الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

حرب الغاز العالمية بين المصالح الاقتصادية و الهيمنة السياسية 4

الكاتب : د/ حسن الغنيمى

الأمرليس صراعاً بين سُنًة او شيعة و ليست حرباً علي اسلام او غيره .. إنها حروب السيطرة علي منابع الطاقة في العالم و منها السيادة التامة علي القرار السياسي و الاقتصادي في الكوكب ..
بدأت القصة منذ عام 1992 جراء قمة الأرض في ريوديجينيرو ، حيث تم إقرار إتفاقية كيوتو للحد من إنبعاث الغازات الى الجو و لمنع تفاقم الإحتباس الحراري .
و في عام 1994 ألزم الإتحاد الآوروبي نفسه بهذه الإتفاقية و أصبح الغاز أهم من النفط, و الغاز موجود في إيران و روسيا فهل ستسمح واشنطن بزيادة النفوذ الروسي في آوروبا و العالم ؟وبخاصة بعد انهيار "حلف وارسو" وبالتالي من المنطقي زوال سبب وجود حلف "الناتو".
وفي عام 1995 أشرفت واشنطن على صفقة انقلاب الشيخ حمد الابن على والده في قطر، ثم جرى ترسيم الحدود القطرية الإيرانية، وبدأ استخراج الغاز القطري تلبية للطلب الأوروبي ومن ثم تسييله لعدم الإمكانية الواقعية لمد أنابيب من الدوحة بمسارات أوروبا، بينما كل من البحرين وسلطنة عمان تقوم بشراء الغاز من دول أخرى، حيث إن الغاز القطري مخصص فقط للأسواق الأوروبية بهدف منافسة الغاز الروسي، وقد جاء ذلك في خضم إشعال واشنطن شرارة الصراع الشيشاني ضد موسكو لإرباكها، وتفتيت يوغسلافيا بشرارة "المجاهدين العرب الأفغان" عبر أحداث كوسوفو والبوسنة .
وفي عام 1996 كان بوتين قد بدأ الامساك بزمام الإمور جراء احتواؤه الوضع في الشيشان و تأسست شركة غازبروم التي ستصبح هي الحاكم الفعلي لروسيا على غرار الشركات الأمريكية التي تحكم الولايات المتحدة .
فى عام 1997 بدء الخطر الاكبر فى نظر الادارة الامريكية و هو بدء التكامل الروسي الصيني بعد حل كل المشاكل التي كانت عالقة أبان العهد السوفيتي و الخوف من التبادل التجاري بينهم بدون الدولار, و بين روسيا و آوروبا بدون الدولار.
و فى عام 1999 اتفق الإتحاد الآوروبي على العملة الموحدة التي ستطلق للحياه ليصبح هناك منافس للدولار, يحتل قسم من إحتياطات الدول على حساب الدولار.

