الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

المرايا.. وماذا ينقصنا لنكون عادلين؟



تروي الأسطورة اليونانية أن "نرسيس" كان فتي بالغ الوسامة وذات وجه ساحر الجمال جلس ينظر الي وجهه في مياه البرك الساخنة ذات يوم فانبهر بشكله، ومن ثم اعتاد أن يتأمل وجهه في كل طعام سائل يضعه أمامه، وفي كل إناء ممتلئ بالماء، كلما أراد أن ينظر إلي نفسه ويتأملها يجلس امام امياه ناسيا الوقت وكل ما حوله حتي أنه سقط وغرق في إحدي البرك ومات حد الغرق في ذاته ثم نما مكان جسده زهور النرجس،
فاصبحت رمزا عرف منه فيما بعد مرض "النرجسية" وهو "مرض فرط حب الذات" ومن هنا بدت ايضا فكرة (المرآة)

غياب العدل تماما كفكرة المرآة فهي أكثر ما يعكس لنا "فلسفة العدل"

في المرآة يبدو الإنسان وكأنه ينظر إلي نفسه ولكن في حقيقة الأمر لا يريد ان يدرك أن الإنعكاس هو الذي يكون مواجها للمرآة عاكسا صورته

جميعنا ننظر في المرآة ولا ندرك الحقيقة

، واذ بها تعددت المرايا والأشخاص والأوصاف والسمات فأصبحت مليارات حول العالم ..
، تزايدت التأملات، نتأمل عالمنا الفسيح عسانا نجد عدالة التطابقات سائدة بين البشر
لكنها حقيقة في مضمونها الشكلي الجمادي فقط كي نرضي أفعالنا دون لوم أو خجل..

كثر هم المتحركون الساكنون في المرايا بلا عقل وبلا روح وبلا احاسيس
يوميا ينظرون في مراياهم الجمادية غارقين في نرجسيتهم محبوسين داخل اطار مراياهم

يرمقون عالم وهمي حقيقي موجود بعمق فينا لكنه في كينونته غير مرئي أو ملموس

يالصدمة "نرسيس" !
لو كان يعلم أن المرآة مجرد حقيقة وهمية لكان اعتاد ألا يري وجهه قبل أن ينعكس علي صفحات الماء الساكنة،
ربما خيل إليه أن هذا العدل في الصورة والتطابق سيظهر جليا من حوله، عاكسا جماله الداخلي فيراه كما وجهه الفتان ،

خلته ظن انها وجودية لا يستطيع أحد أن يمحيها أو يسلبها من داخله بعد أن رأي نفسه لأول مرة وأراد أن يحتفظ بسمات وجهه وتأملاته

هكذا أيضا عظمت الفكرة في رأس "نجيب محفوظ" حين حول المرآة إلي عمل أدبي روائي وأسماه "المرايا" ليرسم من خلالها انعكاس شخصيات واقعية آثرت، أثرت في حياته ومن ثم مجريات تلك الأحداث التي مرت عليهم وغيرت مصائرهم وتوجهات أفعالهم ومشاعرهم والتي سردها بعبقرية في صورة سير تخلو من انطباعاته الشخصية، اكتفي بتجسيد صورهم ومن ثم استطاعت المرآة ان تعكس لنا حقيقة كونها انطباعاته

ومن روعة عبقرية "نجيب محفوظ" خطر لي سؤالان

إذاً ماذا ينقصنا لنكون عادلين؟
ولماذا ينقصنا أن نكون عادلين؟

كيف يتحول (السراب) الذي نراه كالماء في لهيب الشمس ونورها الآت من بعيد متمثلا في ثوب الوهم إلي لوحة ذهبية حقيقية أو ما نراه علي الماء في المرآة حقيقة جامدة بلا حراك إلي روح تسري وتجوب عالمنا

هكذا تطل وجوهنا في المرآة فتعكس مأساتنا

حقيقتنا نحن ..نحن. الآن مثل السراب ومثل وجوه جامدة صماء
إلي هذا الحد وصلنا..

وصنعنا حيلتنا بأن لامسنا وجوهنا الجامدة الغارقة في الجمود متحسسين سطح المرآة فصفعنا الخذلان ، وانعكس علينا أوجه الوحوش الضارية البائسة ولم نجد وجوهنا كما وجه نرسيس اللامع المشرق الذي أخذه جماله حد الغرق، أصبحنا نحيا في عالم بائس والجميع يتساءل لماذا وصلنا إلي هذا الهول والهوان ، لماذا فينا من يحللون سفك دماء أجساد مهلهلة تعاني تأن وتبكي وتتألم دون أن تري أي وجه مدافعا عنها.!!

سنفيق يوما فلا نهنأ براحة بالناوبشرة حريرية ذهبية اللون بل سنري تناثر الشعر الأشيب وقد ظهر ندبات دميمة كست وجوهنا كلما تفاقم بداخلنا نزعات الدونية واللا إنسانية

ماذا ينقصنا إذاً لنصبح عادلين كما فعل الناجون من هذا البؤس؟
ينقصنا الضمير،
وينقصنا أن نكون عادلين لأن أكثرنا بلا ضمير
حين تجده ستستطيع أن تتواصل مع ملايين الأشخاص الناظرين مثلك في المرآة من حول العالم

حينئذ ستتكسر الحواجز والحدود وتطل عليك زوايا أخري مختلفة من اللوحة شديدة الزهو لم تراها من قبل وينفتح أمامك طاقات من النور والفرح مشرقة بالآمال والتأملات
، ستتأنق وتتزين ويسطو وجهك المشرق الآدمي ..

الآن سنضع أنفسنا أمام المرآة الجمادية

بلا ضمير يعني أنك ظالمون.

لأن سلوك العدالة هو في ذاته فكرة قائمة علي الضمير
فما الذي يجعلنا نتعالي علي الفقير ، أو مع طبقة دون أخري أو جنسية دون أخري بشكل يسئ لهم ؟
هو عدم الشعور بأن الآخر مساوٍ لك، وهذا لا يعني سوي "غياب العدل و الضمير"

(غياب العدل والضمير)

هذا بكل أسف ما نحياه اليوم في شرقنا التعس مخلفا لنا إرثا من الهزيمة والكره والحقد والتعدي علي الحقوق (عالم سئ بما تعنيه الكلمة)

أخي الإنسان تذكر جيدا أن العدالة ثقافة مرتبطة بالمجتمع، لن يمنحك إياها أصرم القوانين وأعظمها علي وجه الأرض.. نعم القوانين تعدل من سلوكيات البشر ولكن لن تقوم أفعالك بالقانون تتصرف كما يحلو لهم ولكن ليس كما يحلو لك حين تخلو بذاتك

لذا تواجد الضمير هو مرآة العدل، وهو سلوك إنساني أرقي وأسمي من كل القوانين والماديات وبه يسود العدل وينعكس علي عالمنا بأكمله.

التعليقات