الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

الواقع المسرحي المصري

إن محاولة الوقوف علي واقع المسرح المصري والإمساك به ليس بالعمل البسيط، لأن أي واقع مسرحي هو واقع متشابك ما بين انعكاسات الواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي للدولة، وما بين تراكم خبرات العمل لمؤسسات المسرح سواء تلك المؤسسات الإدارية القائمة علي إدارة عمليات الإنتاج، أو إدارة الأبنية المسرحية، أو إدارة علاقة المنتج المسرحي بجمهوره، أو تلك المؤسسات الفنية القائمة (فريق العمل لعرض مسرحي: المؤلف – المخرج – الممثلون – الموسيقيون – مصمم الديكور والملابس – السينوغراف – مصمم الإضاءة – الراقصون - وغيرهم) المنوط بها تقديم عرض فني.
هذا التشابك ما بين ثقافة مجتمعية تضع المسرح والعمل به في أدني منظومة القيم، بل وتنظر إلي العاملين بالمسرح نظرة متدنية، وفي بعض المجتمعات يُعيّب أفرادها العمل بالمسرح أو مؤسساته سواء تلك الإدارية أو الفنية.
هذا التشابك مع الواقع الاقتصادي من محورين؛ أحدهما يتعلق بعملية الإنتاج المسرحي ذاتها وظروف أبنيته ومؤسساته، والثاني يتعلق بتسويق المسرح كسلعة فنية ذات قيمة مثل أي سلعة ترفيهية أخرى بغض النظر عن القيمة الثقافية والمعرفية التي قد يمثلها المسرح في ذاته أو كقيمة مضافة له كسلعة فنية.
كذلك التشابك السياسي مع طبيعة المسرح الجدلية الاحتجاجية المتمردة الناقدة، كيف تتقبل المؤسسة الحاكمة التي تسعى لفرض رؤيتها وصوتها الخاص على المجتمع إلي وجود فن يعتمد في جوهره علي التعددية الصوتية، والجدل، والحوار؟!.. كيف تقبل المؤسسة الحاكمة بوجود آخر يروج لرؤية قد تكون تنتقد بعض توجهاتها أو أداءاتها؟!.. كيف تتقبل المؤسسة الحاكمة تمرد المسرح علي طرحها وصوتها الأعلى؟!.. وكيف يمكن أن تتعامل مع طبيعة المسرح الاحتجاجية والتمردية؟.. إن الفن المسرحي فن مزعج في تشابكه مع السلطة السياسية ومؤسسات الحكم خاصة في دولة ليس لديها ثقافة ديموقراطية حقيقة، لكن لديها أشكال وهياكل ديموقراطية تظنها هي تكفي لإظهار الديموقراطية والاحتفال بها.
أضف إلي كل سبق عدم وجود سياسات ثقافية واضحة تنتهجها وزارة الثقافة أو ينتهجها المسرح المصري، ناهيك عن تعدد المؤسسات الثقافية التي تحاول أن تفرض وصايتها وهيمنتها علي الواقع المسرحي وتستحوذ علي المساحة الأكبر منه.
المؤشرات الكمية التي تستخدمها الدولة ووزارة الثقافة في قياس نجاح المسرح عبر زيادة عدد الفرق المسرحية، أو زيادة عدد ليالي العروض المسرحية، أو زيادة عدد المشاهدين للعروض المسرحية، ليست مؤشرات حقيقية تدل علي تعافي ونهضة مسرحية حقيقة، فالمؤشرات الكيفية - وحدها - هي القادرة علي التدليل علي تعافي ونهضة المسرح حيث تتعامل مع المتغيرات الثقافية التي أحدثها المسرح في المجتمع، وقدرة المسرح علي صياغة قيم المجتمع، فالمسرح بقدراته الجدلية وحده القادر علي مناقشة أدق وأصعب الأفكار ومراجعتها وإعادة صياغتها مع الجمهور.