وقد كان لإدراك واشنطن لخريطة الغاز في خريطة الجغرافيا السياسية أهمية قصوى: تركمانستان، وأذربيجان، وايران، ومصر، ومن ثم حجم كميات الغاز التي كانت تعلم به واشنطن و الذى عرفته روسيا مؤخراً بساحل البحر الأبيض المتوسط بين فلسطين ولبنان وقبرص، وكان على واشنطن بدء التحرك في السيطرة على هذه المنابع من أجل بقائها قطبا أوحد يدير العالم، في ظل منافسة الغاز الروسي، ولأن غاز أذربيجان وتركمانستان من الصعب الوصول إليه، كونهم ضمن النفوذ الروسي، لكن الوصول إليه فيما بعد سيطرة واشنطن على غاز المتوسط سيكون أسهل حيال إزاحة الغاز الروسي من أوروبا ومن ثم عجز موسكو عن شراء غاز أسيا الوسطي التي يمكن إرغامها لاحقا على دخول النفق الأمريكي .. لكن سيطرة واشنطن على منابع غاز المتوسط يحتاج إلى سلام في المنطقة وفق الشرعية الدولية، وهو ما يعني عمليا بداية نهاية الحلم الصهيوني.و هذا لم و لن يكون هدفا لأمريكا فماذا تفعل ؟
اختارت واشنطن الطريق الأسهل للقضاء على المقاومة اللبنانية التي تمثل عائقا كخطوة لتصفية القضية الفلسطينية، من هنا كانت الحرب علي لبنان عام 1996 (عملية عناقيد الغضب) للقضاء علي حزب الله والمقاومة، لكن فشل أهداف هذا العدوان أدى لتحرير الجنوب اللبناني عام 2000، الذي مثل نكسة أمريكية إسرائيلية، وكانت الصدمة الأكبر صعود الدب الروسي بوتين بعد إزاحة يلتسين.
فبادرت واشنطن في التنفيذ العملي لتقسيم الشرق الوسط إلى دويلات طائفية وعرقية تديرها إسرائيل بالوكالة، خاصة بعد إدراكها عجز الغاز القطري عن منافسة الغاز الروسي بأوروبا، بل تزايد الطلب عليه على خلفية الانتعاش الاقتصادي لموسكو، من هنا كانت أحداث ما يسمى بهجمات سبتمبر الارهابية عام 2001 وبدايات احتلال أفغانستان تنفيذا للهدف المباشر بقطع طريق الترانزيت عن الصين وحصار كل من روسيا وإيران، ثم كانت صفقة واشنطن عام 2002 مع الأصوليين الأتراك رجب الطيب أردوغان وعبدالله جول في الإطاحة بزعامة نجم الدين أربكان، فكما كان انقلاب قطر سببه الغاز، كان صعود حزب العدالة والتنمية التركي ليحتل صدارة المسرح السياسي التركي، تلا ذلك إعلان واشنطن كتمويه عن نواياها الحقيقية إنشاء خط غاز (نابوكو) وهذا الاسم له معنى اسم مقطوعة موسيقية للموسيقار فيردي فيما سمي (سبي نبوخذنصر ) الذي يمثل نصرًا للصهيونية في العراق وبدأ مسلسل احتلال العراق عام 2003.
لكن السؤال يطرح نفسه: لماذا نابوكو؟ والإجابة أن واشنطن أدركت عمليا استحالة سيطرتها المباشرة على غاز آسيا الوسطى( في ظل عدم علم موسكو بغاز المتوسط واعتقاد موسكو بموت محقق لنابوكو قبل ولادته)
كانت واشنطن تضمر وتخطط أولا للحصول على الغاز المصري ومن ساحل المتوسط في لبنان وفلسطين وقبرص على منحى تدمير وتقسيم سوريا ستحصل إن عاجلا أو آجلا على الغاز الإيراني بلا حرب وكنتيجة عجز موسكو عن شراء الغاز الأزري ومن ثم فقدانها لمناطق نفوذها في أوروبيا وآسيا مرة واحدة، مع السيطرة الأمريكية على العالم ككل .


• خط نابوكو والخطوط التركية:
يقضي مشروع «نابوكو»، بمدّ خط أنابيب ينطلق من ثلاث دول في آسيا الوسطى، هي كازاخستان وأوزبكستان وتركمانستان، ثم يمتد غربًا في قاع بحر قزوين حتى أذربيجان، ومنها إلى جورجيا، ثم تركيا. ويواصل الخط بعد ذلك مساره إلى بلغاريا ورومانيا والمجر والنمسا حيث محطات التجميع والتوزيع.

