللحظة التي تقلقها اعتقد انها لا تعلم انها تقلقني انا ايضا .. الفراش بدا مرتبا و لكن هذا في البداية .. كنت ارسم في خيالي حالة الفوضي التي سيصل إليه الفراش المسكين بعد لقائنا .. لكن ما ان اغلقت ضوء المصباح جواري و قررت ان اغمض عيني لأنام ادركت ان احلام تقطيع الفراش لم تكن إلا اضغاث احلام .. للحظة حاولت استعادة ما حدث ففشلت كأني كنت اريد ان انساه .. اعرف دوري و مكاني جيدا في اللقاء لكن بدا لي انها لم تكن تعرف اي شئ .. لم تكن تعرف دورها .. و اندهشت كيف لامرأة – و ليست فتاة – في عصرنا الحالي لا تعرف دورها في هذا اللقاء .
بدا انه لقاء من طرف واحد و بدا انها مجبرة على الاستجابة و لم افهم لماذا ؟ زواجنا كان كمثيله لقاء مصادفة في العمل اعجاب بشكلها .. السؤال عنها و عن اهلها .. توسيط زملاء – و الكل يعشق الوساطة في هذه الامور بسبب و بدون سبب – و لم يكن لديها اي اعتراض كأنها تنتظرني ؛ فقط اكتفت بطلب مقابلة في منزلها .. اي على ان افهم ان هناك قبول و بالتالي اصطحبت والدتي – من تبقي من اهلي – وتمت المقابلة تبعتها اخري في نادي .. ثم كانت الخطوبة .
ترتيبات اخذت وقتها المنطقي من توضيب شقة الزواج و الاستعداد للفرح ثم الفرح واخيرا هذا اللقاء غير المفهوم بيننا .. المهم ان في زيارة الصباح الاجبارية و التي يقوم بها اهلها .. للاطمئنان على الامور ؛ كيف صارت ؟ .. واضح انها طمئنت والدتها فلقد امسكت بهما في حديث سري بالمطبخ .. فهمت ان ليس لي دور في الحديث فخرجت لمجالسة والدها هادئ الطباع ، قام بعدل وضع مطفئة السجائر امامه بنظام شديد تماما كما هو الحال في فراشنا تشعر انه لا ينام عليه احد .
سنوات مرت و نسيت اللقاء الاول .. و لكن شيئا ما تخلقه العشرة و مرور الايام بيننا يذيب الحجر و اصبحت تفهمني .. تفهم من نظرتي او لمسة يدي انني اريد القيام بدوري في اللقاء و هي كانت تقوم بدورها .. دون حديث او اعتراض .. بالطبع كانت تتهرب احيانا بشكل لم افهمه و كانت تصر على التهرب في احيان اخري بان تفتعل مكالمة تليفونية طويلة مع امها تتحدث فيها عن اخبار العائلة و عائلة العائلة ، المهم انني في البداية لم اكن افهم دوري في هذه المكالمة فكنت انتظر طويلا آملا ان تنهي المكالمة و يحدث اللقاء ، لكني من تعب يوم العمل كنت اسقط في نوم عميق .. و مع العشرة اصبحت افهم ان دوري اثناء مكالمات تليفونها ؛ ان انام .
لم افهم سبب تأخر الحمل او بمعني اصح عدم حدوثه على الرغم من مرور سنوات اصابها الامر بتوتر شديد خاصة و ان الحاح امها دفعها لاجراء فحوصات على نفسها و دفعني الحاح امي لاقوم انا ايضا بفحوصات و الغريب اننا قادران على الانجاب وحينها استسلمت الامهات لامر الله و كالعادة عند العجز يعود الامر لله و كأنه لم يكن له من قبل ! .
في المطبخ وجدتها واقفه تحضر عشائي .. وضعت يدي على ظهرها استعدادا لتأدية دوري و كنت ارغب في تأديته .. ازاحت يدي بذكاء فقد تحركت لتجذب اي شئ من الثلاجة و خرجت من المطبخ فبحثت عن وسيلة اخري كي تفهم انني اريد تأدية دوري.
بعد تناول الطعام و هي في المطبخ مرة اخري دخلت عليها مساعدا اياها و حاولت ان المس يديها تعمدت الاصطدام بها برفق اكثر من مرة و اعتقد انها فهمت .. و بضيق رحلت عن المطبخ .. و دخلت غرفة النوم و اغلقت الباب ثم فتحته فجأة و هي تعبر عن غضبها من القائي ملابسي في اي مكان .. انفعالها كان كالحرارة تنتقل من طرف لاخر و انتقل لي فوجدتني اترك غرفة النوم و اقرر النوم في الخارج .
فهمت حينها انها لا تريد القيام بدورها ، و ليس امامي إلا التلفزيون او جهاز الكمبيوتر او - و هذا ما استقر حالي عليه في نهاية الامر - ان انام في الصالة .. ساعات من النوم قبل ان تأتي و توقظني طالبة مني ان اعود للفراش ..
دهشتي سبقها تعبي و بالفعل لم اهتم بتفسير ما يحدث و لماذا رضت عني و جاءت لتصالحني . في الفراش ، و اثناء لقائنا حافظت على عادتها فعينيها مغلقة و تعبير الغضب لا يفارق وجهها و انتهيت و انا اشعر انها قامت بدورها كما تعودت ..
ربما خشيت أن اخونها كما يفعل الكثير من الرجال في هذا الزمان – بمبرر و بدون مبرر – ربما خشيت ان اتزوج باخري لكي انجب – و حينها لن يعيب على احد حتي اهلها – لكني في حقيقة الامر لم اكن انوي فعل اي من هذا ، فانا تعبت من تأدية واجبي نحو امرأة لم افهمها ابدا فكيف لي ان اؤدي نفس الواجبات مع امرأة اخري و اعيد تمثيل دوري معها مرة بعد اخري كما افعل مع زوجتي .. حينها فهمت كيف يشعر الممثل و هو يؤدي عمله على المسرح كل ليلة ملقيا نفس كلمات الحوار مستمرا لسنوات في نفس الامر و ادركت انني كالممثل على المسرح .
جاء اذن الله ؛ انجبنا ولدا و كأنه فك للعقدة فتبعه ثلاث فتيات و استمرت حياتنا ، تعقد دوري اينعم فأصبح علي ان اقوم بالتمثيل في خمس مسارح داخل منزلي ، مسرح زوجتي و مسرح اولادي الاربعة ، على كل مسرح كنت انفذ دوري و اؤدي واجبي منتظرا ان يأتي وقت و يفلس المنتج او يمل الجمهور او يحدث اي شئ يخرجني من حالة تأدية الواجب التي اعيش فيها .

التعليقات