الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

بين جاذبيتين: مصر بالحرف واللون...

لم تعش مصر في كل جاذبية منهما حبًا دفينًا، بل أعلنتاه على الملأ؛ فصاغته الأولى حرفًا مكتوبًا لكن القارئ يرى فيه الألوان ويسمع الأصوات، وصاغته الثانية تشكيلًا ولونًا ولكن من يراه مرسومًا يقرأه كلماتٍ بليغات.

عاشتا معًا في نفس الوطن وتعاصرتا في نفس الزمن، ولا أستطيع أن أجزم مع هذا هل التقتا أم لا؟ لكن ما أعلمه علم اليقين أن قاربيهما كان يتجهان نحو مرفأ واحد دائمًا اسمه: "مصر".

أما الأولى فهي الكاتبة الكبيرة جاذبية صدقي والتي أبدأ بها لوصولها بالميلاد إلى عالمنا في عام 1920م وتسبق الثانية وهي الفنانة التشكيلية الكبيرة جاذبية سري بخمسة أعوام، وأول ما يجمعهما غير أنهما من جيل واحد بحسب المولد هو نشأتهما الأرستقراطية، وحين تقرأ لجاذبية صدقي تستنشق رائحة مصر في عناوين أعمالها الأدبية قبل أن تتوغل في ثناياها على الرغم من كونها تجيد الإنجليزية والفرنسية إلى جانب إتقانها لغتها الأم وهي العربية بالطبع، ومن هذه العناوين: (على باب الله، بوابة المتولي، البلدي يوكل، من الموسكي إلى الحسينية، أهل السيدة، حلو يا بلدي).

حين تفتح صفحات كتابها "البلدي يوكل" أو كتابها "من الموسكي إلى الحسينية" تستنشق على الفور رائحة مصر المعتقة بلون عشق الكاتبة والتي تَهِبُ من عمق التاريخ، فتتحول من مجرد قارئ إلى متجول داخل صفحات الكتاب ثم إلى مارٍ في الشارع تستمع لأصوات الناس التي تنقل جاذبية صدقي ببراعة عباراتهم من أفواههم إلى صفحات كتبها فكأنها مولودة طازجة في مناسباتها وحكاياتها قد قيلت في التو.

إن جاذبية صدقي كاتبة المصرية روحًا ودمًا وإن كانت سليلة الباشاوات وبنت وزير الأشغال الأسبق غير أنها تصبح بسيطة كالبسيطات من "شارع السد" أو "الموسكي" التي تبدأ مقالتها عنه "في الموسكي" بتلك العبارة التي تخطفك من ذاتك كما خطفتها تلك المرأة حين خطفتها من نفسها: (قالت لي: "عدي يا أختي، وتعاليلي! نطي من فوق كوم قشر البطيخ ده".. ففعلتُ ما أمرتني به .. شاردة .. كأنها ولية أمري!).

لقد كان مشروع جاذبية صدقي الذي أخذ من عمرها عشر سنوات فأخرجته في خمسة كتب أي بمعدل عامين لكل كتاب، قامت خلالها بعدة دراسات ميدانية عن الأحياء الشعبية فى مصر من شمالها لجنوبها وطولها لعرضها غير أن الحيز الأكبر من تلك الدراسات كان عن أحياء القاهرة، ومنها: (الموسكي، سوق روض الفرج، الحسينية، خان الخليلي، وكالة البلح، الغورية، سانت تريزا)، كما أنها اهتمت بأحياء الإسكندرية ومنها: (المنتزة، كوم الشقافة).

في كل حي من هذه الأحياء عبر كتبها يخرج القارئ بموفور علمي كبير من خلال زياراتها التي تقوم بها لكل حي على حدة، وعلى الرغم من المعلومات التي تعدها إعدادًا جيدًا إلا أنها من خلال لقاءاتها مع الناس تستجمع بيانات ومعلومات جديدة سواء أكانت طرائف أو لمحات من الجغرافية والتاريخ، كما أنها ترسم أهم الملامح التي تميز كل حي، ولهذا فقد دأبتْ على تجسيد نقلها بالكلمات التي تعتمد على التصوير للمشهد بواقعية وأمانة، وخاصة تلك اللمحات الإنسانية مع أشخاص حكاية كل حي مُحاوِلةً كسر الحاجز النفسي بينها وبينهم حتى تصير منهم ويصيرون منها، مما جعل القارئ يشعر فعلا أنه يعيش في نفس الحي الذي تتحدث عنه في كل كتبها بلا استثناء.

ستقول أنك تعشق مصر وتحبها، ولكنك لم تقرأ ما كتبته جاذبية صدقي عنها، ولهذا فأنت مازلت لم تعرف مصر التي وثقتَها تلك السيدة الرائعة بكل صدق وأمانة تزيل سوء الفهم المُلتاث عن أعماقها في الحارة الشعبية الذي زيفته أقلام بعض من يدبجون الأفلام ويرسمون فيها واقعًا من خيالاتهم التي لا تعرفه مصر وتشوهها في أعين العالم على عكس ما فعلت هذه المصرية العاشقة لبلدها، والتي أنفقت من عمرها كل هذه الأعوام بقدر عشقها لها، وبقدر قيمة بلدها في عينيها، فتقول:
(روحي في الأحياء البلدية! لا أصلح أنا مع الأرستقراطية المُنشاة! يضيق صدري، وتنطبق أنفاسي! وقد قال لي محمد عبد الوهاب أول مرة لقيته فيها: "أنتِ تشبهين بنات باب الشعرية مسقط رأسي"، ففرحتُ أنا جدًا بتشبيهه! وفي أمريكا، كنت ألتف بملاءة بلدية وأتزين بـ "كردان لبة"، وأحضر أعظم حفلاتها! وأعز صديقاتي الطيبات اللاتي يعشن على الفطرة التي فطرها عليهن الله، سبحانه، تجدهن في "الحسين" و"المغربلين" و"الدرب الأحمر"!).