وفي عام 2011، جرى توقيع اتفاقية عبور خط نابوكو في أراضي الدول الأوروبية الأربع سابقة الذكر، إضافة إلى تركيا. وأعلنت كل من مصر والعراق عزمهما على المشاركة في المشروع الذي أعلنت إيران أيضًا عن رغبتها في الانضمام إليه. و تم الاعلان بأن عملية بناء الخط سوف تبدأ العام 2013، وأن أول شحنة غاز سوف تتدفق فيه عام 2017، وستكون من حقل غاز شاه دينز في أذربيجان، ما يعني أن دول آسيا الوسطى لن تكون ضمن الانطلاقة الأولى لمشروع نابوكو.
أحلام أردوغان العثماني
راود أردوغان حلمه بانبعاث ولادة الدولة العثمانية الثانية عبر خط نابوكو لتتحول تركيا إلى دولة ثرية تضاهي السعودية بواسطة رسوم الترانزيت، وسارع أردوغان بزيارة للقاهرة وإقناع نظام مبارك بالتوقيع على اتفاقية نابوكو، وربما لم يكن مبارك يدرك أن توقيعه كان بمثابة مسمارا في نعش سلطته.
لكن ما هي خطوط الصفقة الأردوغانية الأمريكية؟
والإجابة عليها تكمن في النقاط التالية :
1- مساعدة واشنطن على بسط حزب العدالة والتنمية الأصولي في فرض هيمنته الكاملة على تركيا، والتخلص من سيطرة المؤسسة العسكرية وتصفيتها.
2- قبول أردوغان بواقع التقسيم لمصر في إطار ثلاث دويلات قبطية وسنية متشددة، ودولة للنوبيين (من هنا كان سبب العنف الطائفي المدروس الذي شهدته مصر في الأشهر الأولي بعد 25 يناير ولأول مرة يطلق الجهاز الإعلامي المصري قضايا النوبيين، ومن ثم مغزى الفراغ السياسي بمصر انتظارا لتطور مسرح العمليات على الأراضي السورية، والرسائل الضمنية عبر تفجير خطوط الغاز في مصر) والعراق لثلاثة أخرى وسوريا لأربعة دويلات.
3- تعهد واشنطن ببسط نفوذ أنقرة على الدويلات السنية الجديدة، مع قبول أنقرة بسط النفوذ والهيمنة الإسرائيلية على بقية الدويلات المزمع تقسيمها حتى ولو بالقوة العسكرية.
4- التزام واشنطن بعدم مرور خط نابوكو عبر اليونان لكي تضمن تركيا فرض سيطرتها على كامل التراب القبرصي والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي على حساب اليونان، طبعا هذا التقسيم سيشمل تركيا نفسها مع الدول الخليجية، وتؤكد كل الشواهد على موافقة أردوغان بحيث تكون تحت سيطرته دولة سنية صغيرة وغنية بدلا من دولة كبيرة بدون نفوذ بالمنطقة.
وتحركت واشنطن لتنفيذ خطواتها التالية لحصار روسيا، عبر إقناع حلفائها بالانضمام لخط نابوكو، ومن ثم اشتعلت "الثورة البرتقالية" في أوكرانيا، معلقة إمدادات الغاز الروسي لأوروبا، في نفس الوقت شنت الحرب الإعلامية على روسيا البيضاء و رئيسها لوكاتشنكو وبالفعل قطعت الغاز عن أوروبا طيلة أسبوعين، وكانت الرسالة الأمريكية للحلفاء بأوروبا بعدم الاعتماد على الغاز الروسي، إلا أن موسكو ردت بأن دول عبور خطوط غازها مهمة لها وبأنها ليست على استعداد لخسارتها حتى لو اضطرت لاستخدام القوة، ونتج عن ذلك دحر البرتقاليين وسقوطهم برضاء أوروبي.
* الرد الروسى :
ردّت روسيا على مشروع نابوكو باستراتيجية ذات مسارات متعدّدة من أجل محاولة إيقاف تنفيذ هذا المشروع، فبدأت:
1- إثارة نقاش حول الصفة القانونية لبحر قزوين. فالقانون الدولي يفرّق بين البحيرة والبحر في ما يخص الحقوق والالتزامات الناشئة للدول المطلّة عليه، فإذا كان المسطّح المائي بحرًا، فإن الدول المحيطة به تتقاسم ثرواته حسب طول شاطىء كل منها، أما إذا كان الحوض بحيرة فإن الدول المحيطة به تتقاسمه وثرواته بالتساوي.