لقد تنبه عدد غير قليل من المثقفين والمسرحيين المصرين إلي أهمية البعد الكيفي في العملية المسرحية، وأن البعد الكمي غير مفيد وغير دال علي وجود نهضة مسرحية حقيقة، ينقل لنا (فاروق عبد القادر) عن (لويس عوض) قوله عن الحركة المسرحية في الستينيات والتي كانت توصف بأنها فترة ازدهار المسرح المصري؛ يقول (لويس عوض): "إن التوسع الكمي المفاجئ في حركتنا المسرحية بما لا يتلائم مع إمكانياتنا الفنية قد خلق طبقة من الطفيلين الذين لا يربطهم بالفن أي رابط في كل مرحلة من مراحل الإنتاج الفني" .
كما ينقل لنا (فاروق عبد القادر) من تقرير لوزارة الثقافة المصرية صادر في نهاية الستينيات بعنوان "أهداف العمل الثقافي" ما يدلل علي أن المؤشرات الكمية مؤشرات غير صادقة وغير دالة علي الواقع الحقيقي للمسرح كظاهرة تفاعلية بين مؤديين وجمهور في فضاء، يقول:
"وترى وزارة الثقافة أن حصيلة العمل المسرحي في خريف 66 تمثلت في الظواهر التالية:
1- وجود أعداد كبيرة من الفرق المسرحية ليس لديها هدف واضح غير تغذية برامج التليفزيون، وزحام كثيف من العاملين يزيد عن حاجة الفرق، ويلقي عليها عبئًا ماليًا خانقًا.
2- اتسام الإنتاج بصفة عامة بانخفاض المستوى، ثم الميل إلي تغطية انخفاض المستوى بالبذخ في الإنفاق لتزويق العروض من الخارج.
3- ضعف سلطان التقاليد المسرحية، كمبدأ ولاء الممثل للبيت المسرحي الذي ينتمي إليه.. وذلك نتيجة للإغراء بأجر النجوم، وانفصال التقييم المادي عن التقييم الفني، والتشجيع علي التحلل من الإرتباطات الأدبية.
4- تركيز النشاط المسرحي والموسيقي أساسًا في القاهرة، وذبوله في الأقاليم.
5- إهمال المشروعات والإنشاءات الجادة بصفة عامة وحركة بناء المسارح بصفة خاصة.
6- سيادة روح البيروقراطية وغلبة الأجهزة الإدارية علي احتياجات الإبداع الفني."
فالظواهر التي تحدث عنها تقرير وزارة الثقافة المصرية في سنة 1968م عن الموسم المسرحي 1966، لا تختلف كثيرًا عن تلك التي يمكن أن تجدها في الموسم المسرحي 2017/2018م، مع تحوير وتطوير لبعض مظاهر الظواهر، وزيادة بعض الظواهر بما يتلائم مع المستحدثات التي لم تكن في المجتمع المصري في موسم 1966.


رؤية المجتمع للمسرح:
مع تنامي المد الإسلامي بتياراته المختلفة (الوهابية والسلفية والإخوانية) داخل المجتمع المصري، تغير الكثير من منظومة القيم لدي العديد من أفراد المجتمع المصري، وسيطرت أفكار هذه التيارات علي مساحات كبيرة من المجتمع في أقاليم مصر المختلفة، وقد انتهج بعض أفرادها لغة العنف في التفاوض مع المجتمع لإعادة ترتيب منظومة القيم داخله، فشهدت نهاية ثمانينيات القرن العشرين وحتى منتصف التسعينيات علو لغة العنف داخل المجتمع، غير أن بعض هذه التيارات غيرت استراتيجياتها داخل المجتمع وتغلغلت في نسيجه، واستطاعت احتواء عدد كبير من الأفراد في قطاعات مختلفة، وتنبنت منهج التغيير من أسفل المنظومة، فاستطاعت احتواء الطبقات الاجتماعية الأدني فصاعدًا عبر المساعدات والسيطرة علي العمر الخيري والتطوعي، حتى وصلنا إلي لحظة ترفض فيها مديرة موقع ثقافي في دلتا مصر وجود نشاط مسرحي داخل الموقع الذي تديره لأنها تنظر إلي المسرح نظرة متدنية، وتعييبه، وترى أنه لا نفع منه، ولا يستطيع من يترأسها في الفرع الثقافي التابعة له أو الأقليم أو الهيئة العامة لقصور الثقافة وقتئذٍ أن يجعلها تعدل عن ذلك، ويتوقف النشاط المسرحي في ذلك الموقع عدد لا بأس به من السنوات، لصالح تنامي خطاب التيارات ذات الخطاب الرجعي، وعندما يستأنف النشاط المسرحي مرة أخرى في ذلك الموقع، يصطدم الفنانيين بتراجع قيمة المسرح في ذلك الجزء من المجتمع، ويعزف الكثيرون من الشباب والفتيات عن الاشتراك في النشاط المسرحي لأنه صار "عيب"، وأصبح يحمل قيم سلبية.
