الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

بكاؤه يؤذيني





مسرحية
تأليف: أحمد عادل القُضَّابِّي




المشهد الأول
[غرفة معيشة عادية بها أريكتين ومنضدة ومقاعد، يفضل أن يكون إحداها سهل التحريك..]
[يدخل خالد وإبراهيم معًا..]
إبراهيم: أحضرتُ لك رواية جديدة، أأمل أن تقرأها الليلة.
خالد: أنت تعرف شغفي بالقراءة، والروايات خاصة.
[إبراهيم يقدم الرواية لخالد الذي يتناولها بتلهف ويفتحها من فوره ليتفحصها]
إبراهيم: لقد جُلبتْ خصيصًا لك..
خالد: أشكرك.. [خالد يقلب صفحات الرواية بسرعة وشغف] تبدو رواية جيدة!!
إبراهيم: هل ستقرأها الليلة؟
خالد: وهل لدي شيء أخر لأفعله؟! [لا يزال يقلب صفحات الرواية.. يتوقف عند إحدى الصفحات] عظيم.. الرواية مليئة بالقبلات واللقاءات الساخنة، أخيرًا فهمت ذوقي.
إبراهيم: أراك غدًا إذن.
خالد: لستُ متأكدً من ذلك.. لكن لماذا ستنصرف بهذه السرعة؟!
إبراهيم: لأتركك مع الرواية. [يخرج إبراهيم]
خالد: لأهيئنَ جلستي أولاً.. [يقف خالد.. يضع المقعد بالضبط أسفل المصباح الذي يتدلي من السقف.. ثم يجلس ووجهه ناحية الجمهور.. إنه يتأكد من ضبط وضعية الجلوس مع الإضاءة، ثم يشرع في القراءة بصوت مسموع] "بكاؤه يؤذيني" عنوان غريب لرواية تبدو عاطفية.. سنرى ما بها.
[يستمر خالد في القراءة بشغف، تتغير الإضاءة لتدل علي مرور الزمن]
خالد: [يقرأ من الرواية بصوت مسموع] طلية الأسبوع الفائت ظل كل من (شريف) و(نادية) حائرين في تدبر مكان للقاء، فزوج (نادية) صار لا يغادر البيت إلا نادرًا من أجل شراء الكتب الجديدة أو الذهاب إلي البنك. في الصباح اليوم؛ وعلي غير العادة؛ اتصلت (نادية) بـ(شريف) لتوقظه وتدعوه لزيارتها بالبيت، فزوجها سافر لزيارة شقيقته ولن يعود إلا في الغد، وطلبت منه أن يسرع بالحضور كي يستمتعا بوقتهما طيلة اليوم. وعندما حضر (شريف) إلي بيت (نادية) قابلته (نادية) بوجه عابس علي غير ما كان (شريف) يود أو يتوقع منها...
إظــــــــــــــــلام



