الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

لا-تشابك.. لا-إنفصام


يُعيد العرض المسرحي السعودي "تشابك" تكوين واقع ذات الإنسان السعودي بواسطة إنفصام الذات بالتفتيش فيما هو خارجي في محاولة لوجود ملجأ داخلي تلتئم به الذات المنفصمة عن وعي بذاتها وبالعالم من حولها. إذ تقع الذات حائرة منذ بداية العرض ما بين السعي للإلتئام (اللا-إنفصام) عبر لعبة التوازن إذ يقول بالعرض: (القليل مني والقليل منك)، وبين الإنفصام (اللا-تشابك) الواقع الذي يهدد وحدتها وصفاءها إذ يقول بالعرض: (هل كانت المسافة كافية لتزيد غربتنا؟). وتستخدم الذات حيلها التقليدية التي تبدأ بجلد الذات لذاتها والقسوة عليها، ومرورًا بتعريتها، ولا تنتهي بالتحاور مع ذاتها، كأنها آخر فاعل في تكوين الذات؛ آخر كما يراه (سارتر) مسئولاً عن وعي الذات، أو كما يراه (لاكان) آخرًا أكبر تكتسب الذات هويتها في نظره.
يحاول العرض المسرحي "تشابك" للكاتب (فهد ردة الحارثي) والمخرج (أحمد الأحمري) أن يغير نظرة الذات إلي ذاتها، إذ أنه (ليس عيبًا أن تقف تحت قطرات المطر دون مظلة) أو (أن تنام وأنت تحب)، فالذات تعي في الأصل أن كل ما يتصل بالزمن هو زائل، وهي لا تحتاج لمن يُقدم لها الدليل علي ذلك، أو أن يدمر إنسانيتها بأن يعلق كينونتها جبرًا بين لحظتي (ما كان) و(ما سيكون)، فهذا تعطيل لحرية اختيارها، بل هي في حاجة إلي موقع حر لها يحفزها علي إدراك هويتها.
ما بين إعادة تكوين واقع الذات، وتغير نظرة الذات لذاتها، يمر العرض المسرحي "تشابك" بتناقضاته، وتضاداته، وما شابهها، وتضميناته، معتمدًا علي تشكيل فضاءه البصري باللجوء إلي وحدة ديكورية واحدة (صندوق) أجاد صناع العرض في تنويع استخدام هذه الوحدة الديكورية وتشكيلها داخل الفراغ المسرحي بالتعاون مع أقنعة الذات المتناثرة في ذات الفضاء. كما اعتمد العرض علي تشكيل الفضاء السمعي بحوارٍ مسرحي رشيق وشاعري، وصوتي مؤديين قادرين علي تلوين هذا الفضاء بألوان صوتيهما المعبرة بالتحاور وبالغناء، فساعد أداءهما الصوتي علي تشكيل الفضاء السمعي ليتكامل مع الفضاء البصري في تقديم حيل الذات كأنها حرفتهما في الأداء الذي اعتمد علي منطلقات بسيطة في الحركة المسرحية التي رسمها مخرج العرض لهما.
ولأن الصورة التي تراها في المرآة ليست كافية لأن تدرك الذات ذاتها؛ فالصورة المرآوية بالضرورة صورة غير مكتملة عن الذات - كما أشار (تودوروف) نقلاً عن (باختين) في "باختين: المبدأ الحواري"، لذلك تحتاج الذات لتحديقة من آخر لتدرك ذاتها، وتتعرف علي موقعها الذي تدرك منه هويتها.
فما دور هذا الآخر في إنجاز وعي الذات بذاتها؟ وأيهما الفاعل الذات أم الآخر؟
يبدأ العرض المسرحي "تشابك" من لعبة الواحد الذي انقسم، وظهر وخرج من الصندوق اثنان، وكما يقول بالعرض: (الأشياء تبدأ من الألعاب، ثم تتحول إلي حقائق)، فينطلق الفعل الدرامي من هذه.. لعبة الإنفصام (اللا-تشابك)، لنجد أنفسنا أمام اثنين يتشابكان دائمًا (اللا-إنفصام)، ثم يعاودان الاتحاد، وإذا اتحدا بالصندوق اختفيا، فارتهن الظهور بالإنفصام (اللا-تشابك)، وتعلق الاختفاء بالاتحاد والتشابك (اللا-إنفصام). "نحن في العادة لا نملك مقاومة الإغراء الذي يحملنا علي أن نفهم أنفسنا من خلال الموجود الذي ((لا نكونه)) - هذا الموجود الذي نتخذ منه علي الدوام مسلكًا معينًا ونصفه بأنه ((العالم))" (عبد الغفار مكاوي؛ نداء الحقيقة؛ 2010م)، فتخرج الذات لهذا العالم لتفتش فيما هو خارجي من أجل إدراك هويتها ووعيها بذاتها هذا هو جوهر الفعل الدرامي الذي ترومه الذات مستعينة بالآخر الذي هو صورة مثيلة أو نقيضة لها تهدد إنفصامها. تستخدم الذات حيلها التقليدية وألعابها، فتبدأ الذات فاقدة الثقة المتشككة من كل شيء حتى من ذاتها منطلقةً من جلد الذات