الموقع المشار إليه في المثال السابق ليس هو الحالة الوحيدة في مصر، فهناك حالات كثيرة، لكن هذه هي الحالة التي تعامل بطرح مباشر لرفضها، لكننا لدينا عشرات من الحالات التي تم فيها تعطيل العمل المسرحي في مواقع ثقافية كثيرة - كان بعضها ناشطًا - تحت ظاهر أسباب أخري باستخدام حيل بيروقراطية عديدة دون التصريح بالأسباب الحقيقة.
وتتجلي مظاهر هذه النظرة السلبية للمسرح، في:
1. عزوف الكثير من الشباب والفتيات عن اشتراك الموهوبين منهم في النشاط المسرحي.
2. عزوف العديد من الأسر عن الذهاب لمشاهدة عروض المسرح في الأقاليم.
3. الأداء السلبي لعدد كبير من موظفي المواقع الثقافية تجاه المسرح وما يخصه، وما يخص أبنيته.
لقد كان حريًا بواضعي الجزء الثقافي من "رؤية مصر 2030" أن يكون من بين أهدافهم الإرتقاء بقيمة الفن داخل منظومة قيم المجتمع، بعد التشوه الكبير الذي أصابها، بسبب تمدد التيارات السلفية والوهابية داخل نسيج المجتمع المصري منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، وكان حريًا بهم البحث عن الأساليب التكتيكية لمقاومة تمدد هذه التيارات الفكرية داخل نسيج المجتمع المصري عاملةً علي تشويه قيمه وتفسيخ ثقافته.
الإرتقاء بقيمة الفن وقيمة المسرح داخل منظومة قيم المجتمع، سيساعد علي أن يكون الفن؛ والمسرح بوجه خاص؛ قادرًا علي تحفيز التعاطي الإيجابي لمنظومة القيم الثقافية الخاصة بقبول الآخر واحترام التنوع والاختلاف التي تحرص "رؤية مصر 2030" علي تصديرها في نصوصها.

الاشتباك مع الواقع الاقتصادي:
يشتبك الواقع المسرحي المراد توصيفه هنا مع الواقع الاقتصادي في ثلاثة نقاط رئيسية؛ وهي:
أولاً: عملية الإنتاج المسرحي
تتعامل معظم المؤسسات المسرحية مع الإنتاج المسرحي من خلال ميزانيات ثابتة يتم اقرارها سنويًا من قبل وزارة الثقافة عبر التخصيص المالي للصرف من قبل وزارة المالية كجزء من الموازنة العامة للدولة، ولا يتم تحريك هذه الميزانيات إلا بالتخفيض والنقص، وقد كانت إستراتيجية الدولة في تخفيض هذه الميزانيات تتخذ تكتيكين رئيسيين؛ هما:
أ‌. تقليص عدد الفرق أو المسارح المنتجة.
ب‌. وضع ضوابط وقيود من شأنها هدم وإزاحة بعض الكيانات المسرحية القائمة.
الميزانيات الثابتة للإنتاج لا تراعي ببساطة عاملين اقتصاديين بديهيين هامين؛ هما:
أ‌. تحرك الأسعار بالزيادة عادةً.
ب‌. تزايد معدل التضخم الذي يرتفع عامًا بعد عام، ثم صار به ثقب أسود منذ تعويم الجنيه المصري.
