الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

أشرار شكسبير


يتفاوت مفهوم الشر من شخصٍ لآخر، ومن كائنٍ لآخر، فكلب جارنا الطيب يرى قطتنا اللطيفة هي الشر كله، وكذلك ترى قطتنا أن كلب جارنا الوديع هو الشر المطلق. وأعرفُ صديقًا يمارس الشر كهواية، فمن الناس من يهوى الشطرنج أو المشي أو كرة القدم، لكن صديقي هذا يهوى ممارسة الشر، ولو عليّ حائط أو نملة ضعيفة.
هناك من يري أن الميكروبات والفيروسات هن الشر الكامن في الوجود، بينما يرى آخر أن الكربوهيدات هي الشر ذاته وقد تخفى وتجمل في مظهر حسن.
علي مر تاريخ الكتابة قدّم كُتَّاب المسرح العديد من الأشرار، لكن يبقي "أشرار شكسبير" هم الأكثر تميزًا وشرًا في نظري، فقد ابتكر (شكسبير) شخصيات لا ترحم، بل تتفنن في الإيذاء والمكر والخبث، وسأحاول في السطور القادمة أن أقدم الأشرار الخمسة الأشد بشاعة من بين "أشرار شكسبير" كما أراهم.
أرجوك لا تقارن بينهم، وأن تجعل هناك لحظات بين قراءة كل شرير منهم، ثم تأخذ نفسًا عميقًا لتنطلق مع الآخر.

الشرير الأول:
شخصية (تامورا) التي جمعت ما بين الوحشية والشهوانية من جهة وبين العظمة من جهة أخرى، إنها من أشد الشخصيات ازعاجًا وعنفًا لدي (شكسبير). سنجد (تامورا) تمارس العنف والشر بقسوة وضراوة في مسرحية شكسبير "تيتوس أندرونيكوس"، لدرجة أن يصفها (هارون) - عشيقها وأحد شخوص المسرحية - بأنها "سخرت مواهبها للشر والانتقام". (تامورا) هي ملكة القوط التي تسيطر علي أحداث مسرحية "تيتوس أندرونيكوس" شرقًا وغربًا، وهناك من يرى أن شرور (تامورا) كانت شرورًا بدائية، تطورت وصارت أكثر شرًا وعنفًا مع السيدة (ماكبث)، أو (كيلوباترا)، لكن الذي أنا علي يقين منه - كما قدّمنا - أن الشر أمر نسبي يتفاوت الشعور به وتقييمه من شخص إلي آخر.
إن مسرحية "تيتوس أندرونيكوس" تفيض وحشية وعنفًا، إنها تكاد أن تكون أكثر مسرحيات شكسبير عنفًا، فهي تبدأ بعودة الجنود الرومان من حملة دموية في بلاد القوط، ومنذ المشهد الأول نجد (لوكيوس) ابن (تيتوس أندرونيكوس) يصيح مطالبًا أن يمثلوا بـ(ألاربوس) ابن (تامورا):
- امضوا به وأوقدوا النار فورًا، فلنمتشق سيوفنا، ونقطع بها أطرافه فوق كومة خشب ونحرقها حتى تتلاشى كلها.
ثم أنظر إلي السادية والوحشية التي يصف (لوكيوس) لأبيه تمثيلهم بـ(ألاربوس):
- لقد قُطعت أطراف ألاربوس، جزءًا جزءًا، ثم صارت أحشاؤه وقودًا لنار القرابين، تعطر السماء دخانها وكأنه بخور العابدين.
وفي ذات المشهد نري (تيتوس أندرونيكوس) يطعن ابنه (موتيوس) لأنه سد طريقه، وكذلك نسمع (تامورا) تكشف للأمبراطور عن نواياها وخططها المستقبلية؛ قائلةً:
- فسأجد اليوم المناسب الذي أذبحهم فيه كلهم ذبحًا. وأستأصل شأفتهم وشأفة شيعتهم وأسرتهم؛ هذا الأب القاسي [تقصد: تيتوس أندرونيكوس] وأبناؤه الخونة، .....، سأجعلهم يعرفون ما جزاء من يترك ملكة تركع في الشارع لتستجدي العفو عبثًا.
ثم في الفصل الثاني تدفع ولديها (شيرون) و(ديمتريوس) إلي قتل (باسينوس) أمام زوجته وحبيبته (لافينيا) ابنة (تيتوس أندرونيكوس)، ثم تحرضهما علي اغتصابها، "بمقدار ما تسيئان إليها سيزداد حبي لكما"، ثم تقول (تامورا) مخاطبة (لافينيا) عندما طلبت منها الرحمة (القتل عوضًا عن الاغتصاب):
- إذا كنت أنت لم تسيئ إليّ، فإنني - من أجله هو - أقسو عليك قسوة لا ترحم.
يغتصب الولدان - (شيرون) و(ديمتريوس) - (لافينيا)، ولا يكتفيان بهذا، بل يقطعان لسانها ويديها.
ثم تخدع (تامورا) (تيتوس أندرونيكوس) بأن يقطع يده كي ينقذ أولاده من عقوبة القتل بمكيدة دبرتها مع عشيقها (هارون)، فيقطع (تيتوس أندرونيكوس) يده، فإذا بهم يعيدون له يده المقطوعة مع رؤوس أولاده.