المشهد الثاني
[نفس غرفة المعيشة، مع ملاحظة ألا يكون المقعد الذي كان يستخدمه خالد في نفس المكان، إذ يُفضل أن يكون في مكان آخر بالمسرح وواضح للجمهور، كذلك يفضل ألا يستخدمه كل من (نادية) و(شريف)..طيلة المشهد]
[(نادية) جالسة بوجه عابث، و(شريف) يحاول أن يتودد إليها]
شريف: هل ستظلين بهذا الوجه العابس طوال اليوم؟!.. هل هذه هي أشواقك ليّ؟!..
نادية: لن أستطيع الاستمرار هكذا.. لا بد أن نضع حدًا لهذه الدوامة التي تعصف بنا بلا قرار.
شريف: هل تريدين ترك السفينة وهجري؟!
نادية: أنت تعرف أني لا أستطيع هجرانك، فحبك يستحوذ علي كل جوارحي، لكني لا استطيع أن أتحمل الحياة هكذا دون وجودك إلي جواري. كما أنني لا أتحمل الإحساس بالمخاطرة في كل لقاء يجمعنا.
شريف: هذه هي لذة الحب يا حبيبتي. وكلما زاد حجم المخاطرة.. زادت حجم المتعة التي ننالها، إنها علاقة طردية بين الـ......
نادية: [تقاطعه] أرجوك يا شريف.. أرجوك.. ليس هذا وقت رياضيات أو مزاح، وأنتَ ترى مزاجي مضطرب. لقد قضيتُ أسبوعًا تعيسًا بعيدة عنك. [تلقي بنفسها في حضنه]
شريف: أعلم.. أعلم يا حبيبتي..
نادية: [تبتعد عنه] أنت لا تعلم شيئًا سوى الكلمات.. كلمات.. كلمات.. بينما أنا من تحترق بالقرب من رجلٍ آخر لا يبالي بها ولا باحتياجاتها العاطفية. أنا من تتمزق في انتظار رجلها والذي لا تنال قربه إلا بالمخاطرة، ولا تنال منه سوى دقائق من الهمسات المسترقة عبر التليفون.
شريف: وها أنا بين يديك، وملك يديك، لكنك تضعين الوقت في عبث مزاجك المضطرب، وتضيعين المتعة من أجل عتابٍ لن ينتهي لأن ظروفنا هي التي تصنع تباعد لقاءاتنا.
نادية: يجب أن يكون لنا قرار في هذه الوضع، وأن نحسم الأمر.
شريف: هل ستطلبين الطلاق؟
نادية: لن أنال شيئًا بطلب الطلاق إلا الطلاق وحده، فهو لم يعد يبالي بي أو بوجودي في حياته. وسأبقي ما حييت متحسرةً علي الأموال التي ساعدته علي جمعها بقية عمري، وأظل أشتاق إلي هذا البيت الذي صنعته بيدي.
شريف: هذه هي محنة الوجود يا حبيبتي.. لا يستطيع الإنسان أن يحصل علي كل شيء، لا بد أن نترك شيئًا لنحصل علي الآخر.
نادية: وماذا تركت أنت يا فيلسوف لتحصل عليّ؟
شريف: ستبادرين بالهجوم عليّ إذن!!
نادية: حقيقة أريد أن أعرف، ففلسفتك في الحياة تروق ليّ دائمًا يا حبيبي.
شريف: ليس هذا وقته!!
نادية: أجبني من فضلك..
شريف: بدون غضب للصراحة؟.
نادية: أنني أفضل صراحتك وأحبها، فهي تجعلك رغم لغة الأرقام والمعادلات الجبرية التي تملأ رأسك تعود إلي طبيعتك الرومانسية التي لا يعرفها سوى أيها العاشق الشغوف.
شريف: تركتُ راحة بالي خلفي..
نادية: [بانفعال] وأنا من تسبب لك العناء والشقاء، وترهقك أليس كذلك؟!
شريف: اتفقنا بدون غضب أو حماقة..
نادية: تقول أني سلبتك سكينتك، فكيف لا أنزعج مما أضمره صدرك؟!
شريف: عليك أن تكملي المعادلة حتى نهايتها يا حبيبتي..
نادية: أيّة معادلة؟!
شريف: معادلة حبك.. معادلة عشقي لك..
نادية: أي حب وأي عشق هذا، وأنا سبب شقائك؟!
شريف: ومن قال أن الحب والعشق يجعلان المرء يهنأ ويكون مسرورًا؟!
نادية: ألا يسبب لك قربي السرور؟!.. ألا يجعلك حبي سعيدًا؟!.. فهمتُ الآن.. لذلك تحرص علي البعد عني، لقد مللتني أليس كذلك؟!
شريف: حتى حماقتك أحبها أيتها الحمقاء المتسرعة.. [يحاول أن يضمها إلي صدره]
نادية: ابتعد عني.. ولا تلمسني.
شريف: دعيني أوضح لك ما أقصده، دعيني أكمل كلامي..
نادية: [تذهب لتجلس بعيدًا عن شريف في مقعد آخر] تفضل.. لون كلماتك وزينها، وصوبها كما تصوب الأرقام..