مما يخلق فجوة كبيرة بين هذه الميزانيات وبين واقع أسعار الخامات التي يتم الانتاج الفني بواسطتها، كذلك لا تأخذ في اعتبارها زيادة أجور الفنانين والمتعاملين مع المؤسسة المسرحية من مؤلفين، ومخرجين، وممثلين، ومصمم ديكور، ومصمم ملابس، ومصمم إضاءة، وسينوغراف، وموسيقيين، وغيرهم من فنانين يتنظمون في العمل داحل مؤسسة العرض المسرحي.
أبسط أشكال الإنتاج المسرحي في وزارة الثقافة، وهو عروض نوادي المسرح، وقد ظلت الميزانية المخصصة لإنتاج العرض المسرحي الواحد في نوادي المسرح: ألف جنيه، منذ عام 1995م حتي 2010م، حيث تم إقرار زيادتها بنسبة 50% لتصبح ألف ونصف، ولم تحصل هذه الميزانية علي أي زيادة أخرى منذ هذا التاريخ وحتي الموسم المسرحي الحالي 2016/2017م، علي الرغم من أن الأسعار زادت خلال الفترة من 2010م حتي نهاية 2016م حوالي 500%. أضف إلي ذلك أن هذا التحريك بزيادة ميزانية إنتاج عرض نادي المسرح من 1000 جنيه إلي 1500 جنيه، لم يقابله زيادة في مخصصات الإجمالية لإدارة نوادي المسرح، مما نتج عنه ترحيل النشاط من موسم إلي آخر وتأخر عمليات الإنتاج في عدة أقاليم سنويًا، وترحيل المهرجان الختامي لنوادي المسرح سنويًا ليعقد في بداية الموسم التالي لموسمه، بمعني المهرجان الختامي لموسم 2014/2015م من المفترض أن يتم في النصف الأول من عام 2015م لتيم الصرف عليه من المخصصات المالية لهذا الموسم، لكنه في الواقع يقام في النصف الثاني من عام 2015 وفي نهايته بالتحديد، حتي يتسني الصرف عليه من مخصصات الموسم المسرحي الجديد 2015/2016م، وقد نتج عن ذلك ضياع موسم مسرحي كامل من عمر نوادي المسرح، وقد يتطور الأمر مع مرور السنين يصبحا موسمين مفقودين أو أكثر.

ثانيًا: واقع الأبنية المسرحية
يعود تاريخ إنشاء عدد كبير من الأبنية المسرحية إلي فترة جاوزت الخمسين عامًا فأكثر، وقد خضع بعضها لعمليات تجديد شاملة، لكن غاب عنها كما غاب عن معظم الأبنية المسرحية عمليات الصيانة الدورية، بحيث نحافظ علي كفاءة أداء الأبنية المسرحية الموجودة بالفعل. عمليات التجديد الشاملة شاب عدد كبير منها تجاوزات مالية وفساد ضبط بعضه وقدم للقضاء، وبعضه لم يتمكن أحد من ضبطه علي الرغم من الحالة المتردية للأجهزة الفنية التي بالمسارح أو أعطال أجهزة التكييف أو غيرها من مظاهر تدل علي أن عمليات التجديد تم صرف مبالغ مالية كبيرة - مبالغ فيها - عليها دون الحصول علي المبتغى منها، ولعل واقعة تطوير وتجديد المسرح القومي بالقاهرة خير شاهد علي مثل هذا.
في الأقاليم هناك مواقع في حاجة إلي عملية تطوير وتجديد وهي بالفعل مغلقة بسبب عدم صلاحياتها وحاجتها للتطوير والتجديد، لعل أبرز مثال لهذا قصر ثقافة مدينة ببا بمحافظة بني سويف، مغلق للتجديد من 2007م أي من حوالي عشر سنوات، وتوقف النشاط المسرحي بالموقع تمامًا من عام 2009م، بعد أن كان بالموقع فرقة مسرحية لها تاريخ مسرحي طويل، ولديها عدد مهم من التجارب المسرحية، وكان يُنتظر لها أن تقدم ما هو أفضل (حصلت الفرقة علي ثلاث جوائز بأخر مهرجان مسرحي شاركت به، وهو مهرجان نوادي المسرح السادس عشر بالأسكندرية؛ 2006م؛ عرض "محروس" تأليف محمد عبد المعطي، إخراج: أحمد عادل).