بلعبة "المحقق والمتهم" التقليدية، لتدخل في لعبة "التعري" دون أن تجيدها، فلا يبقي لها إلا لعبة "التحاور" التي تنتهي بها دون الوعي بذاتها؛ يقول بالعرض: (طال بنا الحديث هنا دون أن نعثر عليّ). لقد كان العائق أمام الذات عن تحقيق مرامها، هو تعطيل حرية إختيارها، فكينونتها مرتهنة بحاضرها العبثي وسط متغيرات غير مفهومة أو مدركة تجعلها تعاني من فقدان الثقة، ومعلقة جبرًا ما بين اللحظة الماضية وطغيانها علي ما عداها لأنها مرجعيتها الأزلية التي لا انفكاك منها، وما بين اللحظة المستقبلية المجهولة المحفوفة بالمخاطر والأهوال المشكوك في بلوغها. لعل مشهد انطلاق المؤدين بالسيارة كان أكثر أجزاء العرض دلالة وتعبيرًا عن ارتهان كينونة الذات بحاضرها الذي يحاصرها بمتغيراته، فانفلت منها الإمساك بذاتها كموضوع، أو إدراك ذاتها كهدف لأي إحساس داخلي.
تتشابك الأمور وتتشاكل علي الذات المنفصمة التي لا تنجز فعلها المبتغى؛ وهو إدراك هويتها؛ لأنها لم تمتلك بشكل واضح الشروط الضرورية لإنجاز الفعل المبتغى. فالذات لا ترى بوجوب هذا الفعل وحتميته في حياتها، وإن كانت تتحسر في نهاية العرض علي عدم قدرتها علي إنجازه، فبدا فعل إدراك الذات لهويتها كأنه رغبة ألمَّتْ بها دون أن تكون الذات مؤهلةً (قادرة) لتحقيق هذه الرغبة، فيكون جزاء عدم تأهلها (قدرتها) فشلها في تحقيق رغبتها في إدراك ذاتها أو هويتها، فأخذت تصرخ وهي تنسحب (تختفي) من العالم: (ليس عيبًا..... ليس عيبًا..... ليس عيبًا).
كما أن الذات ليس لديها معرفةً بالفعل المبتغى، والذي هو إدراك هويتها، فقد اختلطت الأشياء عليها منذ ما كان، ثم اختلطت الأشياء عليها بتحيرها فيما هو كائن، ثم أشتد اختلاط الأشياء عليها لعجزها عن تصور ما سيكون وخشيتها من مجهوليته.
وفوق كل هذا وذاك لم تكن الذات تريد القيام بهذا الفعل المبتغى (إدراك الهوية) لأنه بدا أمامها كرغبة يصعب تصورها لأنها محفوف بالمخاطر والمخاطرة التي تدرك جانبًا منها بحكم خوفها من المجهول وبحكم فقدانها للثقة وتشككها مما هو قائم ومختلط أمامها كواقع، وبحكم ركونها للمنطقة الوسطى ما بين (اللا-إنفصام) و(اللا-تشابك).
فجر العرض المسرحي "تشابك" أفكارًا كثيرة، وأثار شجونًا عميقة عن عجز الذات التي أدركت أن كل شيء جاهز ومستعد إلا هي، وتنقل العرض الذي اعتمد علي نص الكاتب المسرحي (فهد ردة الحارثي) كثيرًا بنا بين النفي والإثبات حاملاً تناقضاته وتضاداته وتضميناته التي تميز العرض بها. فإنفصام الواحد وتجسيده في اثنين من الفاعلين المسرحيين تتشابك أفعالهما المسرحية التي تمليها عليهما الذات وحيلها، فيلعبان (التعرى - المحقق والمتهم - التحاور) ألعاب المسرح والتي هي في الأصل حيل الذات، فالرغم من أنهما منفصمان فإنهما يتشابكان بالفعل، وتحدث بالعرض حركتان عكسيتان، إحداهما تسعى لنفى الإنفصام لتحقق نقيضه (اللا-إنفصام)، ثم تصعد به إلي الإثبات الالتحام (التشابك) الذي يحدث في نهاية العرض بالإختفاء داخل الصندوق. والحركة الثانية تبدأ من إثبات التشابك في علاقة الفاعلين بعضهما البعض بتضمينها للـ(اللا-إنفصام) هبوطًا قبل أن تصعد بها إلي نقيضها بإزالة نفي الإنفصام عنها (تحقيق الإثبات) باختفاء الآخر قسرًا (الإنفصام) دون أن يتحقق للذات مرامها من الفعل المبتغى الذي لا يحدث إلا في وجود آخر تتفاعل الذات معه لتنشأ هويتها كنتيجة لهذا التفاعل، وفقًا لطرح (جاك لاكان). فاستطاع العرض أن يجمع بين الحركتين اللتين أسس لهما النص المسرحي، لذلك تعامل المخرج بحذر شديد مع النص وخضع كثيرًا لمتنه ومتن إرشاداته المسرحية، فاقتصرت رؤيته علي طرح كاتب النص (ردة الحارثي)، دون أن تلمع رؤية المخرج (الأحمري) الذي أجاد في تدريب المؤديين وتنسيق تدفق طاقتيهما وحضورهما الفائق علي المسرح.

التعليقات