شريف: كنتُ قبل أن أتعرف عليك خال البال، لا أعرف القلق، لا أعرف جحيم الأفكار والسهاد، لا أعرف السهر، لا أعرف تشوش الفكر.. لكنك شغلتي عقلي منذ امتلكتِ قلبي، وتسلل خوفي عليكِ إلي صدري، فعرفت القلق. أصبحتُ لا أعرف إلا التفكير فيك وفي أحوالك، أظل أتقلب في فراشي طوال الليل لأن فراغًا كبيرًا صار يلازمني ببعدك عني. هل عرفتي الآن لماذا تركت راحة البال؟!.. المحب العاشق لا يعرف السرور والهناء إلا للحظات وهو في حضن حبيبته، أما ما دون ذلك فهو الشقاء والجحيم.
نادية: لهذه الدرجة تحبني؟!
شريف: هذه ليست درجة، أنت صرتِ تملكين حتى أنفاسي التي أحصيها في بعدك وغياب عبقك عني.
نادية: لكن هذه الأشياء أنا تركتُ مثلها خلفي، منذ أن تنعمتُ بقربك وحبك!!
شريف: لكنك لم تتعذبي في جحيم الغيرة مثلي، وأنا أعلم أنك ترقدين طوال الليل إلي جوار رجل آخر يستطيع أن يضمك إلي صدره ويرتوى من شهدك.
نادية: أنت تعلم أنه ما عاد يبالي بوجودي، فقد صرتُ له والعدم سواء.
شريف: ربما تقولين لي ذلك لكي أهدأ، ولتطفأي نار الغيرة المتقدة بصدري.
نادية: لم يعد لي أمل في الحياة إلا بقربك، لكم أتمني أن نقضي ما تبقى من أعمارنا في هذا البيت.. هذا البيت الذي صنعته بنفسي قطعة قطعة، ولي في كل شبر منه قصة وذكرى لا تنسي. هذه الأريكة التي تجلس عليها كانت من بيتنا القديم، كانت لأبي، وكنتُ أعشق الجلوس عليها، والاسترخاء فوقها، وعندما تزوجت طلبت من أبي أن يمنحني أياها. وبالفعل أهداني أبي بها، وعهد إلي أمي أن تعمل علي تجديدها كي تليق بمنزلي الجديد، فذهبت مع أمي واخترتُ لها قماشًا جديدًا، ثم أحضرنا صانع الأرائك فقام بتجديدها علي عيني في منزل أبي، ثم أنتقلتْ إلي منزل زوجي، وبعد عامين لاحظتُ اتساخ المسندين الخاصين بها، ولم تفلح المنظفات في إزالة أوساخهما، فصنعتُ لهما غطاءً من القماش علي مقاسها تمامًا، وجعلت منه ثلاث نسخ بثلاث ألوان تتناسب مع باقي الأثاث والمفروشات، ألم تلاحظ من قبل أن لون هذه الأريكة يتغير دائمًا.
شريف: نعم.. نعم لاحظت ذلك.
نادية: وعندما انتقلنا إلي هذا البيت، طلبتُ من صانع الأرائك أن يصنع لي توأمًا لها، وأن يجددها تمامًا، فحصلتُ علي هاتين الأريكتين، ولا يعرف أحد غيري أيهما القديمة الأصلية وأيهما المستحدثة. وانظر إلي هذا المنظر، لقد ابتعته من محل لبيع الأنتيكات، إنه منظر أصلي لفنان إيطالي مغمور حكي لي عنه بائع الأنتيكات قصةً رائعة، توقيع الفنان ظاهر، ولقد قمت بترميم الإطار المذهب بنفسي، بعد استشارات عديدة مع الخبراء. وهذه المنضدة أيضًا، إنها من ............ .
شريف: ارجوك توقفي عن هذا.. فأنا أعرف كم تحبين بيتك وقطع أثاثك..
نادية: أنا لا أحبها لأني إنسانة مادية إستهلاكية، ولكن لأن هذه القطع هي كل ذاكرتي وذكرياتي، هي كل حياتي السابقة.
شريف: والمستقبل؟!
نادية: المستقبل معك.. لا أراه إلا معك.. لا أتخيل مستقبلاً بدونك يا حبيبي. [صمت] لكن لا مستقبل بدون ماضي.. ليس ثمة مستقبل منقطع الجذور بلا ذكريات أو ماض.. أنت تعلم ذلك.. لا تخذلني.
شريف: لن أخذلك أبدًا.. لكن ألن تجدي ذكري تخص زوجك بين قطع ألاثاث تلك؟!
نادية: عدنا لحديث الغيرة.
شريف: نعم.. وكيف لا أغار، وذكرياتك تؤرقني؟!.
نادية: هل تعلم أني صرت أصنع ذكريات جديدة؟
شريف: كيف يصنع الإنسان ذكريات جديدة؟!!.. الذكريات هي الذكريات ذاتها لا تتبدل ولا تتغير، وهي عادة ما تكون قديمة.
نادية: [تضحك.. وتتحرك في أرجاء الغرفة بمرح طفولي] وها أنا ذا صارت لي مهارة صناعة الذكريات..
شريف: كيف هذا أيتها الساحرة المحبوبة؟!!
نادية: هل تتذكر أول قبلة بيننا؟
شريف: نعم.. لا تزال شفتي تتذكرها، وتحن لمثلها.
نادية: هل تتذكر أين كانت؟