ولأن حالات التجديد تستغرق وقتًا طويلاً ينتج عنه في حالات كثيرة توقف النشاط المسرحي بالموقع، كما أشرنا بالمثال السابق، فإن معاودة استئناف النشاط بعد تجديد المبني، يقابلها العديد من الصعوبات، أبرز مثال لذلك قصر ثقافة مينا القمح بمحافظة الشرقية، دخل المسرح عملية التجديد وتوقف النشاط المسرحي، وتم وقف ميزانية النشاط للموقع، وعندما انتهت عملية التجديد باتت عودة النشاط عسيرة نظرًا لعدم وجود ميزانية، وتقلص ميزانيات المسرح ضمن التقليص الحادث في ميزانيات وزارة الثقافة.
كذلك لدينا حركة إنشاء مسارح جديدة في الأقاليم؛ صحيح هي بطيئة جدًا؛ لكنها موجودة، ويقابلها سوء تخطيط، حيث لا يتم تخصيص ميزانيات للأنشطة التي يجب أن تقام بالموقع الجديد، ويحارب الموهوبين وأسرهم وبعض العاملين بالموقع مع أجهزة الدولة المحلية جهاز المدينة والمحافظة التابع لها الموقع، وكذلك مع مؤسسات وزارة الثقافة نفسها. أبرز مثال على ذلك قصر ثقافة دمياط الجديدة، مبني ضخم علي مساحة رهيبة، وتجهيزات حديثة إلي حد ما، وتم افتتاح منذ أكثر من 5 سنوات، ولا يوجد به نشاط مسرحي بسبب عدم وجود مخصصات مالية له، النشاط الوحيد الذي نجح العاملين به بمساعدة أسر الموهوبين عمله هو تأسيس فرقة كورال للأطفال، ثم فرقة مسرح طفل في العام الماضي. كذلك نتج عن عدم تشغيل المكان وعدم انتظام عملية الصيانة أن تعطلت بعض أجهزة المسرح عدة مرات.
أما النقطة التي الأكثر خطورة في واقع الأبنية المسرحية فهي المسارح المغلقة بسبب اشتراطات الحماية المدنية، والتي تضع اشتراطات صعب تنفيذها لأسباب عدة؛ منها أن ميزانيات هذه المسارح لا تستطيع الوفاء بحجم الاشتراطات المطلوبة، كذلك أن بعض المسارح لكي تنفذ الاشتراطات المطلوبة عليها أن تقوم بعملية تطوير شامل لأبنيتها وهو أمر قد يكون عسير جدًا. المريب في أمر اشتراطات الحماية المدنية أنها غير موحدة علي مستوى الدولة، وكأن كل جهاز حماية مدنية في إقليم من الأقاليم قد وضع لنفسه مواصفات خاصة بالأمن الصناعي للمنشئات الثقافية والفنية، فيتم التعامل مع كل حالة بحالتها، وكأن المطلوب هو إغلاق المسارح بدوعي عدم توفر الحماية المدنية اللازمة لتشغيلها، ولو استخدمنا جميع الاشتراطات التي وضعتها أجهزة الحماية المدنية علي مستوي جمهورية مصر العربية، لوجدنا أن جميع مسارح مصر لن تعمل بما في ذلك أحدثها افتتاحًا مثل المسرح القومي بالقاهرة.

ثالثًا: تسويق المسرح كسلعة
إذا كان الهدف من عملية التسويق هو تكوين قاعدة من العملاء المحتملين، فإن المسرح يعاني بشدة من نقص حاد من الإهتمام بعملية التسويق وفقًا لهذا المفهوم، وليس النجاح الذي تشهده بعض عروض المسرح القومي أو البيت الفني للمسرح أو غيرها سوى نتيجة لوجود نجم أو نجمة يستطيع جذب الجمهور لعروضه المسرحية أيًا كانت الجهة المنتجة لها.
