الأكثر مشاهدة

أخر المقالات

المراحل التاريخية التي أدت إلى الصهيونية



عند إعادة النظر في تاريخ الصهيونية؛ وهو: لماذا لم يتحرك اليهود وينظموا أنفسهم للحياة على أرض فلسطين عبر القرون السابقة على القرنين التاسع عشر والعشرون؟
إن الخطوات العملية لتطوير خيالات العودة المزعومة إلى فلسطين لم تتحول إلى حقيقة إلا بعد منتصف القرن التاسع عشر، لأن اليهود حتى ذلك الوقت لم يتمكنوا من القيام بعمل جماعي، وذلك راجع إلى العقم السياسي والصعوبات الخاصة بفكرة التنظيم.
ولعل الآراء الأولى الداعية إلى العودة المزعومة إلى فلسطين قد أدلى بها بعض مشاهير اليهود وغير اليهود من المسيحيين الذين يؤمنون بعودة المخلص، لأنهم يعتقدون أن مجيء المسيح المنتظر الذي سيقود اليهود إلى أرض أجدادهم (كما يزعمون) ويفتح بذلك دولة القديسين التي ستظل ألف سنة قائمة، لن يتم إلا بعد أن يتشتت اليهود في كل بقاع الأرض.

"تمثل فكرة ظهور مسيح يهودي من نسل داود أحد الأصول الراسخة في العقيدة الدينية التي انبثق عنها بناء كامل من المفاهيم العنصرية التي تزرع في الوجدان اليهودي أفكار الاستعلاء العنصري على سائر الشعوب. وتعرف هذه الفكرة في العقيدة الدينية اليهودية بمصطلح خاص بها هو مصطلح "مشيحوت"( ).

"משיחות" كلمة تعني رسالة المسيح لغويًا، بينما الكلمة التي تعني لغويًا المسيح المنتظر؛ فهي لفظة آرامية معبرنة؛ هي "משיחא"؛ واللفظة العبرية الأصلية الدالة على المسيح المنتظر أو المهدي هي "משׁיח"، وهي تعني أيضًا الممسوح بالزيت (تقديسًا). ومصطلح "משׁיחות" (مشيحوت) يعني المسيحانية أو الخلاص. ومصطلح الخلاص هذا نتج عن مشاعر النقص والإحباط التي أصابة اليهود عقب السبي البابلي وهدم مدينة القدس على يد الرومان سنة 70م. وما أحلام إشعياء وبروتوكولات حكماء صهيون إلا رد فعل يهودي ضد هذا النقص والحباط بالاستعلاء.

"لقد بدأ هذا المفهوم على نحو تدريجي في نطاق الكتب المقدسة فكان في بداية نشأته يتحدد في الاعـتقاد بمجيء بطل يهـودي بشـري يتميز بصفات القـدرة القـتالية التي تـمكن بني إسرائيل من الخروج من حالة الفشل العامة التي عاشوها بين شعوب الشرق القديم"( )

يقول الشاعر الرباني عمنوئيل بن سلوموه (توفى عام 1360م):

"أسرع يا مسيح الرب، لماذا تتلكأ؟
ها هنا الدموع المسكوبة تنتظرك..
المشتتين في الوديان يسكبون الدماء..
كل قلب ينتظرك وكل لسان يشتهيك.
تحرك يا مسيحنا.. تقدم إلينا راكبًا حصانًا يجري بسرجه المطهم".
وظل مفهوم المسيح المنتظر والاعتقاد بالخلاص على ألسنة الشعراء والرواة والمتصوفين اليهود على مر العصور. "فقد شهدت التجمعات اليهودية خلال العصور الوسطى رجالاً ظهروا بين اليهود يدعي كل منهم في زمنه أنه ذلك الملك المسيح المقاتل المنتظر وقاد كل منهم جماعة من اليهود قاصدًا التوجه إلى فلسطين"( ).

إذن؛ فكلمة "משׁיחות" (مشيحوت) العبرية، اصطلاح تعني الاعتقاد في مجيء مسيح يهودي يتميز بصفات قتالية عالية تمكن اليهود من الخروج من فشلهم وتمنيهم بمجيء يوتوبيا تحقق لهم ما يعتقدون به من سيادة على بني البشر (الأغيار)، فتخضع البشرية لهم.

وكلمة "משׁיחוּת" مشتـقة من الفعل "משׁח"؛ (ماشح) بمعنى مسح بالزيت المقدس، وهي عادة كانت منتشرة في الشرق القديم حيث كان الناس يمسحون أجسادهم بالزيت بهدف التطيب، أو الطهارة، أو العلاج، أو لإضفاء لمسة قدسية على الشخص الممسوح. وكان يستخدم لدى شعوب الشرقين في الطقوس التطهرية في شكل طقس ديني.