شريف: [بتردد] علي هذه الأريكة؟؟!!
نادية: أيها الشقي التعس!!.. ألا تتذكر حقًا مكان قبلتنا الأولى وزمانها؟!..
شريف: أتذكر الزمان جيدًا.. لكن يبدو أني لا أذكر المكان بنفس الدقة..
نادية: حسنًا.. متى كانت؟..
شريف: في بدايات الربيع، فقد كانت زهور حديقتك تتفتح.. كنتُ أستطيع رؤيتها بوضح، وأنا أقبلك من خلال تلك النافذة..
نادية: كيف تذكر الزمان بدقة ولا تذكر المكان؟!.. عجبًا لك!!.. لقد ذكرت المكان وكأنه لا يمثل أية قيمة لديك!!
شريف: [مندهشًا] كيف؟
نادية: لقد كانت قبلتنا الأولى بجوار هذه النافذة، وقد كنتَ تمسك بها وأنت تضغطني إلي الحائط وتلصق جسدك بيّ هنالك، وقد أدمى إطار النافذة أصبعك.. لعلك لا تذكر هذا؟!.. [تذهب بسرعة إلي النافذة] أنظر ما زال دمك الجاف عالق بها.. أنا أحرص عليه، فلا أنظفه.. [يقترب شريف ويلقي نظرةً فاحصة سريعة، ثم يحاول أن يقبل نادية، لكنها تجري بعيدًا عنه إلي أريكتها، وتوقد الأبجورة المجاورة لها] علي هذه الأريكة وفي ضوء هذا المصباح رأيتُ شعيراتك البيض اللاتي يتخفين في سواد شعرك الفاحم. علي هذه السجادة بقعة من القهوة التي سقطت من يديك المرتبكتين أثناء زيارتك الأولي لبيتي. [تذهب إلي أحد المقاعد] هذا المقعد ظل لأيام يحمل عطرك [تتشممه] ظللت لأيام أستجدي ريحك منه. هكذا اصطنع ذكرياتي الجديدة وأستبدلها بتلك التي لم أعد أعبأ بها، كأن حياتي بدأت منذ أن تنسمت حبك وعرفت نبض قلبك.
[صمت]
[شريف ما زال واقفًا إلي جوار النافذة يتأمل الحديقة التي بالخارج، ونادية تفرك يديها وهي جالسة علي المقعد الجانبي]
شريف: ألن نصعد إلي أعلي؟!
نادية: [تذهب إليه بحيوية ومرح] ما رأيك أن نفعلها هنا؟!.. لتكون لنا ذكريات جديدة في كل شبر من بيتنا.
شريف: بيتنا؟!
نادية: نعم.. بيتي وأنا وأنت..
شريف: لكن أنا............. .
نادية: هذا ما أريده منك.. أن يصير هذا بيتنا، لقد صرت تملأ علي حتى الهواء الذي أتنفسه، لن أستطيع تحمل غيابك عني.
شريف: لكن ليس في استطاعتي أن اشتري هذا البيت من.......
نادية: لكن بإستطاعتك أن تخلصه لنا......
شريف: أخلصه؟!!..
نادية: نعم تستخلصه لنا.. ألا يستحق حبنا أن يحيا في بيتنا الذي شهد ميلاده وعاصره؟!..
شريف: يستحق بالطبع، لكني لا أفهم كيف استخلصه أو أخلصه!!..
نادية: تجعله يؤل لنا بالميراث..
شريف: تريدين أن أقتل زوجك؟؟!
نادية: لكن الأمر يحتاج إلي خطة معقدة لا يستطيع سوى عقلك أنت أن يحكمها..
شريف: [يضحك بتوتر] أنتِ جننتي بكل تأكيد!!
نادية: [تقترب منه وتلاطفه] نعم.. فأنا مجنونة بك..
شريف: كيف يمكن أن تفكري في هذا؟!
نادية: كما تفكر أنت في نظريات الاحتمال والاحتمال الشرطي التي أوجعت ليّ رأسي بها.
شريف: وما دخل نظريات الاحتمال والاحتمال الشرطي في القتل؟! إنها مجرد نظريات نستخدمها في تصحيح إشارات البث اللاسلكي في محطات التليفزيون.
نادية: نحن نحتاج إلي حادث قتل لا يحتمل أن تكون له صلة بكَ أو بيّ.
شريف: تقصدين انتفاء الاحتمال الشرطي بيننا وبين حادث القتل.
نادية: هكذا بدأت تفكر وتستخدم عبقريتك في الرياضيات لصالح حبنا.. لقد كنتُ علي ثقتة أن عقلك وحده هو الذي يستطيع أن يجعلنا نستخلص البيت والأموال دون أن يلتفت أحد إلينا.
[شريف شارد الذهن يفكر بعمق]
[صمت]
نادية: ستجدها يا حبيبي.. ستعثر عليها..
شريف: كيف يمكن أن نجعل الحدثان المستقلان المتحدان يظهران كحدثين غير مستقلان ومنفصلين؟!! علينا أولاً أن نغير قيمة الاحتمال الشرطي، ثم نجعل فضاء الامكانيات منشطرًا، ليظهر أن الحدثين متنافيان.
نادية: سأصنع لك أفضل قدح قهوة في العالم حالاً.. [تخرج جريًا]..

