الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

غار حراء وأثره في الفنون..

مثلما احتل جبل النور بغاره القلب المسلم، حتى صار ذلك الغار الذي احتضن الرسول صلى الله عليه وسلم مهوى الأفئدة ومحط الأنظار، وكأنه قيثارة سماوية كلما رنا إليه ببصره وبصيرته عزفت أوتاره لحنًا خفيًا في جنبات النفس لا يدرك مصدره، وكأن كل مسلم فاته الجوار النبوي في تلك الخلوة السامية، استعادها بمخيلته، وحنينه وخياله المجنح في ذلك الأفق السماوي الأرضي، الذي يرتفع عن الأرض ولا يلامس السماء.

مثلما احتل الغار القلب المسلم بعامة، احتل قلب وعقل ووجدان وأحاسيس الفنان المسلم، الذي استلهم من إشراقات الخلوة النبوية مع الله تعالى، وشيوع السكينة، وتلقي النفحات، وتنزل الرحمات، ثم انسكاب النور من السماء على قلب الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم فيضانه من قلب الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الأوعية من الصدور إلى السطور، وتلافيف العقول، لمحات تشتعل بها اللوحات الفنية التي تحاول أن تقبس جذوة، أو ترصد برقًا من نور، ومن يترجمها منهم عمارة بالقياس على أبعاد روح حراء لا بنيانه فقط، ومن يتصيد من الأثير الذي لف جو الغار بعض نغمات هادئات هامت بها وجدانه.

لقد كان لحراء غار النور أثره الذي لم يقتصر على الدراسات الدينية والأدبية فقط بل أثَّر في الفن الإسلامي أيضًا، وهو ما يعزز تلك المكانة المُقدَّرة لا المُقدَّسة والموقرة لذلك الغار الحبيب لأنه احتوى أنفاس الحبيب صلى الله عليه وسلم.

لا يستطيع الفنان المسلم وهو يمارس هوايته أو مهنته في الفن أن ينفصل عن عقيدته الإسلامية التي تنحو نحو التوحيد وتلتصق بالفطرة، وتحرم تعاليم تلك العقيدة التعويل على الجسد البشري في إبراز مفاتنه وتكوينات وعلاقات أعضائه، بل تحاشى حتى تصوير الكائنات الحية لما قد يقع فيه من مشابهة الخالق عز وجل في خلقه، ولذلك فقد لجأ إلى التجريد.

طبقًا لمنظومة التجريد الكامنة في عقيدة وتكوين وثقافة الفنان المسلم المعاصر استطاع استلهام غار حراء في أعماله سواء في النحت أو التصوير أو العمارة، أما من شذ منهم وانتقل من التجريد إلى التشخيص فقد هوجم هجومًا شديدًا من أكثر المؤسسات المجتمعية وعلى رأسها المؤسسات الدينية الرسمية، والقاعدة الجماهيرية، وبالطبع الجهات الفنية الرسمية وغير الرسمية.

ــ حراء في الفنون التشكيلية:

الفن التشكيلي هو ما ينقله الفنان مأخوذًا من الواقع، غير أنه يصب فيه من مفهومه، وروحه، وتجربته، فيصيغه صياغة جديدة عن صورته الطبيعية الحقيقية، وأهمها بالنسبة له النحت والتصوير:

أ ـ استلهام غار حراء في فن النحت:

أبدع النحات الأردني الدكتور كرام النمري من خلال تمكنه من صياغة الكتل ومحاولة تشكيلها في الفراغ مع خلق علاقة فنية فكرية صحيحة تبين الممكن في التعامل واللا ممكن صرحًا يتكون من سبعة رقاع “مخطوطات” مصنوع من الحديد المحمي المطعم بالنحاس الأحمر والأصفر عملًا مبدعًا استقاه من الآيتين الكريميتين من سورة الكهف: ﴿آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)﴾ وقد كتب على الرقعة الأولى الآية الكريمة التي نُزلت على الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم توحي وتذكر في تنزيل القرآن. وقد كتبت في خط فجر الإسلام، بحجم يتراوح (m12mÍ6mÍ4) ويزن ستة عشر طنًا.

