أخر المقالات

صوت السكون

الكاتب : محمد البابلى


قصة قصيرة لـ/ محمد البابلي
انتبه، استيقظ، اسمعني، فأنا الصوت الذي يسعى لنجاتك من شيء أفظع من الموت.
لا تستطيع القول يقينا بأنك تقرئني، أنت لا تقرئني ، أنت تسمعني، بالفعل تسمعني، أو على الأقل تتخيل صوتي، نبرتي، رعشة أحبالي الصوتية، هذا هو، ذلك هو، إنه هو.
والآن، إن كنت تسمعني ليلاً وتخيم عليك ظلال السكون، فقم بتشغيل المذياع أو أي شيء يصدر صوتا لتنجو قبل أن يتسلل إليك بحيله المتعددة، ألا زلت لا تعرف عمن أتحدث؟ إنه السكون، إنه وحش السكون المريع.
وقبل أن أحكي قصة موتي الغريبة، أريد أن أعطيك مثالا.
عندما تسير ليلا في طرقات المدينة العامرة ، حين تكون الإضاءة خافتة، هل تلاحظ حذرك الشديد من شيء ما تشعره ولا تراه؟ هل تلاحظ أن آذانك هي الحاسة الأكثر استيقاظا بين حواسك؟ أنت لا تخشَ الأشباح يا عزيزي، إنها رهبته، رهبة السكون، ولو كانت غير ذلك لاستبدلت حاسة الآذان بحاسة العيون.
السكون، ذلك الوحش الذي التهمني، بل امتصني وأصبحت ذرة لا تذكر تسبح بين خلاياه الممتدة الواسعة ، إنه يومي الخامس عشر أو السادس عشر، لا أدري، لا أذكر إلا لحظة وقوعي بفخه الغير مرئي ولا ملحوظ.
كنت من قبل أكثر الناس الذين يكرهون الضجيج والزحام، أكثر الناس رغبة في الحصول على لحظات السكون التي تمنحني الفكر والتأمل والسكينة.
وفي يوم من الأيام كانت الأفكار تتصارع داخل عقلي وتحتاج للحظة سكون لأقوم بتنظيمها وترتيبها، وتلقيت نصيحة من أحد الأشخاص، أو بالأحرى أحد شياطينه المسخرين لخدمته، وقد أشار إليّ بالتوجه نحو أوسع نقطة للسكون، حيث لا بشر لا حيوانات ولا طيور تستطيع أن تراها.
هل تعرف لمَن تنصب الفخاخ؟
تنصب لعصفور ترك ثمار شجرته الجميلة وهبط إلى الأرض لالتقاط دودة قذرة عالقة بفخ الصياد، والذنب يتحمله الأبله في النهاية، هكذا كنت أنا.
انطلقت بسيارتي شرقا نحو الغابة المهجورة بلا خارطة طريق، بلا دليل، وبمؤن لا تكفي لأسبوع كامل.
ودخلت متاهة الصمت، ومن غابة مهجورة الى صحراء أكثر هجراناً، حتى أصيب عقلي بالشلل التام في إيجاد مخرج من المتاهة، حتى وقود سيارتي لا يكفي لقطع مسافة ربع التي قطعتها داخل المتاهة، فخيمت إجباريا في بقعة بلا أول ولا آخر، لا بشر لا حيوانات لا طيور على الأرض لا صوت غير صوتي لنفسي في هذا الفضاء الواسع.
وبعد اليوم الثالث أدركت ما أنا به من كارثة أودت بحياتي، هل هناك عطل متعمد في حاسة سمعي؟ لا أسمع شيئا حولي، لا أسمع إلا صوت يداي التي تورمت من التصفيق كل لحظة لاختبار سمعي.
وبعد يومي الرابع، بدأ اليأس يدق باب قلبي، لا أفتح فمي إلا لتناول بعض الطعام، ولأني كنت ثرثاراً مع نفسي تحشرج صوتي ولم يعد له صوت يُسمع.
وفي يومي الخامس، انطلقت بسيارتي في دائرة مفرغة، ولا أدري، هل هو الجنون؟ أم كان بحثا عن المخرج معدوم الذكر في مثل هذه الأماكن، حتى صمت المحرك هو الآخر وأصبح عديم الصوت مثلي، بل وعديم النفع أيضا.
ويأتي يومي السادس، واكتشف خدعة بعض المحتالين ويسمونهم علماء وأطباء في تشخيص تسلل مرض السكون إلى بعض الأشخاص في المُدن العامرة ويسمونه الاكتئاب، ويصدقونهم هؤلاء السذج ويتناولون أدويتهم باهظة الثمن.
لقد تسلل اليّ مرض السكون وسد آذاني، حتى أنني لم أعد أسمع صوت خطواتي وكان يعطيني بعض الأمل، وتبدل الأمل بيأس، وعلمت مدى معاناة المصابين بهذا المرض، وكيف يسمعون النصائح من الأطباء والناس وهم في الحقيقة لا يسمعون، لقد توغل الصمت والسكون بداخلهم فجعلهم جزءا منه، كذلك يتمنون الموت السريع مثلي وقلما يجدونه.
ويأتي اليوم السابع، ذلك اليوم المرهق، وخارت قواي بعد أن نفذت المؤن قبلها بيومين، ومن هنا بدأ السكون لعبته معي كالأسد الذي يلعب بالفأر قبل أكله ، بدأت أسمع أوامره ترن بصوت جهوري داخل عقلي، فيقول: قف.