إظــــــــــــــــــــلام



المشهد الثالث
[المنظر: مقلوب المنظر في المشهد الأول.. أي نجعل كل ما كان في مواجهة الجمهور يستدير له، فمثلاً خالد كان يجلس علي مقعد أسفل المصباح يقرأ وهو مواجه للجمهور، يصبح يولي ظهره ومقعده للجمهور، وكذلك الحال مع معظم قطع الأثاث، كأننا أصبحنا نرى المنظر من الخلف]
[خالد جالس يقرأ علي المقعد أسفل المصباح ولا نرى وجهه]
خالد: يالها من رواية!!.. سيقتلون الرجل!!..
[يدخل شريف قابضًا علي حبلٍ غليظ بيديه.. ويتسلل من خلف خالد، فلا يراه خالد المستغرق في قراءة الرواية.. ثم يأتي شريف من خلف خالد ويحكم الحبل حول رقبته ويخنقه، وتسقط الرواية من يد خالد أرضًا]
شريف: أنا فعلاً عبقري.. لم يشعر بي.. يبقى أن أعلقه من عنقه بهذا الحبل إلي السقف مثل الأضحية بلا حول أو قوة، ليبدو الأمر وكأنه انتحار، وستدلل رواية "بكاؤه يؤذيني" بجواره علي أنه انتحر.. وبهذا يتحد الحدثان المنفصلان في فضاء الاحتمال مرة أخرى بفضل قانون بيز ومعادلته، ووفقًا لخصائص كولمكروف عن الاحتمال الشرطي. وهكذا يخلو هذا البيت لي مع حبيبتي، فأنال الحب والمال معًا. حقًا.. أنا عبقري.. عبقري.

إظــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام



المشهد الرابع
[المنظر: مثل المنظر الأول تمامًا.. نري خالد جالس علي مقعده أسفل المصباح الذي يتدلى من السقف ويقرأ في الرواية، بينما يدخل شريف من خلفه يتسسل ممسكًا بحبل غليظ بيديه]
خالد: [يقرأ من الرواية] صار زوج نادية حزينًا مكتئبًا بعدما رأي بعينيه زوجته في أحضان أخيه شريف الذي لا يزال يجهل أنههما أخوة من الأم.. رأي الزوج أخاه يبكي، لأنه عاجز عن نيل المرأة التي يحبها دون أن يدرك أنها إمرأة أخيه. كما أنه يبكي لفقره وقلة حيلته، والأيام التي جعلت منه مجرد معلم رياضيات بأجر غير منتظم، ويسكن حجرة حقيرة فوق إحدى بنايات وسط المدينة. اعتزل زوج نادية كل شيء، إلا القراءة، وراح يفكر جديًا في الانتحار كي يفسح المجال لأخيه من كل شيء.. ماله وزوجته.. الشيء الوحيد الذي كان يجعله يؤجل تنفيذ قرار الانتحار هو تلك الرواية التي يقرأها، فهو ينتظر أن يتمها، لكنها لم يكن لها لتنتهي، كأنها رواية لا نهائية مفتوحة الأفق بلا نهاية.
[يتوقف خالد عن القراءة، فيلتف حبل شريف الذي كان يقف خلفه تمامًا حول عنق خالد، فيشهق خالد بنفسه الأخير، وتسقط الرواية من يده أرضًا]
[يتأمل شريف المكان في صمت]

إظـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــلام


المشهد الخامس
[يدخل إبراهيم إلي غرفة المعيشة الخالية إلا من الرواية الملقاة علي الأرض بجوار المقعد الذي كان يشغله خالد أثناء القراءة.. يرفع إبراهيم الرواية من الأرض، ويمسح عنها بيده غبارًا وهميًا يتخيله.]
إبراهيم: [بسخرية] رواية "بكاؤه يؤذيني".. لا أعرف ما الذي يغريهم بقراءتها؟!
[نسمع صوت أقدام تقترب، يستدير إبراهيم كأنه يتجه ناحية صوت الأقدام القادمة]
إبراهيم: أحضرت لك رواية جديدة يا أسامة، أأمل أن تقرأها الليلة.

ستار النهاية





التعليقات