انتقلت الفنانة التشكيلية الكبيرة جاذبية سري من الحياة الإرستقراطية لتعيش في الحي الشعبي بعد وفاة أبيها والانتقال لبيت جدها لأمها، لتصب جدتها في أذنيها الحكايات الشعبية المصرية عن الأقدمين والمحدثين، والتي تصورت شخوصها في ذهنها رسومًا في ذلك العهد الباكر من طفولتها التي ساهم فيها نشأتها في أسرة فنية، ثم تركت لنفسها النزول لساحة الناس تنقل عنهم فنها ولكن بنفس الأناقة التي تربت عليها؛ فقد كانت قابضة على ناصية الجمال في الشعبيات المصرية بتنوعها لكنها أبت إلا أن تنقله برقيها الذوقي الذي ينحاز إلى الناس بحساب.

يعتبرها أهل الفن في مصر "الأم المصرية" للرسم في فن التصوير الحديث، والتي قدمت مصر للعالم من خلال ريشتها التي غمستها في نهر النيل، ذلك أنها منذ نعومة أظفارها في بداياتها مع الفن والشخصية المصرية تلح عليها في أعمالها التي تحاول فيها الخروج من رتابة النمط المألوف والسائد في الرسومات التي كانت شائعة في الفن آنذاك، لتنفخ فيها جاذبية سري من روحها المحبة للحياة فتمنحها الحركة في تكويناتها التي تنعم بالحيوية بتكويناتها الثرية بالألوان، وقدمت ذلك من خلال رؤيتها التي زاوجت فيها بين الأرستقراطية الجامدة والشعبية بحركتها التي حاولت أن لا تنحاز لها تمامًا كما لا تجعلها تخرج عن إطارها في اتزان وتوافق بينهما دقيق.

لم تكن جاذبية سري الفنانة التي تخلص للرسم في ذاته باعتباره موهبتها ومجال دراستها بل لأنه كان وسيلتها في التعبير عن حبها للوطن الذي اعتبرته مادتها الخام، ومخزونها الحيوي التي تستلهم منه شخصياتها التي بدأت معها منذ عام 1949م حين رسمت بوعيها الثوري وحسها الوطني في فيعان الشباب الشهيدة "أم صابر" التي سقطت وهي تدافع عن مصر ضد المحتل البريطاني.

كانت جاذبية سري حتى في عناوين لوحاتها شديدة المصرية ومنها لوحة "الزوجة الثانية"، ولوحة "أم رتيبة" التي أجادت فيها التعبير عن الحارة المصرية وروحها، وأشهر لوحاتها "الأستغماية"، ولوحة "نشر الغسيل" التي تفيض بالمصرية في التصوير والتكوين والتلوين، و"لعبة الحجلة"، و"تكوين من مصر" الذي واكب مرحلتها الفنية الخامسة التي زاوجت فيها بين البيوت والصحراء والتي مالت فيه نحو التجريد في التعبير بالتشخيص الحواري من خلال المفردات في لوحاتها، ولوحة "الحياة على شاطئ النيل"، ولوحة " الفلاحة والغلام" وتحمل خلفيات الكثير من لوحاتها، بحسب مراحلها الفنية، شخصية مصر التي تحكي فيها طرفًا من مصر وتاريخها وتطورها السياسي والاجتماعي في العهدين الملكي والجمهوري.

نقلت جاذبية سري مصر إلى المتاحف العالمية حين حصلت على بطاقة العضوية البلاتينية بمتحف "المتروبوليتان" بنيويورك وهو من أكبر وأهم المتاحف العالمية المخصصة للفن الحديث، وبذلك أصبحت تجاور كبار الفنانين العالميين، وتصبح لوحتها "الطيارة" وهي واحدة من مجموعة لوحات لعب الأطفال التي رسمتها عام 1960م أول لوحة مصرية تعرض في ذلك المتحف، ولقد وصف الناقد الإيطالى "كارمينى سينسيكالكو" الفنانة الكبيرة جاذبية سري بأنها: (من معالم البانوراما المصرية للفن النسائي).

ينبغي على من يحب مصر أن يقرأها بقلم الكاتبة الكبيرة جاذبية صدقي، ويراها بريشة الفنانة الكبيرة جاذبية سري، فسيرى مصر التي يبحث عنها في أعماقه، ومصر التي يجب أن تكون، ومصر معشوقة من أحبوها حتى أفنوا أعمارهم كلٌ بحسب ميدانه ومجاله في تخليد تاريخها وتوثيقه وتسجيله كتبًا ولوحات، مصر التي كانت بين جاذبيتين خلداها بالحرف وباللون.

التعليقات