الشرير الثاني:
إنه (ياجو) ذلك النبيل البندقي، وحامل علم (عطيل)، وأحد أعوانه، في مسرحية "عطيل".
لقد دبر (ياجو) سلسلة من الأحداث لتدمير حياة صديقة (عطيل)، حتى يصل إلي أن يقتل (عطيل) زوجته ثم نفسه.
لقد حدد (ياجو) مبكرًا هدفه؛ منذ المشهد الثالث من الفصل الأول؛ إذ يقول:
- لما كان المغربي صريح الضمير بيَّن الطوية يعتقد النزاهة في كل من يرى عليه ملمحها، كان من الميسور ليّ أن أقتاده من أنفه كما يُقتاد الحمار. هذه مكيدتي ظفرتُ بها.. فليستولدها صلب الظلام من بطن جهنم خلقًا شاذًا إذا طلع عليه النهار ظهر فظيعًا رهيبًا.
أخذ (ياجو) يزرع بذور الشك في أعماق (عطيل)، وينفث سموم الغيرة في نفسه، ويوقد نيرانها، ثم يسرق منديل (ديدمونة) ويراه (عطيل) بحيلة من (ياجو) بيد (كاسيو)، ثم ينصح (ياجو) (عطيل) الثائر لشرفه:
- لا تقتلها بالسم، اخنقها في نفس السرير الذي دنسته.
وتنجح مكائد هذا الوغد (ياجو)، وينتهي أمر (عطيل) وزوجته (ديدمونة) بمكره وشروره.

الشرير الثالث:
السيدة (ماكبث) من مسرحية "ماكبث". فقد كانت طاقة الشر الكامنة بقلبها هي الوقود الذي تحرك به زوجها (ماكبث) نحو جرائمه، فلم يكن (ماكبث) سوى أداة في يد سيدته، مثل ذلك الخنجر الذي اغتال به ضيفه الملك (دنكان) وألصق الجرم بحراسه وولده. والسيدة (ماكبث) كانت ترى أن أداتها في تنفيذ مرامها أداة رحيمة، تقول عن زوجها القاتل:
- فأنت أكثر رحمة وإنسانية مما ينبغي، مما سيحول بينك وبين اختيار أقصر الطرق إلي نيل مرامك.. أنت تريد المجد، ولست بالخالي من الطموح، غير أنك ترفض الشرور الملازمة للرغبة في المجد..
أنظر كيف كانت تخطط لجريمتها منذ البداية، إذ تقول فى المشهد الخامس من الفصل الأول عن مقدم الملك (دنكان) إلي قلعتها:
- قد بُحّ صوت الغراب نفسه من كثرة النعيق إذ يعلن المصير المحتوم لدخول دنكان قلعتي.. تعالى إذن أيتها الرواح الراعية للفكر الإجرامي، وجرديني هنا من أنوثتي، واملئيني من قمة رأسي إلي إخمص قدميّ بأبشع ضروب القسوة، وأحيلي ما في عروقي إلي دم غليظ، وأغلقي كل منافذ الندم، حتى لا تُفسد عليّ مشاعر الرحمة خطتي الوحشية....
ولم تكن السيدة (ماكبث) لتعرف مشاعر الرحمة حتى أفسد عليها شرها عقلها.

الشرير الرابع:
إنه الملك (ريتشارد) الثالث، والذي تحمل مسرحية (شكسبير) اسمه عنوانًا لها "ريتشارد الثالث". منذ بداية المسرحية في المشهد الأول من الفصل الأول نسمع (ريتشارد) يناجي نفسه بمكنونها، معلنًا منذ البداية:
- فلأكن إذن شرير!!.. ما دمت لا أصلح للحب، ولا للاستمتاع بهذه الأيام الجميلة الزاهرة.
إنه ينساق في طريق الشر بشكل آلي، وتقريبًا بلا دافع واضح وقوي غير ذلك الشر الكامن فيه.

الشرير الخامس:
ذلك الثعبان الذي قتل أخاه، واعتلى عرشه وزوجته، وأراد بمؤامراته أن يتخلص كذلك من ابن أخيه إذ استشعر أنه قد بات يكشف أمره، إنه (كلاديوس) أحد شخوص مسرحية "هملت"، فلم تمنعه رابطة الدم والأخوة عن قتل أخيه بمساعدة امرأته ليتخذها زوجة له وهي محرمة عليه وفقًا للشرائع ذلك العصر في تلك البلاد. بل إنه أخذ ينسج المؤامرات محاولا التخلص من (هملت) الابن الذي بات يستشعر معرفته بحقيقة جرمه، فأراد بمؤامراته المستمرة التي يستخدم فيها كل البشر كأدوات أو كأشياء دون أن يعبأ بمشاعرهم أو عواطفهم الإنسانية ليحقق استقراره علي العرش وتمسكi بالملك.





التعليقات