الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

ما الصهيونية؟



تمتد جذور الصهيونية إلى العصر البطريكي، في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد، وهي محاولة لإيجاد مجتمع لليهود، يكون لهم فيه حقوقهم وواجباتهم في إطار دولة أو مملكة؛ كما حدث في مملكتي يهوذا وأورشليم. فيكون لهم الدين، والقومية، والحرية، والاستقلال.
إن جوهر الفكرة الصهيونية؛ والذي هو إيجاد مجتمع لليهود؛ ظهر للوجود عقب قيام الرومان بتدمير مملكة يهوذا مباشرة، أي بمجرد أن فقد اليهود استقلالهم وبدءوا شتاتهم منذ عام 70م.

بدأت فكرة "إعادة صهيون" تتحول إلى عقيدة داخل الدين اليهودي، كما أصبحت ملمحَا سيكولوجيا عامًا داخل المجتمعات اليهودية المشتتة. فنجد مثلاً:

ـ الدعاء من أجل إعادة القدس يتم في الصلوات اليومية الثلاثة المتقطعة (الفجر – العصر – العشاء).
ـ تضمين الدعاء في كلمات الحمد التي يقولها اليهودي عقب كل طعام.
ـ أصبح الدعاء بإعادة القدس جزءًا لا يتجزأ من العبادة اليهودية.
ـ أصبح الدعاء من العبارات المألوفة التي يرددها اليهودي على مدار السنة في أيام السبت، وأيام الأعياد، وفي الصيام.
ـ لا يختم واعظ عظته دون أن يقول "اللهم أرسل المخلص المنتظر إلى صهيون" ويردد الجميع من خلفه في صوت واحد وبنبرة حماسية حارة "آمين".
ـ كذلك في احتفالات الزواج تتردد عبارات التهنئة وعبارات التمني: "نسمع في مدن يهوذا وشوارع أورشليم الفرح والسرور في القريب".
ـ الدعاء بسرعة بناء معبد القدس (الهيكل) عند التهنئة ببناء منزل جديد.
ـ كذلك في الأعياد يعبرون عن فكرة العودة في التهنئة بقولهم لبعضهم البعض: "فلنتقابل في العام الآتي في أورشليم".

وعلى مدار القرون التي تعاقبت واليهود في الشتات كانوا يصلون للعودة إلى صهيون ويحترقون شوقًا، وهذه الرغبة الجارفة عبر عنها شعراءهم في قصائد كثيرة عبر التاريخ.
وعلى الرغم من ذلك تشتتت فكرة "العودة إلى صهيون" عندما تحولت إلى الصهيونية (إيجاد مجتمع خالص لليهود) بتشتتهم وتشتت انتماءاتهم وأيديولوجياتهم وثقافاتهم. غير أن الدكتور عبد الوهاب المسيري يؤكد على أن:
"الصهيونية تنطلق من رفض لليهودية دينًا، واليهود مواطنين أفرادًا يحيا كل واحد منهم حياته بحسب انتمائه الطبقي أو الحضاري، وتطرح، بدلاً من ذلك، نسقًا أيديولوجيا يتسم بالتجريد والإطلاق في موقفه من التاريخ ومن الإنسان ومن الأرض. ويترجم هذا التجريد عن نفسه في فكرة اليهودي الخاص، الذي يعيش في أرض يهودية خالصة"( ).

والذي دعا الدكتور المسيري إلى تأكيده هذا، هو أن الصهيونية في بداية علاقتها الشائكة مع الدين اليهودي تحددت على أساس سيطرة السياسة على الدين سيطرة الحاسم المستقل المستغل، فاستغل الصهاينة العلمانيون عنصر الدين لاستقطاب اليهود غير العلمانيون.

ويقول هرتزل في هذا الصدد في كتابه "الدولة اليهودية":

"سوف يقوم حاخامونا، الذين نتوجه إليهم بنداء خاص، بتكريس جهودهم وطاقاتهم لخدمة فكرتنا، وسوف يغرسونها في نفوس الرعية اليهودية عن طريق الوعظ والإرشاد من فوق منابر الصلاة"( ).

وقد أدى تشتت مفهوم الصهيونية (إيجاد مجتمع خالص لليهود) إلى وجود عدة أطروحات للصهيونية تتجاور وتتشابك مع بعضها البعض صانعة ما يشبه الموزيك؛ فنجد الصهيوينة الهرتزلية أو ما عرف باسم "الصهيونية السياسية"، كذلك نجد صهيونية شرق أوربا، وقد تفرع منها: "اليسار الصهيوني"، و"الصهيونية العملية"، و"الصهيونية الدينية". وكذلك أيضًا صهيونية غرب أوربا، أو ما يسمى "الصهيونية الغربية"، وهناك "الصهيونية الروحية"، أو ما يعرف بـ "الصهيونية الثقافية"، وهناك تيار الصهيونية الاشتراكية.

وعلى الرغم من اتساع رقعة التنوعات الفكرية داخل الصهيونية، إلا أنها استطاعت أن تصل إلى لغة مشتركة بين العلمانيين والدينيين، واستطاعت كذلك أن تجذب داخلها تيارًا كبيرًا من اليهود التقليديين، "وقد لعب هذا الجناح الديني دورًا مهمًا في بداية الحركة الصهيونية في تشجيع هجرة الدينيين إلى فلسطين، كاحتياطي إنساني يشترك في الحركة الصهيونية، وظل حسب قول هرتزل: "السماد الثمين الذي يخصب البذرة الغالية للقومية ويحميها من القوى النهمة للاندماج"( ).

لقد نجحت هذه الأطروحات المختلفة للصهيونية، وهذا التفرع الفكري داخلها في استيعاب السواد الأعـظم من اليـهود وطموحاتهم وأيديولوجياتهم داخل مفهوم الصهيونية (إيجاد مجتمع خالص لليهود). غـير أننا لو ابتعـدنا قليلاً عن التاريخ إلى الواقع، فـسنجد أن حصر مفهوم الصهـيونية في (إيجاد مجتمع خالص لليهود) سينفي وجودها الآن، فالمجتمع قد وجد بقيام الدولة منذ ما يزيد عن خمسين عامًا. لذلك ، فأنا أتصور أن مفهوم الصهيونية لا يمكن قصره على ذلك (إيجاد مجتمع خالص لليهود) فقط، ولكنه يتسع ليصبح "إيجاد مجتمع خالص لليهود الخُلَّص على أرض يهودية خالصة لهم ولجنسهم"، وهذا ما يطرح/يفجر بدوره عنصرية الصهيونية وعنفها.

التعليقات