الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

للمرة الأولى . . . كازاخستان عضوا بلجنة التراث الثقافي غير المادي بمنظمة اليونسكو

للمرة الأولى . . . كازاخستان
عضوا بلجنة التراث الثقافي غير المادي بمنظمة اليونسكو
بقلم : زياد سالم العقيل

على مدار السنوات الأربع القادمة سيشارك المتخصصون الكازاخ في أعمال اللجنة الدولية لحماية التراث الثقافي غير المادي بمنظمة اليونسكو . وقد فازت كازاخستان في الانتخابات التي جرت في الفترة 4 - 6 يونيو 2018 في باريس خلال الدورة السابعة للجمعية العامة للدول الأعضاء باتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادي .
حصلت كازاخستان على 98 صوتا من بين 156 صوتا ، وقد أشار بعض المندوبين الذين صوتوا لصالح كازاخستان إلى المهنية العالية التي يتمتع بها الخبراء الكازاخ العاملين باللجنة الوطنية الكازاخية لشؤون منظمتي اليونسكو " منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة " ، والإيسيسكو " المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة " ، والذين يعملون على نشر العادات والتقاليد والثقافة الكازاخية الغنية ، وخاصة أن كازاخستان عضو أيضا في المجلس الاستشاري لتنمية الثقافة في العالم الإسلامي بالمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة "الإيسيسكو " .
ومنذ استقلالها في بداية التسعينات من القرن الماضي استطاعت كازاخستان استعادة هويتها الإسلامية , وأوجدت لنفسها مكانة ودورا فعالا في العالم الإسلامي , الأمر الذي جعلها تتولى رئاسة منظمة التعاون الإسلامي عام 2011 .
لقد استمدت كازاخستان حضارتها وثقاتها من التنوع الثري في البلاد ، فمن بين قوميات العالم التي يبلغ عددها ألفي قومية دينية وعرقية ، تضم كازاخستان 130 قومية منهم ، ولذلك تأتي ثقافة الانفتاح والتسامح في كازاخستان من أوجه عديدة ، يأتي العمق الحضاري الكبير للشعب الكازاخي في مقدمتها الذي كان دافعا وعامل إلهام لحالة التطور والرقي التي سارت عليه البلاد منذ الاستقلال .
شكلت سهوب كازاخستان الشاسعة بيئة خصبة للمواهب الكازاخية التي أبدعت في مختلف مناحي الابداع الفكري والأدبي والثقافي ، فشكلت هذه المواهب الخصوصية الاجتماعية للقومية الكازاخية ، وتسابق الحكماء والأدباء والعلماء في صناعة التراث الثقافي الكازاخي ، وتناقلت الأجيال المختلفة تلك الكنوز الفكرية والثقافية والإبداعية بشكل شفهي علي مدار السنين .
وصل الإسلام إلى كازاخستان في القرن الثامن الميلادي عندما فتح العرب بلاد أسيا الوسطى حيث تشير التقديرات إلى أن نسبة المسلمين في كازاخستان تصل إلى 70% وجلهم من السنة على المذهب الحنفي , وإن العمل على نشر الثقافة الكازاخية في العالم المعاصر يعد جزءا مهما من برنامج الرئيس الكازاخي نورسلطان نزاربايف " تحديث الوعي " ، الذي أعلن عنه في 12 أبريل 2017 ، والذي يعرف أيضاً باسم " التحديث الثالث " ، حيث يأتي بعد الإصلاح السياسي ، والتحديث الاقتصادي .
وشهدت كازاخستان حدثا ثقافيا هاما تمثل في برنامج " الإرث الثقافي " الذي طرحه الرئيس نزاربايف في 4 أبريل 2003 , والذي تضمن تنفيذ عدد من البرامج أهمها :
1 – إنشاء منظومة كاملة لدراسة التراث الهائل للأمة الكازاخية , بما في ذلك تراث الثقافة الوطنية الحديثة والفولكلور والعادات والتقاليد .
2 – العمل على إحياء المعالم التاريخية والثقافية والمعمارية الكبرى ذات الأهمية الخاصة بالنسبة للتاريخ الوطني .
3 – تعميم التراث الكبير في الأدب الوطني والموروث المدون وإنتاج أعمال فنية وعلمية وإصدارات من السيرة الذاتية .
4 – إنشاء رصيد متكامل باللغة الكازاخية للعلوم الإنسانية يرتكز على أفضل انجازات الفكر العلمي والثقافة والأدب العالمي .
التركيبة الثقافية لكازاخستان تعتبر نسيج غني مستمد من مصادر مختلفة ، وجوهر الثقافة الكازاخستانية يأتي من نمط حياتهم البدوية ، ولا تزال هناك أهمية كبيرة لطريقة الحياة البدوية ، بما في ذلك المساكن التقليدية ، وهى الخيمة المصنوعة من صوف الغنم وأوبار الإبل وتسمى " كييز أويه " ، والتي لا تزال تستخدم حتى الآن كمنزل وتعد من التراث الهام للكازاخ حيث السكن التقليدي للبدو .
لقد بنى الكازاخيون الرحل مساكنهم التي تعتبر فريدة من نوعها في الحضارة الإنسانية , وهي تدل على المهارة العالية لصانعيها , فهي تلخص كل حياة الكازاخ الرحل , حيث يولد الطفل عندهم في الخيمة فتكون بمثابة المهد الذي يحتضنه , وعندما يبلغ سن الرشد يبني أسرته , فيبني له والده خيمته البيضاء " اق أوتاو " وهو البيت المخصص للعرسان الجدد , ولا يشعر البدو الرحل بالحرية إلا في هذه الخيمة .
تأثرت الثقافة الكازاخستانية بشكل كبير بجيرانها ، بما فيها الصين وروسيا ، كما تأثرت بالثقافات التركية ، حيث يرتبط التراث الشعبي التركي بالأساطير والحكايات والأمثال والحكم والأشعار التي تتحدث عن البطولات والأعمال الملحمية العظيمة , وينبع الأدب الخيالي من الفنون الشعبية , والأمثلة الأولى للفنون الجميلة التي تتعلق بالعصر الحجري , وهي تتجسد في جبال كاراتو وكانتاو على شكل صور حيوانات منقوشة على الصخور .

