الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

حرب الغاز بين المصالح الاقتصادية و الهيمنة السياسية 1

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

مقدمة :
عادة ما تركز وسائل الاعلام عادة فى الحروب على الضحايا والدمار، وتهتمّ الشعوب بسير العمليّات العسكرية والأمنية. وينسى الجميع البُعد الجيو-سياسي، وكذلك الخلفيّات الإقتصادية- المالية للجهات المتورّطة، ولمن يقف وراءها. وهذا ما ينطبق تماماً على المشهد الحالي في الأقليم ، حيث تتجاوزالأحداث مسألة "إسقاط دكتاتور" من هنا أو مسألة "قمع مسلّحين متمرّدين" من هناك، وهي ترتبط مباشرة بمصالح حيويّة فائقة الأهمية للدول الإقليمية الأساسية، وللدول العظمى أيضاً... كيف ذلك؟
لكن لتلك السياسة جذور تضرب فى التربة السياسية منذ زمن بعيد أبعد من سايكس بيكو و من وعد بلفور ذاته .
كيف ذلك ؟ و كيف بدات تلك المؤامرة فى القرن الماضى و كيف تم الترتيب لها قبل ذلك بقليل ؟
و كيف استمرت تلك الفكرة فى تقسيم الثروات و النفوذ ؟
هل ساعدت القيادات العربية منذ القدم و حتى الان فى تحقيق التقسيم و محاولة معاودة انتاجه مرة اخرى ؟
هل الحروب الدائرة لها علاقة بنضوب احتياطيات النفط في عدة مناطق من العالم، مع تزايد الاعتماد العالمي على الغاز الطبيعي كأحد أهم مصادر الطاقة النظيفة ؟
هل محاولة تفتيت و تقسيم سورية هى أحد حلقات ذلك المخطط و لماذا ؟
ما هى مصلحة دولة قطر و المملكة العربية السعودية و تركيا فى تقسيم سوريا ؟
و هل نجح الغرب فى إعادة تقسيم المقسم أم فشلوا ؟
فى محاولة بسيطة منا للإجابة على تلك التساؤلات نبدأ الأحداث من الأقدم الى الأحدث .
فى عام 1799 وجه نابليون بونابرت نداءه لليهود بمقولته الشهيرة "ورثة أرض إسرائيل الشرعيون " وكان نابليون يريد دعم اليهود لتمويل حملاته على بلاد الشام، لكن خططه باءت بالفشل وعاد إلى فرنسا ليعقد مجلس " السانهدرين"، وهو أعلى هيئة قضائية يهودية، ليعلن مساواة اليهود بالفرنسيين والبدء فى تأسيس الدولة اليهودية فى المنفى تمهيدا لاحتلالهم فلسطين .
كان نابليون السبب الأول فى نشأة حلم الدولة اليهودية فى فلسطين وبعد هزيمته توارى الحلم قليلا حتى عاد للظهور وبقوة على يد "تيودورهرتزل" الذى عقد المؤتمر الصهيونى الأول فى مدينة بازل السويسرية 1879، والذى انتهى إلى إنشاء وطن قومى لليهود وإنشاء "الوكالة اليهودية " لجمع الأموال كى يتم تهجير اليهود إلى فلسطين، وتمكينهم من شراء الأراضى بها . يومها خرج هرتزل من المؤتمر يقول: "لقد قررنا إنشاء الوطن القومى لليهود وقد تضحكون إذا أخبرتكم أن هذا الوطن سيتحقق خلال خمسة أعوام أو ربما خمسين عاما على الأكثر ".
مؤتمر كمبل بانرمان عام 1905
عقد مؤتمر كمبل بانرمان - الذى دعا حزب المحافظين البريطانى – بين مجموعة من الزعماء والعلماء الغربيين وطرحت عليهم أسئلة محددة عن مستقبل المنطقة العربية إذا عمها التعليم واستفادت من ثرواتها الوطنية ومن مكتسبات الثورة الصناعية الكبري.
لكن ما تم اعلانه أمام الرأى العام ان موضوع المؤتمر هو محاولة نزع سلاح محور الشر الذى كان يتمثل آنذاك فى ألمانيا والإمبراطورية العثمانية، واستمرت جلساته لمدة عامين.
ضم المؤتمر الدول الاستعمارية الكبرى : فرنسا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وانتهى إلى وضع وثيقة سميت باسم "وثيقة كامبل" نسبة إلى رئيس وزراء بريطانيا.
ما هى الأسباب التى دعن لعقد مؤتمر "كمبل"؟
أهم تلك الاسباب هو بدء خروج المارد العربى من القمقم انذاك بعد سبات طويل فى كهف الدولة العثمانية. بدأت تلك اليقظة عندما حل الضعف بالإمبراطورية العثمانية التى أنهكتها الخسائر فى حروبها مع روسيا فذهب المغرب العربى إلى قبضة فرنسا وانفصلت مصر عن جسد الباب العالي، وبدأت الحركات القومية الانفصالية فى بلاد اليونان وحدثت الكثير من الاحتجاجات الشعبية فى بلاد الشام .
ومن هنا نشأ الفكر القومى العربى كرد فعل للضعف العثمانى. وهكذا كان منطقيا لقوى الاستعمار أن تتأهب لتلك النهضة الوليدة فى العالم العربى حتى لا ينالها ما نال الإمبراطوريات السابقة التى انحسرت وأضحت من أطلال الماضى .
الى ماذا انتهى مؤتمر كمبل ؟
انتهى إلى أن الأمة العربية لابد وأن تبقى مجزأة ومتخلفة حتى لا يضمحل الغرب كما اضمحلت الإمبراطوريتين الرومانية والإغريقية وكى يتم ذلك لابد من فصل الجزء الإفريقى عن الجزء الآسيوى بإقامة كيان غريب فى الثقافة والجنس يكون جسرا للغرب ويمنع قيام وحدة هذه البلدان. و جاءت توصيات المؤتمر كالآتى:
إبقاء شعوب هذه المنطقة مفككة جاهلة متأخرة، وعلى هذا الأساس قاموا بتقسيم دول العالم بالنسبة إليهم إلى ثلاث فئات:
الفئة الأولى: دول الحضارة الغربية المسيحية (دول أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا)
الفئة الثانية: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ولكن لا يوجد تصادم حضارى معها ولا تشكل تهديدا عليها (كدول أمريكا الجنوبية واليابان وكوريا وغيرها) والواجب تجاه هذه الدول هو احتواؤها وإمكانية دعمها بالقدر الذى لا يشكل تهديدا عليها وعلى تفوقها
الفئة الثالثة: دول لا تقع ضمن الحضارة الغربية المسيحية ويوجد تصادم حضارى معها وتشكل تهديدا لتفوقها (وهى بالتحديد الدول العربية بشكل خاص والإسلامية بشكل عام) والواجب تجاه تلك الدول هو حرمانها من الدعم ومن اكتساب العلوم والمعارف التقنية وعدم دعمها فى هذا المجال ومحاربة أى اتجاه من هذه الدول لامتلاك العلوم التقنية.ومحاربة أى توجه وحدوى فيها .
وهكذا كانت توصيات هذا المؤتمر الركيزة التى تم بناء عليها توقيع اتفاقية سايكس بيكو فى 16 مايو 1916، ليصدر وعد بلفور فى نوفمبر 1917.