وقد استوحى كرامي “الرقاع” من غار حراء، حيث قال: (إن الشكل مستوحى من قصة نزول جبريل عليه السلام بالوحي على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم حين نزل عليه في غار حراء، يقول له اقرأ فرد عليه السلام خائفًا ما أنا بقارئ، فجاء الشكل مكونًا من رقائق على شكل رقاع سبع ملتفة على بعضها البعض نازلة على تراب التلة ضامة كلمات الآية القرآنية ولقدسية كلام الله تعالى رفع الفنان هذه الصحائف عن الارض ولم يضع لها قاعدة حتى لا تكون مرتبطة بالأرض مباشرة.

ب ـ استلهام غار حراء في فن التصوير:

فاز تصميم “غار حراء” بأبعاده (200 م×18 م)، من أعمال الفنان الخزاف أحمد علاوي في المسابقة العالمية لتزيين الحرم المكي التي أقيمت في مكة وبمشاركة 405 فنان وفنانة من مختلف الجنسيات، وكان الهدف منها تزيين تسعة مواقع بجانب الحرم المكي بتسع جداريات فنية من الخزف.

ــ استلهام حراء في العمارة:

فكر المعماري التركي “إمري أرولات” في بناء مسجد يختلف تمامًا عن مساجد العالم الإسلامي، يثبت له الفرادة والتميز، خاصة وأن المسجد سيبنى في منطقة “بيوك تشكماجا” في مدينة إسطنبول، تلك العاصمة الغاصة بالمساجد الشهيرة، فكان أن سافر ببصره وفكره إلى ينبوع الإسلام الأول ومهد آيات الذكر الحكيم “غار حراء”.

بنى أرولات مسجد “سنجاقلار” ومعناه بالعربية “غار حراء” على مساحة 700 متر مربع ليتسع لحوالي 900 مصل، فكان أول مسجد يبنى تحت الأرض في العالم، جامعًا بين جوهر التصاميم الإسلامية والعثمانية القديمة والتقليدية المتعلقة بالمساجد مع التصميم الحديث والعصري، لكن ليس هذا كل شيء حتى نقول أنه استلهم روح وليس شكل حراء في التصميم والبناء والمواد، ومن ثم الهدف.

اختار أرولات وفريق العمل معه لبناء المسجد منطقة بعيدة عن فوضى وضجيج المدينة، حيث يقف بشكل منعزل عن مجتمعات الضواحي المحيطة به، وجدرانه العالية تحدد حدوده بشكل واضح، وقد اعتمد المصممون في بنائه بشكل أساسي على استخدام مواد خشنة المظهر كالحجر الرمادي البركاني والأسمنت، كما دفنوا معظم بناء المسجد تحت الأرض بمساحة 13 ألف قدم مربعة مستفيدين من ميول الأرض المنحدرة، كي يبدو كجزء أساسي من التضاريس المحيطة به، فالمظلة المستطيلة الطويلة جدًا التي تمتد من الحديقة هي العنصر المعماري الوحيد المرئي من الخارج والذي يشير إلى وجود المسجد، بينما الباقي من البناء تحتضنه الأرض في سلام.

وضع فريق العمل “غار حراء” نصب أعينهم، فاستلهموا منه التصميم الداخلي للمسجد، وكان أن قرروا الالتزام بالبساطة مع التخلي التام عن الالتجاء إلى استخدام الزخارف والأشكال واستعيض عنها بآية قرآنية وحيدة، وهي: “وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا” وهي تحمل رسالة للمصلي بداخله بالتفرغ لله تعالى بالصلاة والذكر والتسبيح، لا تشغله زينات أو مقرنصات ملونة أو رموز وخطوط وفسيفساء هنا وهناك.

جاءت إضاءة المسجد استلهامًا حقيقيًا من غار حراء الذي كان يعتمد على ضوء النهار تمامًا، فقام فريق العمل بتوجيه ضوء النهار إلى داخل المسجد بشكل غير مباشر من خلال فتحات وشقوق مخفية بطول جدار القبلة، وتساهم الأعمدة الخرسانية التي توجد تحت القبة بتوجيه وتجميع الضوء.