ليس هناك طلب - بالمفهوم التسويقي - علي عروض مسرح الدولة أو مسرح الأقاليم، علي الرغم من أن أسعار تذاكر عروض البيت الفني أو المسرح القومي أسعار منخفضة مقارنة بمثيلاتها من القطاع الخاص إن وجدت، كما أنها في الأقاليم تكون مجانية في عروض مسارح الهيئة العامة لقصور الثقافة أو عروض المراكز الشبابية.
المشكلة تكمن في تدني قيمة المنتج في نظر العملاء المحتملين، علي الرغم من جودة بعض العروض فنيًا، وعلي الرغم مما تحمله العروض المسرحية عادة من قيمة مضافة ثقافيًا ومعرفيًا، لكن غياب وجود المسوق أو برامج التسويق للعروض حتي في مجانيتها، يجعل صالات العرض شبه خالية في كثير من ليالي العرض.
أما عن ظاهرة اكتظاظ صالات المشاهدين في مسارح الأسكندرية خاصة في المهرجانات، فذلك راجع إلي أن حرص المسرحيين علي مشاهدة عروض بعضهم البعض، وليس هناك فرص متنوعة للمشاهدة سوى ليلة العرض بالمهرجان، كذلك تحرص أسر الموهبين فنيًا علي متابعة أنشطة أبنائهم وحضور كافة الفاعليات التي تصاحبها، وهي استثناء لا يمكن القياس عليه.
المسرح مثله مثل أي سلعة في حاجة إلي وجود مزيج تسويقي قادر علي توسيع قاعدة المشاهدين المحتملين، سواء كان يقدم في القاهرة أو الأقاليم، سواء كان يقدم بالمجان أو بمقابل مادي في هيئة تذكرة.
هناك مواقع ثقافية في الأقاليم يتم بها عروض مسرحية لا يعرف عنها أهل الموقع شيء بالمرة، وهناك عروض مسرحية يتم تقديم عدد كبير من لياليها علي الورق، وهناك عروض في البيت الفني للمسرح يدفع الممثلين ثمن بعض التذاكر في بعض الليالي حتى لا تغلق العروض دون استكمال نصابها المقرر من العروض.
التسويق غائب بالمعني الاحترافي؛ وبالمعني التقليدي للكلمة، ربما تجد في بعض المؤسسات إدارة للتسويق المسرحي، وبها عدد لا بأس به من الموظفين البيروقراطيين بمعني الكلمة، لكن هل لديهم خطط تسويقية، هل تم زيادة عدد المشاهدين للمسارح والعروض التابعة لهم؟!.. للأسف الإجابة هي: لا.
فمفهوم التسويق للعروض المسرحية والمهرجانات المسرحية غائب تمامًا عن أذهان مؤسسات المسرح. لا نستطيع أن ننكر أن المسرح فن راقي وقيمة ثقافية، لكنه في ذات الوقت مجرد سلعة تنافسية في سوق المنتجات الفنية المكتظة بالأغاني المصورة، والأفلام السينمائية، وعروض الرقص، وحفلات الموسيقي، والحفلات الغنائية، وغيرها من المنتجات الثقافية الفنية التي تقف خلفها أجهزة تسويقية تروج لها وتصنع لها قاعدتها الجماهيرية الكبيرة.
¬
الرقابة ومساحة الحريات
إن حجم الرقابة التي يفرضها أي نظام علي المسرح ليتناسب طرديًا مع حجم الرقابة والقمع التي يمارسها النظام السياسي علي المجتمع وأفراده. والمسرح كفعل للتفكير والدياليكتيك يرفض ويأبي أشكال الرقابة التي تحاول أي سلطة فرضها عليه، بل إن لدي المسرح أساليب عديدة لمقاومة فعل الرقابة عليه. هذه هي معضلة علاقة الواقع المسرحي بالواقع السياسي، فالنظام السياسي الحالي لم يشتبك بعد مع المسرح بشكل خاص لكن أدوار الرقابة ومؤسسات المسرح الرقابية ما زالت قائمة كما هي بلا تغيير، وقد أوضحت في دراسة سابقة أشكال الرقابة المختلفة التي تقوم بها مؤسسات الدولة الثقافية . وفي الأونة الأخيرة أنتهجت السلطة نهجًا شاذة بإيقاف عرض مسرحي وحبس فريق العمل الفني وتحويلهم للمحاكمة العسكرية، في سابقة هي الأولي من نوعها، ثم أقدمت وزارة الثقافة علي افتتاح سبعة فروع رقابية لها بالأقاليم.