وإذا ما تأملنا العهد القـديم؛ وجـدنا كلمة (ماشيح) - المسيح - "משׁיח" مضافة إلى كلمة يهوه "יהוֹה" (الرب)، لتعني الممسوح بالزيت من الرب أو مسيح الرب. فعلى سبيل المثال؛ نجد النص العبري في سفر صموئيل الأول: إصحاح 24: الفقرة 7: "וַיֹּאמֶר לַאֲנָשָׁיו: חָלִילָה לִּי מֵיהוָה אִם אֶעֱשֶׂה אֶת הַדָּבָר הַזֶּה לַאדֹנִי לִמְשִׁיחַ יְהוָה לִשְׁלֹחַ יָדִי בּוֹ כִּי מְשִׁיחַ יְהוָה הוּא".. أي : "فقال لرجاله: حرم عليّ من قبل الرب أن أصنع هذا الأمر بسيدي، بمسيح الرب، فأمد يدي عليه لأنه مسيح الرب".
"ولم يقتصر استخدام تعبير ماشيح يهوه في العهد القديم على ملوك إسرائيل فقط، فقد أطلق النبي أشعياء نفس اللقب على الملك الفارسي كورش، بالرغم من أنه ملكًا وثنيًا لا يعرف يهوه"( ).
فنجد في سفر أشعياء: الإصحاح 45: الفقرة الأولى: "כֹּה אָמַ֣ר יְהוָה לִמְשִׁיחֹו לְכֹ֣ורֶשׁ אֲשֶׁר הֶחֱזַ֣קְתִּי בִֽימִינֹ֗ו"؛ أي: "هكذا يقول الرب لمسيحه لكورش الذي أمسكتُ بيمينه". ولعل إطلاق لفظ "משׁיח" (ماشيح) - مسيح - على كورش هنا، كان بسبب الخلاص الذي حققه لهم من السبي البابلي.
ثم تختلف دلالة المصطلح في فترة عصر التلمود، ليقتصر مدلول اللفظ (ماشيح) - مسيح - "משׁיח"، للدلالة على ملك يأتي في المستقبل بقوة إلهية ليقوم بتخليص اليهود من أعدائهم، ومن خضوعهم وذلهم.

فمنذ أن تشرد اليهود في عصر الإمبراطورية الرومانية، حُرِّم عليهم إقامة المعابد وتولي الوظائف الشرفية، غير أن الإسلام أتاح لهم حرية العقيدة مع انتشار الدعوة والدولة الإسلامية في أصقاع الأرض حتى بلغوا مكانة أطلقوا عليها بأنفسهم اسم "العصر الذهبي"، وهي فترة الفتح الإسلامي للأندلس. وقد عبر أحد شعرائهم عن هذه الفترة الذهبية في تاريخ اليهود؛ وهو الشاعر (يهودا ليف جوردون) في قصيدته "في قاع البحر" حيث قال:
"عاش طريدو صهيون أيامًا كثيرة سعداء..
في أقصى أوربا، في شبه جزيرة إسبانيا..
وكانت إقامتهم في بلاد العرب، وسعدوا فيها،
ولم يمنع عنهم أبناء محمد كل ما هو حميد..
من خيرات الأرض أكلوا، وكأخوة عاشوا،
فنسوا سبيهم، واعتبروا كمواطنين".

أما اليهود الذين قدر لهم العيش في أوربا فقد لاقوا كثيرًا من الاضطهاد، ولم يسلم يهود فرنسا وألمانيا من التعذيب. وفي القرن الثالث عشر ازدادت حدة الاضطهاد، فقتل منهم من قتل، وحرقت كتبهم وحكم عليهم البابا بوضع الشارة الصفراء على ملابسهم، وكذلك حظر عليهم جميع أنواع الحرف وخاصة التجارة، بل وحددت إقامتهم في أحياء خاصة أطلق عليها اسم (جيتو). وقد كان الجيتو يتميز بشوارعه الضيقة القذرة المظلمة، وكان حول هذا الجيتو سور كبير وله بوابة حديدية يتم إغلاقها ليلاً وفي أيام أعياد المسيحيين.
ويرجع السبب في اضطهاد اليهود في أوربا إلى أخلاق اليهود وسلوكهم الذي يقوم على نوع من السيطرة والاستعلاء الاجتماعي والاقتصادي؛ فقد كان اليهود دائمًا يقومون بدور المرابي والتاجر والسمسار، وهي شخصية وظيفية كان المجتمع الأوروبي يمقتها. وكان جشع اليهود معروفًا، فكانوا يجمعون المال والثروة بأية طريقة، فأقرضوا بالربا الفاحش في كافة أنحاء أوربا حتى تكدس لديهم المال، فسنت القوانين المقيدة لنشاطهم، حيث كان لدى المسيحيين خوف من سلوك اليهود، وكانوا يرون فيهم أبشع الصور العدائية وذلك بسبب جرائمهم كالخيانة والقتل الطقسي؛ وهو قتل مسيحي وأخذ دمه وعجن فطير الفصح منه. وقد بلغ الأمر أحيانًا حد الطرد من الأراضي كما صنعت إنجلترا في القرن السابع عشر.

وعندما هبت رياح التغيير على أوربا في أواخر القرن السابع عشر وبدايات القرن الثامن عشر؛ والتي تمثلت في إحلال الرأسمالية مكان الإقطاع وتواكب مع ذلك الحركة الثقافية الاجتماعية التي سميت بالتنوير، والتي حملت في طياتها بعض الحريات والحقوق التي سلبتها الكنيسة من الإنسان الأوربي. فقد تسللت هذه الآراء عبر أسوار الجيتو، فرأى كثير من اليهود أنه لا معنى لبعدهم عن الشعوب الأوربية ـ خاصة وأنهم قد استطيروا فكرة الجيتو، وبدأت هتافات: "لنخرج من الجيتو" تنتشر، وبدأت أسوار الجيتو تنفتح وتتهدم شيئًا فشيئًا، وبدأت أفكار وآراء عصر التنوير ومعارفه تتسرب عبر الجيتو للتفاعل مع فكرة الخلاص المنتظر على يد المسيح المخلص، لتتطور معها أفكار الصهيونية، ومفهوم مصطلح الصهيونية ذاته.. الذي أخذت دلالته ترتسم بظلال جديدة مع عصر التنوير في أوروبا.

التعليقات