الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

ساعة ويرحل الشعر

في القرى لا يُكتب الشعر..
لأنه كلام العابرين،
لأنه أوجاعنا،
لأنه لا يناسب الظلام الجاسم علي صدور الجائعين.
القرى مكان المتعبين،
والريح تعبث بالفضاء،
والأشجار تلقي نظرةً مرتابةً علي هذا المتسع الحميمي حيث لم يبقَ غناءٌ بالقرى بعد رحيل (حسن).
أيها الفقر!!
يا رفيق القرويين
ألا غيرت ضحكتك الساخرة؟!
هل ستظل ضبعًا تطارد الحالمين منّا،
ثم تنهش عيونهم، وتتركهم علي أبواب المدن
يثرثرون
بحلم المقبرة؟!
في القرى
لا توجد أيادي ناعمة تصلح لكتابة الشعر..
لا يوجد خصيان يتقلبون طيلة الليل علي بطونهم ليتأملوا سطرًا أو كناية..
لا يوجد ذباب كافٍ ليتسكع علي أغلفة الدواوين ..
في القرى أناس يتسامرون بوصفات العجائز،
يرددون وراء الصمت نشيده الأبدي
وينعمون بالفراغ والعطش.
في القرى
بقيةٌ من كتابٍ غادره المدنيون.
بقيةٌ من سأم.
بقيةٌ من أكاذيب العدالة،
فعن أي أكذوبة يستطيع الجلف أن يكتب شعرًا؟!
في القرى
تحلم الفتيات برائحة الشواء
وبخور المشايخ والقديسين
وطالعٍ حسنٍ بشمس الشتاء.
في القرى حُرمنّا البكاء
حُرمنّا الرياء
حُرمنّا الطبول والرقص،
حُرمنّا من وجه (نعيمة)
ووهبنا مزيدًا من الظمأ.
فأَنَّى لي بقصيدة تترقرق دموعها ولا تجادل الوجع؟!
أَنَّى لي بقصيدة لا تتغزل في ساعات الألم المسائي،
والكروان يودع سماء قريتنا، والضفدع يتأهب للمبيت؟!
في القرى
لا نحب الشعر
ولا الشخوخة
ولا الموت.
فيا أهل مدينتنا..
خذوا سنابك قصائدكم بعيدًا عنا
وارحلوا
فإنّا لا نبغي شيطان اللهب،
ولا تراتيل نبي يتغني بالغضب.
في القرى لا نكتب شعرًا
وما عندنا ننجب الشعراء
ولا يحلوا لنا بوح الرؤى.
في القرى
صرنا نكتفي بصلاة القلوب
بنزق العروق
بتكشيرة تعلو كغيمةٍ يستظل بها جرن الحجارة.
خذوا شعركم بعيدًا عنّا
وارحلوا
كفاكهة سريعة العطب
كخضار سريع الذبول.
واحفظوا نصائحي:
إياكم والأمل!!
أياكم والعمل!!
أياكم والغواية!!
وعلي ساعة مدينتكم علقوا وصيتي
علها تصير ساعة حتفي
وأدعوا الشحاذين والمخبرين يشعلوا البخور ليّ
لأنه ليس ثمة حظٍ عاثر سيجلب لي غيرهم.
رائحة بخورهم ستحرس وصيتي:
أيتها القرى المستكينة
تصَبَّحي بالمحبة
وارفعي فلاحك ملكًا
لمرةً واحدة
لتصعدي الأعالي
في عذوبةٍ ورقةٍ وعطفا.


التعليقات