الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

وحوش شكسبير

:اللحظات الأكثر توحشًا في مسرح شكسبير

ممارسة العنف لا تقتصر علي العنف المادي الذي يمارسه البدن بالقوة تجاه الأشياء والأخرين فينتج عنه الأذى والضرر، لكنه يتجاوز ذلك إلي اللغة والفكر، فهناك من الكلمات ما تكون أشد عنفًا وقسوة من عنف البدن أحيانًا، وهناك من الأفكار ما أن تصور عنفها وقسوتها لتخر منه الجبال.

العنف اللغوي هو فعل كلامي يصدر عن موقف انفعالي يُنجَز في مقام تواصلي تفاعلي سِمته البارزة التنازع والخصام، كما يشرح (مراد موهوب) ذلك في بحثه "لغة العنف وعنف اللغة : مقاربة لسانية نفسية"، وأبسط أشكال العنف اللغوي هو السباب، لكن أعقدها تلك التراكيب اللغوية التي تقدم صورًا ذهنية تمتلأ بالإذاء والقسوة وتمتمزج مع متعةٍ ولذةٍ سادية للألم المتصور حدوثه بالصورة الذهنية المنتجة باللغة؛ حتى نكاد أن نتخيل الذي ينطق بهذه الكلمات والتراكيب اللغوية ليس سوى وحشًا في هيئة بشرية ناطقة.

وكما يمتلأ المسرح بالبشر، لأنه عنهم ولهم، فكما هو محاكاة للفعل الإنساني بواسطة الإنسان ليعرض أمام مجموعة من الناس؛ فإن المسرح ترتع به الوحوش ذات الهيئة البشرية التي تماس عنفها وقسوتها بواسطة اللغة.
في السطور القادمة نلتقط سبعة من هذه الوحوش البشرية من مسرح (شكسبير)، ونعرضهم في لحظات هي الأشد وحشية وقسوة علي مستوى التلفظ اللغوي.

الوحش الأول:
من مسرحية "ترويلوس وكريسيدا".. يقول (أجاكس) إلي (ثرسيتيس): "سأقطع لسانك!".
فيجيبه (ثرسيتيس): "حسنًا، أفعل ذلك، لكني سأظل أفصح منك. وستظل أنت قبيحًا".

الوحش الثاني:
في مسرحية "هنري السادس".. المشهد الأول من الفصل الخامس، يقف (ورويك) في وجه الملك (إدورارد)، ويقول له:
- أفضل أن اقطع يدي هذه بضربة قاسية، وأن أرميها في وجهك باليد الثانية، علي أن أنحدر بدناءةٍ إلي مستواك.
فيكون رد الملك (إدوارد) عليه:
- إن هذه اليد التي ستلتف علي شعرك الفاحم، وترفع رأسك المقطوع وهو لا يزال ساخنًا وتهزه بعنف، ستجبر يدك أن تكتب علي التراب: ورويك السريع التقلب لن يسعه الآن أن ينقلب علي أحد.

الوحش الثالث:
في مسرحية "الملك لير".. إنظر إلي اللحظة التي ينطلق فيها لسان (كنت) لينعت ويسب (أوزوالد) بأخس الصفات وأقذرها؛ في المشهد الثاني من الفصل الثاني، إذ يقول (كنت) لـ(أوزوالد):
- إنك وغد صعلوك، أكل فضلات الطعام، ......، خليط مركب من وغد، وشحات، ورعديد، وقواد، ومن ابن وريث كلبة نغلة.
ثم يصل (كنت) إلي قمة عنفه اللغوي، الذي سبقه عنفه البدني بأن جرد سيفه وأراد أن يبارز (أوزوالد)، لكنه يصل إلي أقصى لحظات توحشه وعنفه اللغوى إذ يقول:
- يا حرف Z الذي بلا قيمة، إذا أذن لي مولاي هرست جسد هذا الوغد الخثر، وجعلته ملاطًا (مادة الدهان) وطليت به جدار بيوت الخلاء.

الوحش الرابع:
في مسرحية "ماكبث" حيث أفظع وحوش شكسبير قسوةً؛ السيدة (ماكبث) أو "الليدي ماكبث".
ولنذهب مباشرة إلي نهاية الفصل الأول حيث المشهد السابع، عندما تدفع السيدة (ماكبث) زوجها لإنجاز فعل قتل الملك (دنكان) الذي تردد في (ماكبث) في إتمامه. تقول السيدة (ماكبث) لزوجها:
- إنني علي استعداد لأن أنزع حلمة ثديي من فم الطفل الرضيع الذي بلا إسنان، حتى وإن كان يبتسم في وجهي، وأهشم رأسه تمامًا، لو كنتُ أقسمتُ علي أن أفعل ذلك.
أي أُمٍ تستطيع أن تفعل ذلك؟!.. إن أشد الوحوش قسوةً لا تستطيع أن تأتي بنا قالته السيدة (ماكبث)

الوحش الخامس:
في مسرحية "تيمون الأثيني"، وبالتحديد في المشهد الثالث من الفصل الرابع، بعد وابل من تبادل السباب والإهانات بين (تيمون) و(أبيمنتوس)، يدور بين الوحشين الأدميين تبادل هذه القذائف اللغوية:
أبيمنتوس: ليت الطاعون يفتك بك، لأن اللعنة كثيرة عليك.
تيمون: جميع الأنذال أطهر منك.
أبيمنتوس: كلامك أبغض علي من البرص، فكل كلمة تنطق بها هي مرض.

الوحش السادس:
في مسرحية "ضجة فارغة"؛ في المشهد الأول من الفصل الرابع، حيث تنفعل (بياتريس) بسبب إهانات (كلوديو) فتطلب من (بنديك) أن يقتل (كلوديو)، وهي تقول له في النهاية وهي في قمة توحشها:
- لو أني كنتُ رجلاً لأكلتُ قلبه علي الملأ أكلا.

الوحش السابع:
فرغم وجود ذلك القابع علي عرش الدنمارك في مسرحية "هملت"؛ (كلاديوس)، إلا أنه دائمًا يتلفظ بنعومة مثل ثعبان أملس، بينما نرى أشد لحظات التوحش في المشهد الرابع من الفصل الفصل الثالث، حين يتوحش (هملت) أمام امه ويبادرها بقوله:
- دعيني أعصر قلبك، ذلك ما أريد أن أفعله. إن كان مصنوعًا من مادة تتأثر، ولم يكن قد تحول إلي نحاس جامد بحكم العادة اللعينة.

هؤلاء كانوا من وجهة نظرنا أشد وحوش (شكسبير) تفظًا بالعنف والقسوة.

التعليقات