أنفذ الأمر وأقف على الفور، يقول: انظر خلفك. أنظر خلفي بلا تردد، يقول: اجلس، اركد، عُد ، ارقد، قم، وأنا أنفذ أوامره حتى سقطت وسمعت ضحكاته الساخرة.
وفي ليلة اليوم الثامن، لم تكن لدي أي قدرة حتى على تنفيذ أوامره، كذلك لم أعد أخشاه فأنا الذي يتوسل لشبح الموت ولا يأتيه.
وفي لحظة أوهمني السكون بأنه قد تعاطف معي ، بل وعدني بالخلاص في اليوم التالي.
وجاء اليوم التاسع، وتفتحت عيوني ببعض الأمل بعد أن كادت تغمض إلى الأبد، وانتظرت وعده طيلة النهار، انتظرت ثم عجبت لهذه القوة التي تستهزئ بضعيف مثلي، وقبل أن أغمض عيوني ليلا، ليس للنوم طبعا فأمثال الذين في وضعي لا ينامون، رن صوته في عقلي وقال لي: قم وأدر محرك سيارتك، لا أدري من أين آتتني تلك القدرة على الحركة السريعة في الوصول إلى سيارتي، أدركت بأن هناك شيئاً آخر بإمكانه إحياء شبه الموتى يسمونه "الحماس"، وبالفعل بدأت أجرب والعجب كل العجب، لقد دار المحرك وانطلقت بسيارتي، وبعد سيري أقل من ميل رأيت أضواءً من الأرض الى السماء، ألعاباً نارية كالتي أراها في الكرنفال، اتجهت بسيارتي على الفور نحو هذا المكان، أسمع الاصوات البشرية وأنتشي بضجيجها، آمل أن أرى زحاما يصل لدرجة الالتحام، ودخلت نطاقهم، وعلى الطريق صفان من البيارق الملونة والحسناوات يستقبلون السيارات، ولولا وجود سيارات أمامي وخلفي لظننت بأنني متُ وهذه جنتي، وبعد دخولي من البوابة نزلت فورا من السيارة لأجد الذي سقاني وآخر أطعمني وثالث أحضر لي الملابس النظيفة ودلني على المغتسل، وبعد كل ما حدث نسيت كل ما لاقيته من شقاء في الأيام السابقة فبدأت التفاعل معهم في الرقص الذي لا ينتهي وكذلك الغناء والطعام والشراب ولا أبالي، إن كان لكل هذا ثمنا فسوف أدفعه في النهاية، وجلست مع البعض أحكي لهم ما حدث لي في تلك الأيام القاسية ونتبادل الأحاديث والحكايات حتى الصباح، وفي الحقيقة كم كنت في حرج من أمري ، أريد أن أسألهم عن تكاليف ليلتي وأين سأنام وكيف سيتعاملون معي وقد امتلأ خزان الوقود، ولكنني خجل جدا، وأخيرا اهتديت للاختلاء بأحدهم أشعر بمودة نحوه لأحدثه فقلت له: - إن لدي بطاقة ائتمان ورصيد جيد بالبنك، هل تتعاملون بهذه الطريقة؟ أريد أن ادفع تكاليف استضافتي بمدينتكم لأرحل. قال لي: نحن لا نأخذ من سكان المدينة أجرا وأنت أحدث سكانها. عجبت كثيرا لقوله ووجهت له سؤالا آخر: ما اسم هذه المدينة يا سيدي؟
أجابني: مدينة الهاربون من السكون.
وفجأة أصابني الدوار ووجدتني أعود حيث كنت إلى الهجير، وهو يحاول الإمساك بيدي ويطمئنني وينطق باسمي: لا تخف ستعود، لا تخف سنأتي لنأخذك، لاتـ .... وتلاشى صوته وعدت إلى السكون القاتل مجددا، لابد وأنه السراب الذي نسمع عنه ولا ندري كم هو قريب الشبه بالحقيقة، وعدت أنتظر وأتوسل لشبح الموت، والغريب أنني لا أشعر بالجوع ولا العطش كما كنت وكأنني أكلت وارتويت فعلياً، كذلك لا أدري كم من الوقت استمرت غيبوبتي، هل هو يومي العاشر أم الحادي عشر ولا فرق بالنسبة لي.
وفي اليومين التاليين للحدث، كنت أسأل نفسي دوما، لماذا انقطع السراب وكنت أعلم بأنه يستمر حتى يموت التائه؟ هل أنا الذي ذهب إليهم أم هم الذين جاءوا، كذلك اشتقت إلى تلك المدينة التي لا تعرف السكون، لقد أصبحت مثل خرقة بالية سقطت بين الموت والحياة ولا تعرف الى أي جانبا منهما تنتمي، واختفى صوت السكون إلى الأبد، يبدو أنه يأس مني ولم يعد يتلذذ بالسخرية مني.
لذلك قررت أن أستجمع قواي وأكتب تلك الرسالة لمَن يجدها من بعدي.
أنتظر الموت أو الحياة.
ولكن قل لي أيها الأبله، كيف حصلت على مذكراتي، أوووا، إن كنت واقع في نفس فخي فقد علمت ما حدث وعليك استكمال المذكرات، وإن كنت تستطيع النجاة فاذكرني وانشر تلك القصة للتحذير، انتظر، إنهم قادمون لأخذي، لقد وفى صديقي بوعده، أرى البيارق الملونة على مرمى بصري، لقد آن الأوان لأستريح، وداعا، وداعـ .... وباقي الصفحة خط طويل لقلم يسقط.








التعليقات