اليهود مطية أوروبا
إن ما تضمنته "وثيقة كمبل" ليست سوى دليلا أكيدا على أن أوروبا لم تسعى لإنشاء وطن قومى لليهود تعاطفا معهم. بل إنها استخدمتهم لتحقيق أغراضها .وهو ماحدث تاريخيا فى بدعوة نابليون بونابرت سالفة الذكر وإنشاء "الوكالة اليهودية " لجمع الأموال كى يتم تهجير اليهود إلى فلسطين، وبدأ هرتزل يسعى لتحقيق جزء مهم من توصيات المؤتمر، ألا وهو الحصول على تأييد الدول للمشروع اليهودى، كان يرغب فى التفاوض مع قيصر روسيا ليسمح لليهود الروس بالهجرة إلى فلسطين وكذلك مع قيصر ألمانيا ومع فرنسا بخصوص يهود الجزائر ساعده على ذلك الأسقف (وليم هشلر) فى فيينا، الذى أعلن منذ عام 1880 تبنيه النظرية التى تقول "إن المشروع الصهيونى هو مشروع إلهي، وإن العمل على تحقيقه يستجيب للتعاليم التوراتية"، وكان هشلر قد ألف كتابا عام 1882م بعنوان (عودة اليهود إلى فلسطين حسب النبوءات ) لكن لقاءات هرتزل لم تجن ثمارها، فكان أن رتب له "هشلر "لقاء مع آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني.
واكتمل ثالوث الشر بلويد جورج رئيس الحكومة البريطانية الذى لم يخف ميوله الصهيوينة قائلا فى كتابيه (حقيقة معاهدات السلام) و(ذكريات الحرب)، إن حاييم وايزمان الكيمائى الذى قدم خدماته العلمية لبريطانيا فى الحرب العالمية الأولى هو الذى فتح له عينيه على الصهيونية، حتى أصبح أكثر صهيونية من وايزمان نفسه.( وهكذا صدر وعد بلفور المشئوم فى 2 نوفمبر 1917) .

التعليقات