لقد اهتمت القبائل القديمة في فنونها بتزيين السجاد بأشكال ورسومات مختلفة وخلال الفترة من القرن الخامس حتى القرن السابع تم ابتكار أشكال معاصرة من السجاد الكازاخي , وخلال الفترة من القرن الثامن حتى القرن الثاني عشر تم تطوير أنواع عديدة من الفنون في مدن " ياسي , أوتيرار , سيجاناك , طراز , سايرام , كولان , ميركي , بالاساجون " حيث كانت الأواني الفخارية تستخدم لحفظ المياه , وتم تصوير مشاهد من الحياة واستخدام الألوان المختلفة في الطلاء " الأسود , البني , الأصفر , الأحمر " ، أما المنتجات الجلدية والمعدنية فقد تم تزيينها بأشكال من التراث الوطني المتنوعة , كما تم تزيين الجدران الخارجية والهياكل المعمارية والأجزاء الداخلية والقباب بأشكال مختلفة تتميز بجمالها الساحر .
استخدمت في كازاخستان أشكال العمارة المعروفة في أوروبا وأسيا , والتي ضمت أفضل الأمثلة على الفنون الوطنية منذ أقدم العصور وحتى ألان حيث زينت من الداخل والخارج بألوان متناسقة وأشكال الزخرفة الرائعة , وتم تأثيثها بالسجاد والخزائن , وزينت الطبقات الخارجية بالمنتجات الجلدية والمجوهرات حيث انتشر استخدام الخيوط الذهبية والحريرية , وفي القرن التاسع عشر كانت هناك صور للفنانين الروس الذين زاروا كازاخستان وصوروا حياة سكانها .
ولا يمكننا أن نتحدث عن الثقافة في كازاخستان من دون التطرق إلى اللغة الكازاخية التي يتحدث بها شعب كازاخستان وتعد اللغة الرسمية في البلاد وهي من اللغات الالطائية الإلصاقية التي تتصف بانسجام حروف المد والتوافق الصوتي والمنتشرة في أسيا الوسطى وأوروبا الشرقية والصين , و تعد رابع لغة مشتقة من اللغة التركية من حيث عدد الناطقين بها بعد اللغة التركية والاذرية والاوزبكية حيث يشكل المتحدثين بها 7% من إجمالي عدد السكان الناطقين باللهجات التركية .
في عام 2015 تم اختيار مدينة ألماتي عاصمة للثقافة الإسلامية ( عن منطقة أسيا ) حيث تضرب المدينة وثقافتُها بجذورهما في أعماق التاريخ ، ويتجلى غنى تاريخها في وتنوع مواقعها ومآثرها , ومن أهم معالمها المسجد المركزي بألماتي وهو من أجمل مساجد كازاخستان . وقد شيدت هذه المعلمة الفخمة وفق الطراز المعماري التيموري ، واكتملت أشغال بنائها في 1999 , وتعد المدينة عن جدارة واستحقاق بمثابة العاصمة الثقافية لكازاخستان ، إذ تحوي 20 مسرحا و53 متحفا ومعرضا فنيا وأكثر من 18 دارا للسينما ، و25 مكتبة ، بالإضافة إلى منشآت ثقافية أخرى تشتغل بشكل جيد , وتضم ألماتي حاليا 278 روضا للأطفال ، و227 مدرسة للتعليم العام ، وأكثر من 40 مؤسسة للتعليم العالي ، وأكثر من 159 مرفقا صحيا , و تضم المدينة حوالي 146 معلمة تاريخية ومعمارية منها 16 موقعا أثريا و86 تحفة معمارية و44 عملا فنيا .
وبعد هذا فليس غريبا أن تحظى جمهورية كازاخستان بالثقة الكبيرة للجمعية العامة للدول الأعضاء باتفاقية حماية التراث الثقافي غير المادى !
ونحن على يقين من أن عمل الخبراء والمتخصصين الكازاخ في اللجنة الدولية سيساعد على تعزيز القدرات والخبرات الكازاخية في هذا المجال ، كما سيساهم بشكل فعال في تطوير الأنشطة الخاصة بحماية التراث الثقافي على المستويين النظري والعملي .


التعليقات