لا يبدو الأفق مفتوحًا علي فضاء واسع من الحريات، فخطاب مؤسسة الرئاسة المصرية الحالية ممثلاً في رئيسها، يسعى لصوت واحد هو صوت الدولة، ولا يريد سماع أصوات أخرى مجاورة تعترض عليه بالنقد أو بالمعارضة، وهذا مناقض تمامًا لطبيعة المسرح الحوارية الدياليكتية، التي تعتمد علي تقديم أشكال عديدة من النقد، وتضيف وتسمح باستضافة أصوات عديدة إلي صوتها.
كما أن أداء مؤسسات الدولة ما زال ضعيفًا وهزيلاً ومرتبكًا، يعتمد علي توجهات الرئاسة أكثر من ابتكاريتها ورؤيتها الخاصة، وهذا ناتج عن الهزة العنفية التي أصابت مؤسسات الدولة بعد محاولة جماعة الإخوان المسلمين الإرهابية السيطرة علي مفاصل الدولة المصرية وحملها علي تحقيق حلمها الشيطاني بالتمكين.
لم يقدم المسرح بعد خطابًا ناقدًا لممارسات الدولة، ربما لوعي بعض النخب المسرحية بالأزمة التي تعاني منها الدولة بعد نكبة الإخوان، وأن الدولة المصرية ما زالت في حاجة للتعافي، وأن الدولة المصرية تقاوم ضغوطًا خارجية كبيرة، في ظل نظام عالمي يُعيد ترسيم منطقة الشرق الأوسط من جديد وتوزيع مناطق النفوذ والسيطرة به، مستخدمًا داعش وغيرها من التنظيمات الإرهابية الدولية التي تعمل بالتنسيق مع التنظيمات الإرهابية في الداخل من الإخوان المسلمين وغيرهم من حاملي الأفكار الوهابية والسلفية الجهادية الذين يمكن اعتبارهم المخزون البشري الإستراتيجي لهذه التنظيمات الإرهابية، ولا يكن نسيان علم تنظيم القاعدة الإرهابي الذي اجتاح ساحة ميدان رمسيس مرفرفًا أعلي إحدي السيارات خلال شهر يوليو 2013م.

المؤسسات الثقافية
هناك عدد كبير من المؤسسات الثقافية التي تدير العمل المسرحي في مصر، مما يجعله عملاً مرتبكًا متخبطًا متعارضًا، وليس وحدة منظمة تتمتع برؤية واحدة لها تنويعاتها حول المسرح المصري.
ستجد عددًا كبيرًا من المؤسسات التي تدير العملية المسرحية في مصر وتتدخل في عمله؛ وهي: لجنة المسرح بالمجلس الأعلى للثقافة، المركز القومي للمسرح والموسيقي، البيت الفني للمسرح، المسرح القومي، قطاع الفنون الشعبية والاستعراضية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، وزارة الشباب والرياضة، رعايات الشباب بمختلف الجامعات المصرية، المسرح المدرسي، المسرح الكنسي، قطاع الإنتاج الثقافي، صندوق التنمية الثقافية، اتحاد المستقلين، جمعية هواة المسرح، نقابة المهن التمثيلية، وغيرها من المؤسسات.
تتضارب الاختصاصات أحيانًا، وتتعارض أجندات العمل المسرحي كثيرًا، ويتلاعب البعض بهذا التعدد والتضارب في الاختصاصات. وقد دعا بيان المسرحيين حول أزمة المسرح المصري إلي إعادة هيكلة مؤسسات المسرح بما يضمن تحقيق الخصائص النوعية لكل من بيوتها وفرقها، لكن هذا البيان لم ينصت له بسبب أهدافه التي أعلن من أجلها، ولأسباب أخرى تخص اللحظة التي أطلق بها من سياق المسرح المصري.

التعليقات