على هذا الاساس تبنّت روسيا تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة تتجدّد مياهها بواسطة نهر «الفولغا» الروسي، والقانون الدولي يمنحها حق الاستفادة بالتساوي مع باقي الدول المحيطة بالحوض. وهكذا وإلى أن يتم الاعتراف بقزوين «كبحر»، لا يحق لتركمانستان أو أذربيجان أو غيرها إنشاء حقول نفط أو غاز على الساحل القزويني من دون موافقة الروس.
2- اتجهت نحو احتكار عقود بيع وشراء الغاز في آسيا الوسطى، وتحديدًا مع جميع الدول التي ستمد خط نابوكو بالغاز، كتركمانستان وأوزبكستان.
ومن هنا فقد نجحت روسيا في تفريغ المشروع من جدواه ونسفته من جذوره تماما . وجعلته يولد ميتاً بعد أن جففت كل المصادر المحتملة لأي شكل من أشكال هذا المشروع، بعد أن اتضح جلياً أنه ليس من العقل بناء أنبوب لنقل غاز لا يوجد له من يزوده أو يمده بالغاز أو حتى يقبل بحق المرور عبر الملك المشاع، ولم تتردد روسيا في المحافل الدولية بسخريتها من المشروع، والذي اعتبرته نزعة أو زوبعة موسيقية سياسية
* كما أعلنت شركة غاز بروم الروسية عن استثمارها في مشاريع لاكتشاف الغاز بأمريكا اللاتينية وأفريقيا وآسيا، في تزامن بتوقيت إعلان أربع خطوط جديدة للغاز هي:
1- السيل الشمالي: لمد الغاز من الشمال الروسي عبر البحر الأسود ( بدون المرور على روسيا البيضاء، وبالفعل بدأت خطواته ومن ثم تم تخفيف الضغط الأمريكي على لوكاتشنكو حيث إن سقوطه من عدمه لم يعد يفيد واشنطن ) نحو ألمانيا مباشرة وبواسطته ستتمكّن روسيا من نقل غازها إلى كل من الدانمارك وهولندا وبلجيكا وبريطانيا وفرنسا وبولندا والتشيك، ودول أخرى انطلاقًا من ألمانيا، وسيوزّع الغاز على نحو 26 مليون منزل في أوروبا.
2-السيل الجنوبي: عبر البحر الأسود لبلغاريا ومنها بإمدادات إلى رومانيا فالمجر والنمسا وللجنوب عبر اليونان وإلى إيطاليا (مازال هذا الخط في إطار مفاوضات بلغارية روسية، حيث تتعرض صوفيا لضغوط أمريكية بإيقافه تحت حجج تأثيره العكسي على البيئة بمدينة بورجاس والخسارة السياحية المعرضة لها وكذلك نفقاته الباهظة والتي أعلن الجانب الروسي عن تسهيلات كثيرة لصوفيا به، والتي ما زالت تراوغ إذعانا لواشنطن).
3- التدفق الأزرق عبر تركيا ومن ثم سوريا والأردن وإسرائيل (وهذا يثبت فعلا عدم علم موسكو بغاز البحر الأبيض المتوسط المكتشف حديثا) وقد تم إلغاء هذا الخط بعد علم موسكو.
4- فى عام 2009 وقّعت شركة «غاز بروم» الروسية اتفاقًا مع الدولة النيجيرية صاحبة تاسع أكبر احتياطي من الغاز في العالم، بقيمة 2,5 مليار دولار لبناء مصافي غاز وأنابيب نقل ومحطات توليد طاقة فيها، وذلك بهدف تصدير الغاز نحو أوروبا بواسطة خط أنابيب يمرّ في ليبيا وصولًا إلى أوروبا عبر إيطاليا التي وافق رئيس وزرائها (برلسكوني) على بيع 50 في المئة من شركة «إيني» البترولية الإيطالية لروسيا، والمفارقة أنه تم عزله بعد ذلك.
كما أنه لم يكن من قبيل «الصدف»، أن تبدأ جماعة «بوكو حرام» الإسلامية المتطرّفة في نيجيريا الشمالية أولى عملياتها الارهابية في السنة ذاتها التي وقّعت فيها «غاز بروم» عقدها مع الحكومة النيجيرية، كما أن طرد الرئيس بن علي رئيس تونس السابق، وإسقاط النظام الليبي وعزل برلسكوني قد أغلق خط «أفريكان ستريم» على روسيا.
5- قيام شركة غاز بروم الروسية بشراء نصف حصص شركة "ايني" الإيطالية في ليبيا، مع بدايات استثمار بالسودان.
بيد أن التدخل الأمريكي المحموم لإعادة بعث مشروع(نابوكو) جعل للرواية فصولا أخرى أكثر درماتيكية وإثارة.
وكان الرد الأمريكي في الإسراع بالخطوات العملية للشرق الأوسط الجديد بقطع الطريق على موسكو، وبدء العد التنازلي لمسلسل "ثورات الربيع العربي".

التعليقات