ــ مغارة “غار حراء” في باكستان:

استحضارًا لصورة جبل النور واستلهامًا لغار حراء في معناه ومبناه، قرر عبد الصمد لهري مع شقيقه عبد الرشيد في عام 1992م إطلاق مشروع دفن النسخ القديمة من القرآن الكريم في بطن التلة الصحراوية الواقعة بالقرب من مدينة كويتا الباكستانية التي أطلق عليها اسم جبل النور تيمنًا في مكة المكرمة، والغار الذي يضمه.

كان دافع الشقيقين لإنشاء هذا الموقع هو تجميع نسخ القران المهترئة والممزقة في غار صغير؛ إذ يعد التعامل معها بالرمي أو الحرق أمرًا صعبًا في باكستان يعرض فاعله لعقوبة قاسية قد تصل إلى الحكم عليه بالإعدام بموجب القانون، ومع تزايد ورود نسخ القرآن إلى الغار قاما بعملية حفر وتوسيع حتى بلغ طول النفق نحو 26 كيلومترًا بأربعة مداخل.

ويقصد مغارة “كويتا” أو “غار حراء” مئات الآلاف من الزوار بعد أن أصبحت أشبه ما يكون بالمكتبة الضخمة للنسخ القديمة من القرآن الكريم والتي تحوي ما لا يقل عن خمسة ملايين نسخة قديمة من القرآن الكريم منها ما يعود إلى أكثر من قرن ونصف القرن.

ــ حراء في الخط العربي:

الخط لسان اليد كما يقول ابن عباس، وهو الفكر الساكن، أصعب الفنون الإسلامية، وذلك لأن الفنان فيه لا يملك في يده غير القلم البسيط، وهذا القلم مسطرة الخطاط وبِرْجَلُهُ كما يقول الخطاط وأستاذ الجامعة باسطنبول.

والخط من الفنون الأوائل التي اتصلت اتصالًا وثيقًا بالقرآن الكريم؛ إذ نستطيع أن نقول إن الخطوة الفنية والجمالية الأولى للخط العربي بدأت مع بزوغ شمس الإسلام في غار حراء.

من تلك البلاد التي اشتهرت وتعلقت بالخط العربي “باكستان”، وقد تجلى هذا في المجلد الصادر عن القنصلية العامة لجمهورية باكستان الإسلامية في جدة، بعنوان: “علم بالقلم.. الخط العربي في باكستان”، وقد ضم بين دفتيه مجموعة رائعة من الخطوط والرسومات التي اعتمدت على الحرف العربي، يعكس تعلق الباكستانيين بلغة القرآن.
ولقد انتهج الفنان التشكيلي الباكستاني محمد إقبال أسلوبًا جديدًا وذلك حين استخدم ماء زمزم في لوحاته، وقد أضاف إليها أيضًا حجارة من غار حراء في عدد من الرسومات ليمنحها عمقًا روحيًا، جامعًا فيها بين الخط العربي وأصالة الفنون الباكستانية.

ــ حراء في الموسيقى العربية:

أحمد زهدي الفاتح قرقناوي شاعر يتسم شعره بالتأمل والروحانية الحالمة، وهو أيضًا باحث أكاديمي تخصصه «أنثربولوجيا الموسيقى» يجمع في موسيقاه بين الكلاسيكية العالمية والمحلية الحجازية، فتميزت أعماله بالنغمات الشرقية الأصيلة بمعالجة أوركسترالية احترافية عالمية، ولهذا كان قرقناوي السعودي الوحيد الحاصل على جائزة المفكر والفيلسوف اللبناني سعيد عقل.

تجاوز الإحساس بالكلمات كمجرد كلمات لها معاني، فرآها في الأصل حروف، لها أصوات ولها أشكال، تتآلف وتتنافر، وهذا أورثه التحدي في خلق عمل جميل صوتيًا وشكليًا وفكريًا على حد سواء، وربما جعله هذا ينقطع زاهدًا أيامًا عن الطعام والشراب إلا قليلًا، معتزلًا الناس حتى يعايش حياة الرسول صلى الله عليه وسلم أيام انقطاعه في غار حراء، حتى ألف قطعته الموسيقية الطويلة الرائعة الهادئة، الكلاسيكية الراقية: “وجدان محمد صلى الله عليه وسلم ــ تجربة غار حراء نموذجًا”.

التعليقات